سيزين أكسو... أمّة تذوب في صوتها

سيزين أكسو... أمّة تذوب في صوتها

في مساء إحدى ليالي الصيف في منزل السيد سامي يلدريم بمدينة أزمير التركية، في منتصف الستينات، أنهى هو وزوجته وصلة نقاش أخرى مع ابنتهما حول ما يجب أن تفعله في المستقبل.

كان الجدل حاداً بين المراهقة ووالديها، هي تعشق الغناء والموسيقى ووالداها يريدان لها مستقبلاً جاداً ووظيفة مضمونة كمهندسة أو طبيبة.


لم يقنع أي منهم الآخر وانصرفت الشابة الصغيرة محبطة كعادتها إلى غرفتها. ما أن سمعت الباب يغلق خلف والديها اللذين خرجا لمشاهدة فيلم في السينما حتى تسللت بهدوء من غرفتها، أطفأت أضواء البيت، وخرجت إلى شرفة المنزل. شاهدت والديها يبتعدان، فوقفت في الشرفة، وتحت أضواء الشارع الخافتة بدأت تغني للمارة.

تجمّع بعض الأشخاص الذين استمعوا لها وصفق بعضهم وانصرفوا. بعد عشرين عاماً كانت تركيا كلها تنحني لهذه الشابة التي تربعت على عرش الغناء والموسيقى منذ أكثر من ربع قرن، وملأت الدنيا غناء وألحاناً وأشعاراً.

10487359_253198118204013_7313756592872558528_n

ولدت فاطمة سيزين يلدريم (سيزين أكسو) عام 1954 في مدينة سارايكوي وانتقلت منذ طفولتها إلى إزمير حيث عمل والداها في سلك التدريس. يتناقل أهل المدينة الكثير من القصص عن شخصيتها العنيدة وطموحها البارز للعيان منذ طفولتها.

هذه الشابة الصغيرة اكتشفت تميز صوتها في كورس المدرسة الغنائي، حين لاحظت أن صوتها هو الأعلى دائماً بين أقرانها. وكانت سيزين تفاجئ زملاءها في المدرسة أحياناً بالقفز على طاولات الكافيتريا لتبدأ بالغناء وسط دهشتهم وإعجابهم.

منذ ذلك الوقت، تملكها شعور قوي بأن قدرها هو أن تكون مطربة. ولم يتوان والداها بعد أن تأكدا من موهبتها وشاهدا إصرارها في دعم خيارها.

بدأت سيزين أكسو نشاطها الغنائي المحترف بعد أن درست الموسيقى عدة سنوات، وأطلقت أول شريط غنائي لها عام 1975.

10479081_253198154870676_6087581417343512296_n

توالت ألبوماتها بعد ذلك، وتعاونت مع أشهر الملحنين، ومن أهمهم أونو تونج، الموسيقي الأرمني المعروف. انتشرت أغانيها بشكل واسع بين الجمهور التركي بسبب تلك النبرة الجديدة التي أطلت على الساحة لتقدم لوناً مشتركاً من البوب، يحمل الأصالة الشرقية في الكلمات والأداء وسمات الموسيقى الغربية في الألحان.

انفتحت سيزين على كل مكونات الثقافة التركية، فتنوعت الألوان الموسيقية في أغانيها بين التركي، والأرمني، والكردي وغيره من مكونات المجتمع التركي، حتى موسيقى البلقان، مما جعل شهرتها تنتشر بسرعة بين الجميع في مجتمع كان، ولا يزال، يعاني من حساسيات قومية وتاريخية أذابتها سيزين ببراعة في أغان تصل لقلوب الجمهور من كل الطوائف.

"في صوتها نور يتسلل إلى القلب ويشدك بإحساسه المتفرد" يقول عنها الموسيقي المصري حازم شاهين. ويضيف معلقاً على ما أرسله له رصيف22 من نماذج لأعمالها "استمعت إلى أعمال أقل ما توصف به أنها مبهرة. وراء هذا الصوت الرائع شخصية غنائية ذات كاريزما جبارة لا تقل قامتها عن إديث بياف أو داليدا. في غنائها إحساس شديد الصدق وهو أهم ما يميز أي فنان. كما أن كلمات أغنياتها تتجاوز مفردات الحب العادية إلى فلسفة عميقة في الحياة".

ختم شاهين كلامه عن سيزين بقوله "حين أسمعها أسمع تركيا بكل ما فيها من أصالة وحداثة، بكل ما فيها من تاريخ وتنوع وجمال".

أقوال جاهزة

شارك غردالمغنية التي جمعت كل الشعوب التركية في أعمالها، وكانت تبدو لكل من يسمعها وكأنها تغني تراثه هو

شارك غرد"إن أعظم صوت هو الذي يجعلك تقف منبهراً وأنت لا تفهم كلمة واحدة مما يقول" عن صوت تركيا الأجمل سيزين أكسو

أما الدكتور أوزان أكسوي Ozan Aksoy، الموسيقي التركي وأستاذ الموسيقى في جامعة نيويورك فيقول إن "سيزين قمة عالية في تاريخ الموسيقى التركية لم يصل إلى مكانتها أحد من الفنانين. هذه السيدة لحنت وألفت وغنت مئات الأغاني التي أسهمت في تشكيل الذوق الموسيقي عند أجيال كاملة ممن تابعوا مسيرتها منذ أكثر من 40 عاماً".

يضيف أكسوي أنها جمعت كل الشعوب التركية في أعمالها، وكانت رائدة في احتضان جميع ألوان التراث في المجتمع التركي لتبرز لكل من يسمعها وكأنها تغني تراثه هو. يقول: "صوتها النقي الناعم كالحرير المشبع بإحساس عالٍ جعلها من أصدق من عبروا عن المشاعر الانسانية من حزن وألم وأمل، بل حتى عن تساؤلات قدرية يصعب على غيرها أن يعبر عنها في أغنية. إنها تتبنى الكلمات وهي تغني وتشعر المستمع أنها ممثلة من الطراز الأول".

سيزين كانت سباقة في تأكيد هوية صوتها الجامعة لكل أطياف الشعب، فقد غنت في مناطق الأكراد في أعياد نوروز واستضافت مغنين من الأكراد والأرمن في حفلاتها، مما يجعلها بحسب أكسوي "مطربة شعوب تركيا"، لا مطربة عرق معين فحسب.

1555268_253443021512856_7974623241881637359_n

من مميزات سيزين أكسو الفريدة قدرتها على أن تبني للمستمع عوالم مبهرة من الفرح والألم والحزن والعتب والتفاؤل والحسرة وغيرها من أدق وأرق المشاعر الإنسانية.

فهي الأنثى التي تتوسل لحبيبها أن "لا تنسني" Beni Unutma بكبرياء العاشقة وخضوع المتلهفة.

وهي الباريسية اللعوب المتدفقة جمالاً وأناقة وهي تداعب بكلماتها مشاعر حبيب سابق في "عفواً" Pardon، من ألحانها.

وهي نغمة الحسرة على حب ضائع في "ما زلت مجنونك" Ben Sevdalı Sen Belalı.

وهي الشاعرة التي تستنطق الدموع  في "بكاؤك جميل" Ağlamak Güzeldir، من كلماتها وألحانها.

وهي التائهة في دروب الحياة في "صغيرة" Küçüğüm، من كلماتها وألحانها.

وهي الراقصة المتغنجة في "رقص" Rakkas. وهي اسطنبول، من كلماتها وألحانها، بكل ما فيها من سحر وأمل وأحلام ضائعة.

أما في درة أعمالها "ابتسم" Gülümse، فقد بلغت الذروة شعراً ولحناً وأداءً. الكلمات التجريدية لكمال بوركاي، شاعر كردي معارض، شديدة الرمزية وكان مجرد اختيارها عام 1991 مغامرة كبيرة في بلد تحتل فيه القضية الكردية موقعاً غاية في الحساسية.

أما اللحن فقد أبدعه الموسيقي الأرمني آرتو تنشبوياجيان، وحلقت به سيزين فوق السحاب بإحساس لا مثيل له يأخذنا في رحلة بين الأمل واليأس. تبدأ النغمات وكأننا في معبد صوفي ينساب فيه صوت سيزين كالفضة المذابة وهي تبدأ الأغنية "ابتسم، هيا ابتسم حتى تتفرق الغيوم"، ثم يتوهج صوتها حين تتعالى الموسيقى ليرسم لنا أكثر صور الوحدة تأثيراً "ماذا لو كنتُ جائعاً، وأمي غاضبة مني وكل القرية تقاطعني، ولا أملك حتى قطة"، ثم تتهادى نبرتها كموجة حانية تهمس للشاطئ "هيا ابتسم".

طرقت سيزين بموهبتها في كتابة أو انتقاء الكلمات مواضيع ليس من المألوف أو السهل معالجتها في الأغاني. ففي أغنية "لسنا أبرياء" Masum değiliz (اشتركت في تأليفها وتلحينها) تشدو سيزين بشجن كلمات شاعرية عن أننا جميعاً مذنبون في هذه الحياة.

أما في أغنية "سلامات" selamlar (اشتركت مع ابنها في التأليف والتلحين) فهي صوت راقص في حفلة تحتفي بالمبدعين ممن تركوا ألوانهم المبهجة في حياتنا. وفي أغنية "لماذا؟” Neden (من كلماتها وألحانها) فهي ترنيمة الحيرة الإنسانية والأسئلة التي لا جواب لها.

يتميز صوت سيزين بخليط متناسق ومتفرد من القوة والنعومة. فقدرتها الصوتية العالية في التنقل بين الجواب الصادح والقرار الفخم تفتح أمامها أفاقاً واسعة للتعبير والتطريب. فهي نسمة الليل الرقيقة حيناً، وهي هدير الموج الصاخب في بحر المقامات الشرقية حينا آخر. ويمكن لنا أن نلمس هذا بوضوح حين نستمع إلى بعض أعمالها من كلماتها وألحانها مثل "أنت تعرف" Biliyorsun، أو "أهرب من نفسي" Keskin Bıçak.

في عام 2009 أطلق العالم الفلكي الفرنسي الفرنسي جان كلود ميرلين Jean Claude Merlin اسمها على نيزك جديد اكتشفه بعد أن استمع إلى أغنية "احتفال" Kutlama، من كلماتها.

وفي عام 2011 قام راديو أمريكا الوطني NPR بإصدار قائمة ضمت أعظم 50 صوتاً في العالم ووضع سيزين أكسو كأعظم صوت تركي، في القائمة نفسها مع فيروز (صوت الأمل)، وأم كلثوم (صوت القاهرة) وأسماها ( صوت إسطنبول). قال الراديو عنها في مقال منفصل "إن أعظم صوت هو الذي يجعلك تقف منبهراً وأنت لا تفهم كلمة واحدة مما يقول".

على مدى عقود قدمت سيزين نتاجاً غزيراً من الألبومات بيعت منها ما يقرب من 40 مليون نسخة، مزجت فيها بين الغرب والشرق بمقادير متنوعة، وبذكاء مشهود له في معرفة كيف تجاري العصر، محافظة في الوقت نفسه على أصالة لا تمس وقيمة فنية عالية.

فألبومها الأخير الذي صدر في يناير 2017 يجمع بين اللون الشبابي الراقص ولكن بكلمات لا تخلو من عمق في أغنية "مانيفستو" Manifesto، واللون الرومانسي الهادئ في أغنية "أنا وقطتي" Ben Kedim.

17917221_654738314716656_4072154779420390528_o

بعد أن ثبتت سيزين قدميها في الساحة كمطربة وملحنة ومؤلفة من الطراز الأول، تحولت، إضافة إلى انتاجها الغنائي الشخصي، إلى مؤسسة فنية تساعد المواهب الشابة وتعطيهم صك النجاح الذي يضمنه اسم سيزين أكسو على أي عمل.

فقد لحنت للمطرب الشهير تاركان، ومصطفى جيجلي وغيرهما من كبار النجوم وأخذت بيد بعض من عملوا معها ككورس منذ كانوا مواهب صغيرة مثل سيرتاب إيرينر Sertab Erener.

كما كانت لسيزين إسهامات مجتمعية في أغانيها ومواقفها السياسية. فقد غنت لأمهات المفقودين بعد انقلاب عام 1980. وأيدت الشباب الذين تظاهروا في جيزي ضد الحكومة، وأيدت حرية التعبير في الحب والسياسة، ودافعت عن المرأة وخصوصاً الشابات الصغيرات ووقفت ضد زواجهن المبكر في أغنيتها "أنزيله" Ünzile.

كسبت سيزين أكسو قاعدة شعبية متزايدة من المعجبين في العالم العربي أخيراً بفضل استعمال الدراما التركية لأغانيها. وبدأ اليوتيوب يزخر بالأغاني المترجمة التي يضعها محبوها العرب.

استطاعت سيزين بصوتها الذهبي نبرة وإحساساً، وبملكاتها الفنية المتميزة من تأليف وتلحين، واختياراتها المنتقاة بذكاء ومهنية من إبداعات الآخرين, أن تتبوأ قمة لا ينازعها فيها فنان آخر في تركيا، بل نجحت في أن تذيب أمة كاملة بجميع مكوناتها في فنها. ولكنها أيضاً تجاوزت كل هذا لتصبح قيمة فنية إنسانية عالمية، بما نثرته في عالمنا من جمال بعيداً عن أي فروق قومية أو لغوية. وليس الفنان الصادق والفن الخالد إلا هذا.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
العالم الفن

التعليقات

المقال التالي