الصحابة خارج صورتهم التقليدية: حس دعابة وروح مرحة

الصحابة خارج صورتهم التقليدية: حس دعابة وروح مرحة

الصورة الذهنية التي لا تفارق عقولنا عن حياة الصحابة، هي أنهم كانوا أهل جهاد وقيام ليل نهار، لا يشغلهم إلا صحيح الدين والقتال في سبيله.

ولكن بعيداً عن مثالية العرض السينمائي وشجن الخطب الدعوية، الطامِحَة دائماً إلى تصدير الصور "بدون رتوش"، حتى وإن كانت مجافية للحقيقة، فإن كتب التاريخ تركت لنا عشرات المواقف التي حفظت "إنسانية" الصحابة كاملة، بكل ما اشتملته من ضعف وذنوب وعواطف وحتى مواقف مرحة، كانت بحُكم المكان والزمان ذروة الكوميديا والضحك.

يروي البخاري أنه حين سُئل ابن عمر "هل كان الصحابة يضحكون؟" قال: "نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال"، كما ينقل كتاب "الأدب المفرد"، قول البخاري بن بكر أن "أصحاب النبي كانوا يبتادحون (يتقاذفون) بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال".

نحو صورة أكثر إنسانية

يقول د. علي الوردي في كتابه "وعاظ السلاطين"، إنه مادمنا نرى الصحابة لا تجري عليهم نواميس المجتمع البشري، كما تجري على غيرهم من الناس، أصبح تاريخهم في نظرنا هالة من النور تخلب الأبصار.

وإذا جعلناهم قدوة لنا في زماننا هذا صرنا نسعى وراء هدف لا يمكن إدراكه، وأمسينا بذلك نركض وراء السراب.

بالطبع لم يكن أهل الدعوة الأولى ملائكة تهفو، غلب عليهم أن يكونوا من أهل الخير والبر، نُحسن الظن، قدر المستطاع، بهم جميعاً وبأعمالهم، ولكن غابت الواقعية عن محاولات تصديرهم على أنهم "بلا ذنوب"، يجب السكوت عن النقاط المظلمة أو حتى الرمادية في حياتهم، وإلا هطل عليك غضب السماء.

باتت حجة عدم القدرة على اتباع صالح أفاعيلهم مشفوعة دائماً بأنهم "فوق البشر"، ما يزيد من أهمية الإطلالة على الجانب المرح في حياتهم، الذي تطرحه المقالة، لأنه يردِّ أنصار الرسول إلى طين الأرض مرة أخرى، حيث الساحة ممهدة للنظر والاتّباع، من منطلق قاعدة: كلنا بشر، نخطئ ونصيب... ونضحك. 

أقوال جاهزة

شارك غردرفع الصحابة إلى مكانة "فوق البشر"، لا تجري عليها نواميس المجتمع، يجعل الاقتداء بهم مهمة مستحيلة

شارك غردتتفرد الثقافة الإسلامية بحفظ مكانة جيلها الأول حتى اليوم كمصدر لقيمها الأخلاقية والإنسانية

كوميديا الموقف

اعتمدت أغلب طرائف الصحابة على ما يمكن لنا أن نسميه "كوميديا الموقف"، الذي تنتج عنه ضحكة نادرة يعيشون عليها لفترات طويلة، بعُدت عن إلقاء النكات وفنّ "الظرف"، الذي شاع بعدها في العصور اللاحقة للدولة الإسلامية.

يقول ابن عبد البر في كتابه "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، أن زوجة الصحابي عبد الله بن رواحة أصابتها الغيرة لما ظنَّت أنه عاشر أَمَتَه، ولما أنكر ذلك، وضعته في امتحان عسير، قالت له: إن كنت صادقاً فاقرأ القرآن، فالجنب لا يقرؤه! أجابها فوراً:

شهدْتُ بأَنَّ وعدَ اللَّه حقٌّ ... وأنَّ النَّار مثْوى الكافرِينا
وأَنَّ العرش فوق الْماء طافٍ ... وفوق العرش ربُّ العالمينا
وتحملهُ ملائكةٌ كرامٌ ... ملائكةُ الْإله مُسوّمِينَا

ولأنها لم تكن تحفظ القرآن ولا تقرؤه، فتوهمت أشعاره من آياته، فقالت: صدق الله، وكذبت عيني. وعفت عنه، ولما بلغت هذه القصة النبي ضحك حتى بدت نواجذه (والنواجذ هي أضراس العقل، والمعنى مجازي، أي استغرق بالضحك).

الرسول وعائشة

يستعرض أبو البركات الغزي في كتابه "المراح في المزاح" عدداً من المواقف الطريفة التي جمعت النبي وزوجته، منها لحظة مبايعة الضحاك الكلابي له على الإسلام.

فقال له: عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء (أي عائشة) أفلا أنزل لك عن إحديهما فتتزوجها؟ هنا استشاط غضب أم المؤمنين، وتدخلت في الحوار قائلة: "أهما أحسن أم أنت؟!" فضحك الرسول من سؤالها، لأنها قصدت الرد عليه إشارة إلى قُبح وجهه.

موقف آخر سمع به أبو بكر صوتها عالياً على الرسول، فدخل المنزل كي يوبخها، فمنعه الرسول حتى خرج، ثم قال لها بعدها "كيف رأيتيني بعدما أنقذتك من هذا الرجل؟"

الصحابي الظريف "يدخل الجنة وهو يضحك"

هو النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن النجار الأنصاري، الذي عُرف بالشجاعة والإقدام وشارك في غزوات بدر وأحد والخندق وغيرها.

إلا أن أكثر ما قيل عنه وشَهَر اسمَه هو حبه المطلق للفكاهة والمرح حتى أنّ معظم المواقف التي حملت هذا الطابع في كتب السيرة كان هو أحد أبطالها، وصفته أم سلمة بـ"المضحاك المزّاح"، كما قال عنه النبي أنه "يدخل الجنة وهو يضحك".

حفظ لنا الزبير بن بكار عدداً من نوادره الطريفة في كتابه "الفكاهة والمرح"، منها أنه اعتاد أن يهادي الرسول كلما دخل المدينة بشيء نفيس، ينتقيه بعناية ويمنحه للنبي دون أن يكون قد دفع حقّه، فإذا سأله صاحب البضاعة عن النقود، دلّه على الرسول، قائلاً له "أعط هذا ثمن متاعه، لم يكن عندي حقه ولكني أحببت أن أهاديك"!

كما نقل الطبراني في "المعجم الكبير" رواية أم سلمة زوج النبي أن النعيمان بن عمرو خرج مع أبي بكر، في إحدى رحلات التجارة إلى الشام، وخلالها طلب طعاماً من رفيقهما سويبط بن حرملة، مدبِّر القافلة، فأبى احتراماً لغياب الصدِّيق، فقرر أن ينتقم منه على طريقته.

فذهب إلى قومٍ من الإعراب وقال لهم "أتشترون مني عبداً؟" فوافقوه على ذلك، وباع لهم سويبط ونال ثمنه 10 من الإبل، ولم تحرره إلا عودة أبي بكر الذي أكد للقوم أن صاحبه يمزح فرد عليهم إبلهم واستعاد صاحبه.

وعن هذه يقول ابن عبد البر، أن الرسول وأصحابه حين سمعوا هذه القصة "ضحكوا حولاً كاملاً".

كما ينقل الزبير أيضاً قصة الصحابي عيينة بن حصن الذي شكا إليه صعوبة الصيام عليه، فقال له "صُم الليل"، وظلَّ يفعلها حتى دخل عليه عثمان يوماً وهو يفطر شهر رمضان في وقت العشاء، فسأله: أتصوم ليلاً؟ فأجابه: هو أخف عليّ، فهم ذو النورين فوراً، وقال "هذه إحدى هنات نعيمان".

ويسرد ابن عبد البرّ في "الاستيعاب" حكاية الشيخ الهرم مخرمة بن نوفل الذي، كما يقال، أتمَّ الـ115 عاماً وأراد أن يتبول في المسجد فمنعه نعيمان فتوعده بـ"ضربة عصا تبلغ منه ما بلغت".

فأراد الصحابي الضحوك إنقاذ نفسه من وعيد مخرمة، فأقبل عليه ذات يوم وهو بالمسجد، سأله "هل لك في نعيمان؟" فأجابه "نعم"، فقاده إلى عثمان بن عفان، أمير المؤمنين حينها، حيث كان يصلي، وقال له "هذا نعيمان" فضربه الرجل بكل قوته فشج رأسه، فتكاثر عليه الحضور وقبضوا عليه.

جبال الثريد

صحابي آخر عُرف بحب الفكاهة هو الزعيم الأوسي أسيد بن حضير، يُروى عنه أنه رأى الرسول "متغير الوجه"، فقال لنفسه: لأضحكنّه. ثمّ حدثه: يا رسول الله، إنّ الدجال يأتي الناس في حال قحط وضيق، ومعه جبالٌ من الثريد. أفرأيتَ  إن أدركت زمانه، أنْ أضرب على ثريده حتى إذا تبطنت منه (أي شبعت)، آمنت بالله وكفرت به؟ فضحك النبي، وأجابه "بل يغنيك الله".

ونقل لنا أبو داود في "كتاب الأدب" سرده لموقف آخر، فيحكي عن نفسه، أنه بينما كان يحدث قومه ويضحكهم، طعنه الرسول الكريم بعود، فطلب منه القصاص فوافقه، قال له: إن عليك قميصاً، وليس عليّ قميص، فما أن رفع الرسول رداءه حتى احتضنه قائلاً "إنما أردت هذا يا رسول الله". 

الوجه الآخر لعُمر

على الرغم من السيرة الأسطورة التي عُرفت عن الفاروق بأنه رجل الشدة والجدية، إلا أن حياته لم تخل من مواقف مزاح لم يكن فقط أحد طرفيها، وإنما كان بطلها.

فيُروى عنه أنه أراد يوماً ممازحة جاريته، فقال لها "خلقني خالق الكرام، وخلقك خالق اللئام!" فلما رآها حزنت لهذا القول وبدأت في البكاء، أوضح لها "وهل خالق الكرام واللئام إلا الله عز وجل؟"

كما يُحكى عنه، أنه رأى أعرابياً يصلّي صلاة خفيفة، ولما انتهى منها قال "اللهم زوجني بالحور العين"، فأجابه الفاروق "أَسأت النَّقْد وأعظمت الْخطْبَة" (أي قدمت مهراً قليلاً وطلبت عروساً غالية).

هذه بعض من عشرات الأمثلة التي بين أيدينا، والتي لابدّ من اعتمادها في نظرتنا للتاريخ الأول.

لا يزال الصحابة قدوة أخلاقية في المجتمعات الإسلامية التي تعرف تاريخهم بشكل دقيق ومعمق، وهذه سمة استثنائية لا مثيل له في باقي الثقافات.

وحياة الصحابة وسيرتهم لم ترتبط بمعجزات أو قدسية، بل اعتمدت على سلوكهم وشخصياتهم، وأعمالهم، فحفظت لهم الثقافة الشعبية احتراماً ضمن لهم مكانة عالية، واستمروا في كونهم مصدراً لقيمها الأخلاقية حتى اليوم.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي