حوار مع أيمن الدبوسي حول البورنولوجيا والكتابة الإيروسية العربية

حوار مع أيمن الدبوسي حول البورنولوجيا والكتابة الإيروسية العربية

حبل مشدود ودقيق ذلك الذي اختار الكاتب التونسي أيمن الدبوسي أن يغامر ويمشي فوقه من دون أن يفقد توازنه. فالكتابة الإيروسيّة، بما تثيره من ضجّة في مجتمعاتنا العربيّة، كانت ولم تزل نوعه الأدبي المفضّل.

في مقابلة مع رصيف22، يتحدّث أيمن عن تجربته في الكتابة الإيروسية.

MAIN_AymenDaboussi

  • إذا انطلقنا من أنّ الإيروسيّة هي انعكاس لما يختلج في النّفس من شهوات، فما الذي تعنيه الكتابة الإيروسيّة بالنسبة إليك؟ وهل لها أبعاد أخرى ودلالات أعمق من تلك المتداولة لدى العامّة؟

إن الكتابة الايروسية هي كتابة الحدود. ويجب أن لا تقتصر على الجنس. فموضوعات كالموت والحب والحرب والجنون والإدمان، وكل التجارب القصوويّة تدخل في نطاق التجربة الإيروسية. فما يختلج في النفس من أهواء عنيفة ومتنافرة يمكن في لحظة قصوى أن يدفع المرء لأن يرتمي خارج نفسه.

وعليه، فإن الإيروسية هي كسر لضيق محبس النفس الفرد. ويمكن أن نقول أيضاً إن الكتابة الإيروسية هي كتابة الشطط. فالأمر يتعلق دائماً بشيء ما زائد عن الحاجة. جورج باتاي يسميه "الجانب الملعون"؛ إنه ذلك الفائض الطاقي المنذور للهدر. باختصار الإيروسية هي لعبة الإنفاق والنُّفُوق. وتبقى الكتابة كغيرها من الفنون مجالاً للإيروسية من دون أن تلمّ بها في شموليتها وعمقها.

جلال الدين السيوطي ومحمد النّفزاوي هما شيخان يمثلان نموذجاً للكتّاب الذين خلعوا أقنعة التعفّف ورفعوا شعار "لا حياء في الدين"، وهو ما خوّل لهم الخوض في تفاصيل الجسد وأسرار العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة.

  • بصفتك كاتباً ونفسانياً، كيف تفسّر ارتداد الجسد إلى ذلك السّجن الأفلاطوني؟ كيف يمكن للأدب أن يعبّر عن هذا التّدهور في علاقتنا بأجسادنا؟

ان كتابات السيوطي والنفزاوي والتيفاشي وغيرهم حول الباه وآداب النكاح تبقى على طرافتها ضرباً من ضروب التدبير والاقتصاد البيتي. فهي محكومة بأصول الشريعة ولا تخلو من النصح والوعظ، ولا ترتقي بأي حال من الأحوال إلى فن "الفنتازم" كما مثّلته سينما البورنوغرافيا مثلاً، أو بعض كتابات الخُلعاء والإباحيين على غرار ساد ومازوخ وباتاي.

فلا يكفي خلع الحياء والخوض في تفاصيل الجسد وأسرار العلاقة الحميمة إلى خلق فن شبقي. لكن ما يُحسب للقدماء (السيوطي والنفزاوي...)، هو إنشاء خطاب حول الجنس، متّسق مع السياق التاريخي والثقافي، وذلك ما فشل فيه المُحدَثون فشلاً ذريعاً. ولعلّ مشكلة الجسد في سياقنا العربي الإسلامي الحديث ناتجة عن غياب خطاب جديد حول المسألة.

وهي مهمة يمكن أن يضطلع بها الأدب، لما له من قدرة على إعادة تشكيل التمثّلات والعلاقات. فتحرير الأجساد مرتبط بتحرير الخطاب حولها. وتبقى كتابة نص إباحي انتهاكي في ثقافة تخجل من ذكر وتسمية الأعضاء الجنسية، مسألة أعقد وأعسر من أي ممارسة جنسية، مهما كان فحشها وانتهاكها.

أقوال جاهزة

شارك غردتبقى كتابة نص إباحي انتهاكي في ثقافة تخجل من تسمية الأعضاء الجنسية، مسألة أعقد وأعسر من أي ممارسة جنسية

شارك غردماذا يساوي العهد القديم دون فرعون والإنجيل دون يهوذا والقرآن دون عاد وثمود؟ أحسن القصص هي قصص الشر

  • يرى جورج باتاي، في كتابه "الأدب والشّر"، أنّ الكتابة شر لا بد منه. ما رأيك؟

مسألة الشر في كتابات باتاي مسألة معقدة وشيقة. فالشر عنده ليس شراً أخلاقياً. وإن كان مثلاً يتخذ طابعاً بروتوكولياً إيتيقياً عند المركيز دي ساد. فالشر عند باتاي عفوي وضروري. إنه الألم والذنب والإثم والفحش والانتهاك، أي كل ما هو ضروري لتكون هناك قصة وإثارة. وحتى كتب الأديان لا تخلو من الشر.

ماذا يساوي العهد القديم من دون فرعون، والإنجيل من دون يهوذا، والقرآن من دون عاد وثمود وحتى أبا لهب؟ أحسن القصَص هي قصَص الشر. الشر هو محرك التاريخ والكتابة، وأبو الاختراعات. ولا ننسى قول باتاي: "الأدب ما إن يبتعد عن الشر حتى يصبح مملاً".

INSIDE_AymenDaboussi

  • في السياق نفسه، يفسّر مؤلّف "حكاية العين" أنّ الكتابة تهمة والكاتب هو محلّ اتّهام في كثير من الأحيان.

في روايتك "انتصاب أسود" لاحظنا العديد من الآراء النقديّة التي طالبت بمنع الكتاب بعلّة أنّه خادش للحياء، وقد اتّهمت بالميزوجينيّة. كيف تعلّق على هذه المواقف؟ وكيف تفسّر هذا الإصرار على المطالبة بمصادرة الأدب ومحاكمة الإبداع؟

ليست الكتابة تهمة فقط، بل رجس من عمل الشيطان، لأنها إعادة ترتيب للعالم ولمسار الحقيقة، لذلك هي ضرب من الخيانة وكفر بالسائد والمكرّس. وقد جاءت رواية "انتصاب أسود" في سياق انتهاكي مخالف للأدب الرسمي. إنها رواية لجمهور غير موجود. لقد خلق هذا الكتاب جمهوره وهو ما جعله خارج التصنيف والمواصفات النقدية.

  • بين الإيروسيّة والبورنوغرافيا خيط رفيع. كيف تقيّم تجربتك الإبداعيّة بين هذين الصنفين من الأدب؟

يمكن أن أصنّف كتاباتي ضمن ما اصطُلح على تسميته ببورنوغرافيا، أو بورنولوجيا لو شئنا الدقة. فالإيروسية - في السينما- هي لعبة الظلال، فنّ الستر والكشف. أما البورنوغرافيا فهي وضوح كلها ويقين كلها. تقوم الإيروسية على مبدأ أن هناك سراً يمكن كشفه، سراً يفتضح ويصبح غير ذي أهمية بمجرد أن يكشف.

أما البورنوغرافيا فهي انكشاف كلها ووضوح كلها. إنها لعبة الغموض، غموض الأشياء المنكشفة التي لا يُنقص انكشافها شيئاً من بريقها ووحشيّتها. فالشمس انكشاف محض. إنها أكثر الأشياء بورنوغرافية وهي بأنوارها المُعمية تحتجب على كل بصر. كذلك الأجساد في البورنوغرافيا، لا يزيدها فحشها وعريها إلا نوراً واحتجاباً، أي سحراً وغموضاً.

INSIDE_AymenDaboussi2

  • من خلال روايتك "انتصاب أسود" ومجموعتك القصصيّة "أخبار الرازي"، تبدو ميّالاً إلى الادب البورنوغرافي. لماذا؟

علّمتني البورنوغرافيا الكثير من الآداب: إنها فن الصّدق في القول والإخلاص في العمل. والأدب كلما اقترب من البورنوغرافيا اقترب من الصدق وتحوّل إلى إيتيقا.

  • يعتقد الكثيرون أنّ الكتّاب الذين يتوجهون الى هذا الصنف من الأدب هم بالأساس باحثون عن الشهرة. ما رأيك؟

أذكر لي كاتباً بورنوغرافياً واحداً مشهوراً في عالمنا العربي (يضحك). بل أذكر لي كاتباً بورنوغرافياً واحداً في عالمنا العربي. إن الكتابة البورنوغرافية، بما هي امتحان الصدق والإخلاص، مهمة لا يتجاسر عليها الكثيرون.

  • في أعمالك، اخترت ان تسرد الأحداث بلسان المتكلّم، فتوسلت تقنية التّخيل الذّاتي لتمزج بين الواقعي والمتخيّل. هل كان ذلك بهدف إرباك القارئ؟

إنّ ارتباك القارئ أمام كتاباتي ناتج عن كونها تكسر أفق انتظاره. أما الحديث بلسان المتكلّم فهو قرار ناتج عن إحساس بالمسؤولية الكاملة أمام التجربة الحياتية والتجربة الأدبية. فلا يمكن الفصل بينهما. الحياة تلهم الأدب والأدب يلهم الحياة، والتجريب فعل واقعي وتخيلي.

  • بصفتك نفسانياً قبل أن تكون كاتباً، كيف ترى العلاقة بين علم النفس والأدب؟ هل من رابط بين المجالين؟

لقد درست علم النفس مدفوعاً بشوق إلى الكتابة. فأعظم الكتاب نفسانيون: لابرويير، دوستويفسكي، تولستوي، نيتشه وغيرهم، هم علماء نفس استطاعوا بكتاباتهم رصد أعمق أعماق النفس البشرية.

  • إنّ قراءة شاملة نربط فيها بين "انتصاب أسود" و"أخبار الرازي" تجعلنا نستشفّ حضوراً قوياً لثنائية الجنس والجنون. هل يمكن أن نعتبرهما من المفاهيم الرئيسيّة في أدب أيمن الدبوسي؟

لقد سبق أن أطلقت على "انتصاب أسود" و"أخبار الرازي" ثنائية الحسّ والمسّ. فالجنس والجنون هما حقلان للتجريب وتجربتان قصوويتان لما تصحتويان عليه من هذيان وشطط وحيوية.

  • تختلف طقوس الكتابة من كاتب إلى آخر، هل تؤمن بما يسمى الإلهام؟ أو أنك من الذين يعتقدون أن الكتابة ممارسة شاقة وبذل مجهود جبار؟ وهل تمارس طقوساً خاصّة قبل الكتابة؟

الإلهام يحتاج إلى إعادة تعريف. فالإلهام بشكله القديم، وحي يوحي، أمر لم يعد مقبولاً. لا شك في أن الكتابة عمل شاق وجهد متواصل. لكن الإلهام حالة نفسية فذة تسبق فعل الكتابة. إن انبثاق الفكرة من حيز اللاشعور إلى الوعي أمر يشبه المعجزة. فالأحلام والرؤى وحالات الوجد والانخطاف وبعض شطحات الوعي تحت تأثير المخدرات هي إلهامٌ يأتي من "خارجٍ"؛ هو أعماقنا نفسها.

أما فعل الكتابة فيبقى أمراً تقنياً وثانوياً قياساً بلحظة بزوغ الفكرة أول نشأتها. إن القصص والأفكار تشرق في ذهني أولاً وتبقى تختمر هناك شهوراً وسنوات في حالتها الجنينيّة إلى حين يأتي وقت مخاضها.

  • بعد رواية "انتصاب أسود" والمجموعة القصصيّة "أخبار الرازي" هل يمكن أن ننتظر عملاً جامعاً بين الجنس والجنون مثلاً؟ أو أنك ستغيّر نمط وأسلوب الكتابة؟

سيبقى الجنس والجنون موضوعين أساسيين في كتاباتي، لكنني في روايتي الثانية سأقتحم مجالاً جديداً وتجربة فذة وخطرة سأفصح عنها لاحقاً. أما عن أسلوبي فسيبقى بورنوغرافياً، عماده الصدق في القول والإخلاص في التجربة.

ختاماً، مجموعة من الأسئلة المختصرة:

  • أفضل كتاب؟

لسان العرب.

  • أفضل فيلم؟

أليس في بلاد العجائب.

  • أفضل ممثّل(ة)؟

مادز ميكلسن.

  • مثلك الأعلى؟

نفسي (يضحك).

التعليقات

المقال التالي