"لا أخشى الجرأة": عن تابو الجنس الذي عرّته الرواية السعودية

"لا أخشى الجرأة": عن تابو الجنس الذي عرّته الرواية السعودية

تطرقت في السنوات العشر الأخيرة، أكثر من رواية تطرقت للدين والجنس، فأثارت الجدل داخل المجتمع الذي يصفه الكُتاب في رواياتهم بالمنغلق والمتشدد.

مؤخراً، وتحديداً منذ عام 2007، ازدادت ظاهرة توظيف الجنس في الرواية السعودية، وازدادت الانتقادات الموجّهة للسلطة الدينية، وعلى رأسها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حاول عدة روائيين كسر التابوه الجنسي والديني في أعمالهم. ويستعرض رصيف22 أشهرها.

"الأوبة" لوردة عبد الملك

تعتبر رواية «الأوبة» الصادرة عن دار الساقي، للكاتبة وردة عبد الملك، أشهر الروايات السعودية التي وظفّت الجنس والجسد، ولاقت انتقادات واسعة بين المهتمين بالأدب في المملكة، بجانب انتقادها لسلطة رجال الدين، وفضح انحرافاتهم، بحسب الرواية.

الرواية التي تقع في 101 صفحة، تتشابه أحداثها مع كثير من الروايات، حيث تتعرض شخصياتها للزواج الإجباري. بطلتها «سارة» التي تقع تحت تأثير أخصائية بالمدرسة، مُحافظة دينياً، تزرع في رأسها أفكاراً عن الخير والشر، وتحاول تطويعها لتزويجها من شقيقها «عبدالله»، المريض نفسياً، والذي يكبرها بـ15عاماً. وقد تزوجته رغم رفض أخيها «عمر»، لتبدأ رحلة أشبه بالسجن داخل منزلها.

تتحلى «سارة» بالصبر تحت تأثير المُعلمة، وحديثها عن الصبر وفضل الزواج، لكنها لا تتحمّل إلى ما لانهاية، وينتهي الأمر بطلاقها. تتزوج بعد ذلك من شيخ مريض بعقله، يشك كثيراً، ولديه هوس برغبات جنسية شاذة، وينتهي الأمر بالطلاق مرة أخرى، وتتحرر سارة.

لا جديد في فكرة الرواية، فكثير من الأعمال تحدثت عن السلطة الذكورية، لكن وجود الجنس في الرواية، خاصة أنها سعودية، أثار الجدل داخل المملكة.

من ضمن المشاهد الجنسية، وصف البطلة ليلة الدخلة: "خلع ثيابه، وأبقى عليه سروالاً قطنياً ممططاً ومائلاً، يصل إلى حدود ركبتيه، لم يقدم لي كأس ماء، ولا وردة، ولم أر شوكولاتة ولا فاكهة، ولم أسمع منه كلمة ولا همسة، ولم يداعبني، ولم يلاطفني، لكنه برك. هكذا برك كما يبرك البعير الأجرب".

في الرواية أيضاً، انتقاد واسع لرجال الدين، الذين يستغلون النساء ويعتدون عليهن جنسياً، وقد جسّدت المؤلفة ذلك، في مشهد أحد المشايخ الذي مارس الجنس مع سيدة طلبت منه أن يُداويها.
INSIDE_RiwayaKSA_Akharoun

"الآخرون" لصبا الحرز

تقتحم الكاتبة السعودية صبا الحرز، العالم الشيعي وتفاصيله في روايتها «الآخرون» الصادرة عن دار الساقي عام 2006.

البطلة مثلية شيعية المذهب، تدور قصتها في منطقة القطيف، وتدرس في كلية الدمام، تعاني صراعاً داخلياً، بين الاحتياجات الفسيولوجية، ورغبتها في الجنس وبين العادات والتقاليد والفكر الديني الذي يحكم المجتمع، ويفرض على المرأة الكثير من المحظورات.

تتعرّف البطلة التي تحكي تجربتها الذاتية –أو يمكن تسميتها الساردة– على صديقات مثليات في العشرين من عمرهن، ثم تحكي عن ممارسة الجنس بينهن. تعيش البطلة حياة في منزلها وفي الجامعة مختلفة عن حياتها في الغرف المغلقة مع صديقاتها.

بجانب تفاصيل ما يدور في الغرف المغلقة، تقتحم الكاتبة مسألة شائكة، الحب بين مذهبين مختلفين، إذ تقع البطلة في حب شاب سُني يدعى "عمر"، ليظهر انغلاق المجتمع الذي يرفض تلك العلاقة.

هذه الرواية تمثل إدانة على انغلاق المجتمع السعودي الذي يستخدم الدين في فرض ممارسات ضد الحرية الشخصية، منها حبس المثليين، ورفض العلاقات التي تجمع بين أفراد المذهبين الشيعي والسُني.

تقول الأديبة صبا الحرز، رداً على الانتقادات الموجّهة لها بسبب توظيف الجنس: "لماذا كل هذه الضجة. الموضوع يُحتم ماذا نكتب، وماذا نوظّف. ليس هناك مشاهد أو أحداث مفعتلة، كل مشهد جرى توظيفه".

وتُضيف: "أنا أكتب رواية، ولا أكتب تاريخاً أو دراسة، أكتب رواية عن أحداث ما، ولا أضع مشاهد مفتعلة لزيادة معدل القراءة. لا أخشى الجرأة، وأكتب بصدق، ولا يهمني رد الفعل".

"نساء المنكر" لسمر المقرن

إحدى الروايات التي أثارت ضجة لدى الرأي العام السعودي، عام 2008، هي "نساء المنكر" الصادرة عن دار الساقي، للكاتبة سمر المقرن، وحققت أعلى المبيعات في معرض بيروت الـ51، حسب "الساقي".

وتتضمن الرواية التي تقع في 80 صفحة، مجموعة من الحكايات عن نساء قادتهن أقدارهن إلى السجن، وتظهر الحكايات قضايا العنف ضد المرأة في المجتمع السعودي.

تدور الرواية حول فتاة حُكم عليها بالسجن 4 سنوات و700 جلدة، لأنها خرجت في موعد غرامي مع حبيبها الذي حكم عليه بالسجن هو الآخر 3 أشهر و50 جلدة.

تتحدث البطلة "سارة" عن مجمل معاناة المرأة وإحباطها في مجتمع ذكوري يستمر فيه سيطرة الرجل على المرأة، وتتطرق لزواجها التقليدي الفاشل، الذي انتهى بالطلاق بعد 8 سنوات.

ثم تعوّض تلك السنوات بعلاقة غير منطقية مع حبيب صديقتها، استمرت فيها بسبب سنوات حرمانها من اللذة الجنسية: "كلما أشتاق إلى غيرتي فيلقي بكرات الثلج فوق لهيب النيران ويمد ذراعه بعد ليلة جفاء ليسحب جسدي إلى أحضانه وينتهي كل شي مع أول شهقات الحب".

تُدين الرواية أيضاً هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تسميها الكاتبة "السلطة الدينية"، منتقدة فكرها المتحجر، وتجاوزاتها بحق المواطنين. هناك أيضاً نقد واسع لعقلية المجتمع السعودي الذي يقمع الحرية الشخصية، حيث تحدثت الكاتبة عن الحب واللقاءات العاطفية، وكيف تواجه هيئة الأمر بالمعروف الحب بالسجن.

وتنقل الكاتبة معاناة النساء في السجن، والظلم الذي يواجهنه من المجتمع والأسرة، وتطرح أسئلة حول المساواة الشرعية والقانونية بين الرجل والمرأة وتنتقد الأحكام التي تصدر بحق النساء.

تقول سمر المقرن، لرصيف22، إن الرواية ليست جنسية، وهي نسوية، تطرقت فيها لموضوعات تهمّ المرأة مثل الحب والجنس، ولم أسع لتضمين الرواية مشاهد جنسية مبتذلة، رغم أن الجنس ضرورة للرجل والمرأة، ومن المتطلبات الأساسية في الحياة.

وعن انتشار روايات توظف الجنس في المجتمع السعودي، قالت إن هناك انفتاحاً في المجتمع، بجانب تحفيز من دور النشر، خاصة اللبنانية، موضحة أن الكتابة الجنسية ليست عيباً، شرط أن تأتي في سياق حدث، وألا يجرى افتعال مشاهد مبتذلة.

أقوال جاهزة

شارك غردروائيون وروائيات من السعودية، لم تطفئ الرقابة ولا المحرمات جرأتهم ولا إبداعهم

شارك غرد"لماذا كل هذه الضجة"؟ عن توظيف الجنس في كسر التابوهات في الرواية السعودية

"الحمام لا يطير في بريدة" ليوسف المحيميد

رواية «الحمام لا يطير في بريدة» للكاتب السعودي يوسف المحيميد، والفائزة بجائزة أبي القاسم الشابي في تونس عام 2001، تعدّ من ضمن الأعمال التي كسّرت التابوهات الثلاثة "الدين، السياسة، الجنس" في المجتمع السعودي، مستعيناً بجملة للمفكر السعودي عبد الله القصيمي في بداية الرواية: "أقسى العذاب أن توهب عقلاً محتجاً في مجتمع غير محتج".

تدور الرواية حول شابين كان أبواهما متورّطين في أحداث الحرم المكي عام 1979، أحدهما سافر إلى بريطانيا للدراسة، وتبدأ القصة في التصاعد، حينما يجرى القبض على الشاب بسبب خلوة مع فتاة. وبين فترة الحبس وإخلاء السبيل، يسرد بطل الرواية «فهد»، حياته مع والده ووالدته، ونجل عمه، وأصدقائه.

وتزخر الرواية بعدة أحداث سياسية ودينية مثل أحداث الحرم المكي عام 1979، وتفجيرات 2004، وأحداث كلية اليمامة بالرياض، لكن ما لاقى الاعتراض الأشد، هو الإسهاب في عرض التفاصيل الجنسية لـ"فهد".

من ضمن مقاطع الرواية، حديث لسيّدة متزوجة تُحب فهد في السيارة: "الآن يا فهد أنا معك، أشتهيك، جعلتك تقيس حيواني وتتأكد من سخانته ورطوبته وضيقه. إنني أخشى أن أضعف امامك، أمام وسامتك وشبابك، لكنني الآن على استعداد أن أفتح لك قلبي وساقي، أجعلك تضربني حتى تدوخ".

"الواد والعم" لمفيد النويصر

في نوفمبر 2007، صدرت للكاتب السعودي مفيد النويصر رواية "الواد والعم"، في 175 صفحة من القطع المتوسط. وتناقش الرواية بعض الجوانب السلبية في المجتمع السعودي، من خلال عدة شخصيات تدخل في خانتي «الواد»، وهو الطرف الضعيف، و"العم" الطرف القوي.

ويسلط المؤلف الضوء على المثلية الجنسية في الحارات الشعبية بمدينة جديدة، وتحدث عن علاقات المثليين، وطبيعتها، إذ صوّر الطرفين أحدهما مقهور "الواد"، والآخر قوي "العم"، ثم سرّد أساليبهم في عرض أنفسهم، وغزلهم.

وتطرقت الرواية إلى جوانب سلبية في المجتمع السعودي مثل التمييز على أساس اللون والعرق، واضطهاد المرأة، والعنف ضد الأطفال. جسّد الكاتب ذلك في قصة فتى أسود يُدعى حسام، الذي هرب أبوه، رافضاً الاعتراف به بسبب لون بشرته، والمستوى الاجتماعي لوالدته، الأمر الذي أثّر سلباً على الابن، الذي لم يكن له هوية ولم يلتحق بالدارسة أو أي عمل، ليصير ضحية للأب والمجتمع العنصري، ليُنهي حياته منتحراً بعدما فشل في العيش بالمجتمع.

وتنتهي الرواية بنتيجة مفادها أن البقاء للأقوى، وعلى الضعيف أن يخضع، أو ينتحر أو يُهاجر، وتُقارن الرواية بين العالمين الغربي والعربي، ويُعجب الكاتب بأنماط العلاقات في المجتمع الغربي، حيث حفظ كرامة الإنسان.

في حديثها لرصيف22، تقول الناقدة السعودية كوثر القاضي، إنها لا تمانع توظيف الجنس في العمل الأدبي، إذ أن الكتب السماوية نفسها تعرّضت له، والروايات القديمة مثل "شقة الحرية" لغازي القصيبي تناولت الموضوع باحترافية، لكن الروايات الحديثة تعالجه برداءة، وسوء لغة، ولا يجرى توظيفه في السياق، بل يكون الاهتمام بالحديث عن تفاصيل الجسد والعملية الجنسية.

وتضيف أن بعض الروائيين يستخدمون الجنس في أعمالهم من أجل الشهرة، دون محاولة علاج مشكلة الجنس نفسها، أو توظيفه بشكل صحيح.

2007.. عام ارتفاع توظيف الجنس في الرواية

في عام 2014، صدرت دراسة أعدّها نادي الباحة، الأدبي السعودي بعنوان «ببلوغرافيا الرواية السعودية»، قالت إن الروايات انتشرت داخل المملكة بكثرة منذ العام 2007، بسبب تناولها لموضوعات الجنس.

وحسب الدارسة، فإن 55 رواية في 2007، وظفت الجنس والجسد، و64 في 2008، و70 في 2009.

وهناك روايات صدرت في السنوات الخمس الأخيرة، توظف الجسد، منها "فلتغفري" الصادرة عام 2013، للكاتبة أثير عبد الله النشمي، وتدور حول قصة حب بين رجل وامرأة في قالب من الرومانسية. هناك أيضاً رواية غراميات شارع الأعشى، للكاتبة بدرية البشر، حيث تقدم الرواية صورة مختلفة عن الفكرة السائدة عن المرأة السعودية.

من بين أشهر الروائيين السعوديين الذين يكسرون تابوه الجنس والدين، عبده خال، الحاصل على جائزة «البوكر» عام 2010، ولديه روايات يوظف فيها الجسد، ويكسر تابوهي الدين والسياسة مثل «ترمي بشرر، فسوق، الأيام لا تخبئ أحداً، الموت يمر من هنا، ومدن تأكل العشب».

"معظم الروايات تحاول حشو الجنس في التفاصيل، وللأسف تكون الأحداث مفتعلة، وكأن الكاتب يريد إخراج فيلم إغراء"، كما يقول الباحث السعودي، محمد بن عبدالله العوين، لـرصيف22.

ويضيف: "من يريد لروايته الانتشار عليه التحدث في موضوعات الدين والجنس، وهذا ما حدث في المملكة في السنوات الأخيرة. لست ضد الكتابة عن الجنس ولكن يجب عدم اتباع طريقة الحشو. التوظيف أهم شيء، وليس الحشو والافتعال".

[/read_more]

رضا غنيم

صحافي مصري متخصص في السياسة. يعمل لصحيفة "المصري اليوم".

التعليقات

المقال التالي