بين بوذا وجيمس بوند والذرّة... العدد 7 لغزٌّ دون حل

بين بوذا وجيمس بوند والذرّة... العدد 7 لغزٌّ دون حل

"هرم سقارة المُدرج سبعُ درجات، أيامُ الخلق سبعة، وسلّم الصعود إلى عرش الإله سبعة" مقولة وردت في "كتاب الموتى" لدى المصريين القدماء، وتكرر فيها رقم 7 كما تضمن في فصول أخرى ليفجر أسئلة حول دلالة هذا الرقم الذي ارتبط بثقافات الشعوب وأساطيرها درجة أنه أصبح لغزاً تباينت الآراء في تفسيره.

فهو رمز الأبدية لدى المصريين القدماء، ودلالة للتمام والاكتمال الروحي لدى العبرانيين، بينما لايتجاوز كونه عدد كغيره من الأعداد التي ارتبطت بوظائف الكون وفق نظام ابتكره وطوره الإنسان ليتفاعل مع محيطه وبيئته.


الرقم 7 في حكايا ديزني وجيمس بويند

حضر الرقم سبعة في منجزات فكرية وأدبية يعود بعضها إلى القرون الوسطى، كقصة "أميرة الثلج والأقزام السبعة"، التي جمعها الألمانيان الأخوان غريم عام 1812 عن موروثات شعبية أوربية، ثم أنتجتها شركة ديزني عام 1937.

العميل رقم "007" أو جيمس بوند، أكثر الشخصيات السينمائية شهرة في عالم الأكشن ابتكرها الكاتب الإنكليزي إيان فلمنغ في خمسينيات القرن الماضي، وقد علل اختيار رقم 7 لأن اسمه مكون من سبعة أحرف، كما أنه اكتشف أن روسيا اختارت الرقم 7 كشيفرة لمخابراتها السرية وخط التلفون الساخن في ذلك الوقت.

الرقم سبعة أيضاً عنوان لفيلم "seven" إخراج ديفيد فينشر 1995، درّة سينمائية تأسر المشاهد بأداء ممثليها وقصتها المستوحاة من الخطايا السبع المميتة التي لخصت شرور الإنسانية ووردت بدايةَ المسيحية باسم "الذنوب الكاردينالية" وهي "الغرور، الجشع، الشهوة، الحسد، الشراهة، الغضب والكسل" وقد كانت إلهاماً للكثير من الفنانين والأدباء منهم الشاعر الإيطالي دانتي والكاتب الإنكليزي كريستوف مالو والرسام الهولندي هيرونيموس بوس. 

أقوال جاهزة

شارك غردالعدد سبعة، الذي كسب مكانة خاصة في مخيلة الشعوب وتصورها للكون، ما هو سرّه؟

وعن عتبات الحب السبع تحكي رواية "هيبتا" للكاتب محمد صادق التي صدرت عام 2014 وحققت انتشاراً كبيراً، ثم قدمها المخرج هادي الباجوري في فيلم سينمائي حمل ذات الاسم، "هيبتا" كلمة إغريقية تعني الرقم 7، ومراحل الحب السبعة كما وردت في الرواية هي "البداية، واللقاء، والعلاقة، والإدراك، والحقيقة، والقرار ثم الحياة الحلوة".

الرقم 7 بطل الأساطير القديمة

تخللت الأساطير الفرعونية والإغريقية قصصاً جمع بينها الرقم سبعة ذلك ما تؤكده البرديات المصرية القديمة التي احتوتها مكتبة الإسكندرية، كما يذكر الباحث الدكتور سيد عبد الكريم في كتابه "لغز الحضارة"، مشيراً إلى:

"أسطورة ملك الملوك والكلاب السبعة الحارسة التي ترمز لإله السماء والنجوم السيارة الحارسة، وقصة جزيرة الشيطان والثعبان ذي الرؤوس السبعة، وشجرة الحب ذات الأغصان السبعة التي يقف على كل منها سبعة من الطيور المغردة، أيضاً قصص زهرات اللوتس السبع التي تتراقص في بحيرة الحب عندما يحتضنها النسيم ناقلاً لها أخبار الحبيب البعيد".

كما تحكي قصص الأولين حكاية أبرهة الحبشي الذي حاول هدم الكعبة بجيش تقدمته سبعة أفيال لتنزل عليه السماء بصواعق وأعاصير قضت عليه خلال بعد سبع ليال.

الأفيال السبعة تظهر أيضاً في الكثير من تمائم البوذيين، فهي حارسة معبد الإله المقدسة حسب العقيدة البوذية القديمة، التي تحكي أن بوذا خطا سبع خطوات عند مولده ثم سار سبع سنين بحثاً عن الحقيقة حتى وجدها في زهرة اللوتس المقدسة ذات السبع ورقات والتي يتخذها البوذيون رمزاً للتفاؤل.

قصص الأنبياء مع الرقم 7

يقول عبد الكريم في كتابه "لغز الحضارة" إن "بناء سفينة نوح استمر لسبع سنوات وكانت جميع مكوناتها وأبعادها مرتبطة بالعدد سبعة، وانحسر الفيضان بعد سبعة أيام وغابت حمامة نوح لتعود بعد سبعة أيام حاملةً غصن الزيتون الذي اتُخذ رمزاً للسلام في العالم".

وأضاف: "ويلقى سيدنا إبراهيم الغدر والعذاب من قوم أهل كنعان مدة سبع سنين ليأمره الإله بعدها بالهجرة إلى مصر، أقام فيها سبع سنوات قبل أن يغادرها حاملاً رسالة التوحيد فيصبح (أبو الأنبياء)".

هرب النبي يعقوب، خوفاً من أخيه، ليمكث عند خاله لابان، وعمل لديه مدة سبع سنوات مقابل أن يتزوج ابنته راحيل التي أحبها حبّاً جماً. أما ابنه وابن راحيل، قضى في السجن سبع سنوات، خرج بعدها ليفسر حلم السنابل السبع السمان والسبع العجاف وسنوات القحط السبع ومثلها سنوات الرخاء.

والقرآن الكريم تعرض للعدد سبعة في أكثر من سورة وموضع وآية، فهو يُستهل بالفاتحة المكونة من سبع آيات، يعقبها الشهادة المكونة من سبع كلمات "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، أيضاً خلق الله تعالى الكون في ستة أيام وفي اليوم السابع على العرش استوى، في حين خلق الإنسان في سبعة أطوار.

أما أحاديث الرسول فلم تخلُ من العدد سبعة ففي حديث للصحيحين يقول النبي "من تصبّح بسبع ثمرات من ثمر العالية لم يضرّه ذلك اليوم سمّ ولا سِحر".

وفي بناء الكون والإنسان يتجلى الرقم سبعة في تفاصيل ليست بقليلة، بداية من البحار السبعة والقارات السبع، إلى أبواب المدن التاريخية منها القاهرة ودمشق ولكل منها سبعة، أيضاً الأهرامات المبنية بشكل هندسي يتخلله الرقم سبعة.

قدسية العدد 7

ابن القيم الجوزي في كتابه "زاد المعاد في هدى خير العباد"، يقول: "وأما خاصية السبع فإنها قد وقعت قدراً وشرعاً، فخلق الله عز وجل السموات سبعاً، ‏والأرضين سبعاً، والأيام والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار، وشرع الله سبحانه لعباده ‏الطواف سبعاً، والسعي بين الصفا والمروة سبعاً، ورمي الحجارة سبعاً سبعاً، وتكبيرات ‏العيدين سبعاً في الأولى". 

وفي موضع آخر يقول "السبعة جمعت معاني العدد وخواصه، بناء على ذلك يكون العدد ‏سبعة هو النهاية للعدد وما بعده تكرار المكرر إلى ما فوقه من الأعداد".

وفي مخطوط النسمات الفائحة في آيات الفاتحة يقول مؤلفه ابن الدريهم الموصلي التغلبي "السبعة أول عدد كامل لأنها جمعت العدد كله".

البعض فسر العدد سبعة على أنه رقم مقنع ويدل على التمام لتضمُنه في السماوات والأرض وخلق الإنسان وأعضائه واستمراره، في حين دحض آخرون أي بُعد غامض للأرقام عموماً وللرقم سبعة خاصة.

الدكتور والباحث الأمريكي، روبيرت تي كارول، مؤلف قاموس التشكيكية، والمختص في التحيزات المعرفية والمغالطات المنطقية التي تدفع الناس إلى إطلاق أحكام بعيدة عن الوعي، يقول إن الأرقام لا تحمل أي معنى دلالي فهي لا تتجاوز كونها نظام مبتكر لفهم قوانين الطبيعة والتواؤم مع البيئة والمحيط.

ويضيف في مقال له: لا شك أن جاليلو رأى أنّ الكون مشكل بالأرقام، وفيثاغورث ربط علم الأرقام بالعديد من مجالات الكون، لكن ذلك لا يضيف للأرقام أي بعد روحي أو عاطفي كما يعتقد البعض.

ربما لم يرسُ العدد سبعة على يقين محدد إلّا أن الأكيد أنه استحوذ مساحة حيرت الحضارات الإنسانية منذ نشأتها بين الرمزية والقدسية بداية من السماوات السبع مروراً بالأفراح والأحزان لأيامٍ سبعة، وصولاً إلى الأمثال الشعبية التي شكت سوء الحال بقولها "سبع صنايع والبخت ضايع".

التعليقات

المقال التالي