المطاردة وليس افتراس الطريدة... عن ملح وفلفل الحب نتحدث

المطاردة وليس افتراس الطريدة... عن ملح وفلفل الحب نتحدث

الأسطورة اليونانية تقول إن النحات "بجماليون" صنع تمثالاً وضع فيه كل مواصفات المرأة الجميلة التي يحلم بها، وسمى التمثال "جالاتيا"، ومن شدة إعجابه بجالاتيا تضرع إلى الآلهة أن تنفخ فيها الروح وتجعلها إنسية ليتزوجها، فحدث ذلك.

وتجرّأ توفيق الحكيم على إكمال الأسطورة في كتابه "بجماليون"، فكتب: وبعد أن تزوجها تحولت في نظره إلى إنسانة عادية، يعرق جلدها، ويتغبر وجهها، وتدخل بيت الخلاء، وقد تشيب وتمرض وتموت... فلم تعد هي الحلم الذي كان يراوده، فطلب من الآلهة أن تعيدها تمثالاً كما كانت.

في مصر، هناك مثل شعبي يقول: "صيده أحسن من أكله"، تعبيراً عن اللذة التي نشعر بها ونحن في الطريق إلى امتلاك الحب ثم الوصول إلى ذروته.

عن متعة البدايات، التي يبدي فيها الشريك إعجاباً بالآخر، تلك النظرات البعيدة، التفاعلات على منشورات فيسبوك، أول مكالمة هاتفية، أول موعد، أول لمسة يد، وأول قبلة. عن الاستماع بشغف لأحاديث الأصدقاء عنه/ها، ترديد اسمه/ها بداعٍ أو من دون داعٍ. عن المشاعر الجياشة التي قد تتحول إلى لقاءات جنسية غير كاملة، عن الأسئلة المتكررة: هل تحبني؟ كم تحبني؟ والاغتباط الذي يأتي عقب كل إجابة...

هذه وغيرها، متع كبيرة يشعر بها الشريكان قبل الارتباط الكامل، والوصول إلى ذروة الحب، قد تتحول إلى ملل بعد ذلك، وقد يحدث انفصال.

علاقة "أحمد.م"، 27 عاماً، موظف في مركز بحثي، بزميلته "سارة. ش" 29 عاماً، بدأت بهجوم عاطفي من أحمد، ودفاع من سارة أو فتور، ثم أخذت حصون الفتاة الجميلة تتهاوى تدريجياً أمام الشاب.

تقول سارة: "كنت متحفظة في البداية لأنني أكبر منه سناً، وعادةً يفضل الشباب في مصر عدم الزواج بفتيات أكبر منهم سناً، لكنه كان يستميت في إقناعي بأنه يحبني فعلاً، فبدأت أميل تدريجياً إليه حتى أحببته ولم أعد أطيق الحياة يوماً من دون أن أراه... كنا نتحدث بالهاتف بضع ساعات يومياً، بالإضافة للقاءاتنا أثناء العمل، وخارجه".

وتضيف: "يوماً بعد آخر كانت علاقتنا تزداد سخونة، كنا نكتشف نفسينا من جديد خلال علاقتنا. في عينيه رأيت مناطق جمال لم أكن أعرفها، والعكس، إلى أن وصلنا لمرحلة من القرب وكأننا زوجان، لا ينقصنا إلا العيش تحت سقف واحد. وبعد عامين تزوجنا بالفعل".

تقول سارة: "بعد فترة بدأ يتحول تدريجياً، ولم أعد ذلك الحلم الذي طالما اشتاق لتحققه، لم أعد أسطورته... وأخيراً، اكتشفت أنه يتحدث مع صديقة له عن عيوبي، وأحسست أنه يميل إليها، فبدأت أنا الأخرى أتغير من ناحيته، وبالتدريج لم تعد علاقتنا تحتمل، حتى حدث الانفصال بعد عام واحد".

أقوال جاهزة

شارك غرد"من يسألني عن الجزء الأول من ممارسة الحب، سأجيبه: أن تأخذ وقتك! وهو الجزء الثاني أيضاً بل والثالث"

شارك غردمن دون جانب الخيال، ستختزل الممارسة الجنسية إلى مجرد لذة إفراغ الخصيتين، ويتساوى حب البشر بحب الحيوانات

هذه القصة وشبيهاتها كثيرة، قصص لا تنتهي بالانفصال ولكن تغيب عنها المتعة، وقد يخون أحد الطرفين الآخر، ويدخل في علاقة تلو أخرى، كي يستمتع بمغامرة حب جديدة، كما تحكي سارة عن طليقها، وأخباره التي تصلها بعد الانفصال، مشيرةً إلى أنه شخص لا يبحث إلا عن لذة الصيد فقط.

قصيدة "رسالة من امرأة"، التي كتبها نزار قباني، وغنتها فايزة أحمد، من ألحان محمد سلطان، عبرت عن هذا المعنى، ففيها تتألم المرأة التي اكتشفت أنها أحبت رجلاً يهوى صيد الحب، وحين يصل إلى لحظة امتلاكه يتركه. تقول في إشفاق على الحبيبة الجديدة، التي اكتشفت أنها حلت محلها: "إني أراها في جوار الموقِدِ... أخذت هنالك مقعدي...في الركن ذات المقعد... وأراك تمنحها يداً... مثلوجةً... ذات اليدِ... ستُردَّدُ القصص التي أسمعتني... ولسوف تخبرها بما أخبرتني... وسترفع الكأس التي جرعتني... كأساً بها سممتني".

الجنس قد يشرح لنا الحكاية

قد يكون التفسير الجنسي لهذه الفلسفة مجدياً، فأمتع اللحظات هي التي تسبق القذف أثناء اللقاء، وهناك من يتناول العقاقير التي تجعله يطيل من عمر العلاقة، ليشعر بمزيد من المتعة.

نقلت ماري لومونيه وأود لانسولان، في كتابهما "الفلاسفة والحب"، الذي ترجمته دينا مندور، عن الفيلسوف الفرنسي ميشال دي مونتاني أو "دي مونتين"، في كتابه "المقالات"، قوله: "صارت الحسية فضيلة، وعلى المحب أن يصير فناناً حين يمارسها. ويهدئ من روعه كي يطيل وقت التمتع". ويضيف: "ومن يسألني عن الجزء الأول من ممارسة الحب، سأجيبه: أن تأخذ وقتك! وهو الجزء الثاني أيضاً، بل والثالث".

وتوضح لومونيه أن المطاردة وليس افتراس الطريدة، هي ملح وفلفل الحب بالنسبة لمونتاني، مشيرةً إلى أن تعبيرات الوجه التي تصاحب النشوة كانت تضايقه، وكان يصفها بـ"لطخة شعورية شنيعة وقاسية"، وسط أرق وأحلى لحظات الحب، لأن تلك اللحظة الحميمية ستنتهي بعدها.

و"هكذا فكل ما يؤخر المتعة يلهبها" في رأي مونتاني، الذي يصف متعة بدايات الحب ورحلة الوصول إلى ذروة العلاقة، قائلاً: "كلما ارتقينا درجات السلم لأعلى، شهدنا على الرفعة والسمو في الدرجة الأخيرة. وعلينا أن نختال بأنفسنا، ونحن نسير كما لو كنا في الطريق المؤدي إلى قصر بديع، إذ نمر عبر أروقة ذات أعمدة فخيمة وممرات طويلة وصالات مبهرة، والتفافات متعددة".

إله لا نراه وحبيب غير موجود

ربما كان لتفسير تلك الأحاسيس، وهذه الفلسفة، مدلول في علاقتنا بالدين، وتلك العلاقة الأسطورية بيننا وبين ما نجهل، فضمن الأشياء التي تعطي قوة في علاقتنا بالإله الذي نعبد، هي أسطوريته والشعور الدائم بأن لديه أسراراً نحتاجها أو نحتاج إليه من أجلها.

وهكذا علاقاتنا بالأشياء عموماً، نلهث وراء ما نظن أنه ممتع، ولكننا لا نعرف عنه إلا القليل، فندفع الغالي والنفيس كي نصل إلى المزيد من العلم عنه، فإذا أصبح الشيء حقيقةً ملموسة بين أيدينا واعتدناها، فقدنا لذته وأصبح شيئاً عادياً، وربما احتجنا إلى البحث عن مجهول جديد.

ما ذكرناه اتجه إليه الفيلسوف الروماني، تيتوس لوكريشس كارس، أو "لوكريتيوس" في كتابه "عن طبيعة الأشياء"، فيقول عن علاقة الحب: "وإذا تشبث العشاق بعضهم ببعض، وارتموا في أحضان بعضهم بعضاً بلا حساب، ولم ينصتوا إلى الرأي العاقل، وبالغوا بالمعنى الأقصى للكلمة، فذلك لأنهم يجهلون تماماً السر المشؤوم للحب، هذا السر الفظيع، المتخفي بعناية عن الأعين، إنه هذا المعبود، إنه حبيب غير موجود".

يوضح لوكريشس أن متعة البدايات تأتي من "كلام الجميلة المبهم ينغرز في القلب العاشق، حرقة متقدة، وغمزة عين، ثم نظرات متبادلة، وأثر ابتسامة، وكثير من الشكوك المتأججة". ويضيف أن المجهول لدى الطرفين يؤجج الخيال، ويدفعهما دفعاً إلى الاقتراب لاكتشاف هذه الأسطورة التي تخيلها كل منهما في الآخر.

ويقول: "موضوع الحب ليس سوى عرض سمات تخيلية. وابتداءً من تلك الذرات التي تخرج من مخلوق جذاب لترتطم بالعين المقابلة، يحكي المحب لنفسه حكاية، ويصنع إلهه، كائناً يعج بألف إغراء". وتتلخص أمنيات الحبيب في الظفر بتلك المغريات في حبيبه.

كيف نستمر؟

ما ذكرناه يعني أن استمرار الحب بلذته يحتاج إلى جهد كبير، كي لا ننصرف عنه بعد الوصول إلى ذروته، وليست هناك وسيلة محددة أو وصفة ثابتة للحفاظ على الحب، ولكن دعونا ننقل بعض الآراء في هذا الأمر.

ينصح مونتاني المرأة بأن تتعلم كيف تبدي رغبتها، وأن تستخدم حياءها في اللعبة، وأن تكذب إذا اقتضى الأمر، وأن تحافظ على شهية فرجها شرهة". مشيراً إلى أن "الرغبة غيرت مسار العالم، فهي مادة تتداول في كل مكان، وبؤرة تطالعها كل الأنظار".

وينتقد مونتاني من تهتم بالروحانيات على حساب الحواس في الحب، ويقول: "منافقات هن النساء المثقفات اللواتي يتحدثن عن الروحانية التامة في ممارستهن الغرام، ويزدرين احتياجات الحواس... أيقبلن بمبادلة جمال سيقانهن بعقل سقراط؟".

للحفاظ على بريق العلاقة وتجديد بهجتها، والجنوح إلى المثالية ولو في بعض الأشياء، دور كبير في الاستمرار.

يرى الأديب والفيلسوف الفرنسي ستندال "ماري هنري بل"، في كتابه "عن الحب" أن روعة الحب تكمن في "اكتشاف أن المحبوب يمتلك صوراً جديدة للكمال. هذه الصور الجديدة التي تثير البهجة باستمرار"، لأن الحب في نظر ستندال، يتجلى في "أن تشعر فوراً أنك مبتهج لسبب ما، وهذا السبب لا يمكن أن يكون مبهجاً إلا لأنه يجسد شكلاً مثالياً، من دون أن يعني ذلك أن المحبوب كيان كامل مكمل".

وعن الإثارة المتجددة التي لا تخلو من خيال، يقول مونتاني: "كم كان ليكرجوس موفقاً حينما أمر ألا يمارس المتزوجون من مواطني لاسيديمون الحب إلا خلسة، خصوصاً لحظات الجنس الملتهب". موضحاً أنه "من دون جانب الخيال، فإن الممارسة الجنسية ستختزل إلى مجرد لذة إفراغ الخصيتين، ويتساوى حب البشر في هذه الحالة بحب الحيوانات".

-ليكرجوس هو المشرّع الأسطوري في اسبارطة، وهو من حولها إلى مجتمع عسكري، وعاش في الفترة من 820 إلي 730 قبل الميلاد. و"لاسيديمون" هو اسم المدينة الذي تغير في ما بعد إلى إسبارطة-.

كل ما سبق لا بد أن يغلفه الاحترام بين الطرفين، كي لا تفقد العلاقة بريقها. يقول مونتاني: "أخشى أن أهين من أحب، بل أحترمه عن طيب خاطر. وإلا فماذا تكون تلك العلاقة التي ننزع عنها الاحترام فنسلبها بريقها؟".

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

كلمات مفتاحية
الحب

التعليقات

المقال التالي