بحثاً عن ساغا عربية

بحثاً عن ساغا عربية

لا يستطيع أي متابعٍ للروايات الغربية، وخصوصاً الأكثر رواجاً (best-seller) أن يتجاهل الإقبال الكبير لدى القراء والمؤلفين على روايات الساغا (Saga)، والتي أصبحت نبعاً تستقي منه شركات الإنتاج الغربية الكبرى، "إتش بي أوه" (HBO) ونيتفليكس (Netflix) خصوصاً، مادة مسلسلاتها التلفزيونية وأفلامها السينمائية.

هذا النوع الروائي حاضر في العالم العربي بشكل أو بآخر، وإن غاب اسمه الصريح عن الأعمال البحثية والنقدية، ويمكن من رصد بعض الأعمال الروائية العربية رصد ملامح الوجه العربي لرواية الساغا.

الإرث الآيسلندي

يعود أصل لفظة "ساغا"، للغة النوردية القديمة، وتشترك بأصلها اللغوي مع الكلمة الإنكليزية "say"، أي القول، وجاء استخدامها الأول بمعنى "ما هو محكي"، أو "سرد نثري محكي"، ولا زالت تعني باللغة الآيسلندية المعاصرة "قصة"، وفي اللغة السويدية المعاصرة تستخدم بمعنى "القصة الخرافية".

Íslendingasögur Íslendingasögur

ويعود استخدامها إلى كتب "ساغات الآيسلنديين" أو "الساغات الآيسلندية" (Íslendingasögur)، وهي عبارة عن "تأريخ نثري يصف أحداثاً وقعت بين السكان النورديين والسلتيين في آيسلندا في القرنين العاشر والحادي عشر" حسب موقع "آيسلانديك ساغا داتا بيس" (Icelandic Saga Database)، ويعتقد أن تدوين هذه الكتب يعود إلى القرن الثالث عشر، مبنياً على تقليد شفهي.

Egils_Norway Egils Norway

ولكن لا يمكن التحقق من صحة الأحداث المدونة أو حتى معرفة هوية مؤلفي هذه الكتب. من أشهرها "ساغا إيغل" (Egill’s Saga)، والتي تروي مئة وخمسين عاماً (من 850 إلى 1000 تقريباً) من حياة عشيرة الشاعر "إيغل سكالاغريمسون" (Egill Skallagrimsson)، بدءاً من استيطان جده في آيسلندا إثر غزوات الفايكنغ. 

أقوال جاهزة

شارك غردهل تغير مصطلحات الأدب وتسمياته شعبية الروايات العربية عند القراء في العالم العربي وخارجه؟

شارك غردإن تبنّت الروايات العربية أنساباً أدبية غربية، فهل نعتبر خماسية "مدن الملح"، مثلاً، من روايات الساغا؟

في العصر الحديث، باتت كلمة "ساغا" تستخدم لتصف الروايات التي تعتمد في بنائها السردي على خصائص مماثلة للساغا الآيسلندية، من حيث استخدام الرواية كنافذة على أحداث طويلة تصيب مجموعة أو عائلة أو بطلاً واحداً، دون أن تكون هناك قصة أو حبكة كبرى.

ربما تكون رواية "مئة عام من العزلة" للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز أشهر روايات الساغا العالمية، وكذلك روايات الكاتبة التشيلية إيزابيل أليندي المعروفة بكتابة الساغا العائلية.

harry-potter harry potter

ومن الروايات المشهورة خارج أوساط القراء بسبب تحويلها إلى أعمال سينمائية أو تلفزيونية، "العراب" (The Godfather) لماريو بيوتزو، و"هاري بوتر" (Harry Potter) لـ ج. ك. رولينغ، و"ألعاب الجوع" (Hunger Games) لسوزان كولينز.

ceec91c6cf2fed33f1a713fc6521c240 Hunger Games

التاريخ يطغى على المخيلة

في العالم العربي لا يوجد تصنيف واضح مقدم من قبل دور النشر أو المؤسسات الثقافية لما هو ساغا من الروايات المنشورة. والأزمة لا تتعلق بنوع الساغا فقط، إنما هي أزمة مصطلحات عامة حين يتعلق الأمر بالرواية، كما يخبرنا الناقد والروائي السوري هيثم حسين:

"الحديث عن حدّ فاصل، أو حدود فاصلة معيّة واضحة ودقيقة، في مجال الرواية يعتبر ضرباً من الخيال في راهن الرواية العربية، ذلك أنّ الرواية تتّسم بقدرتها على استيعاب الفنون والأجناس وتنفتح عليها، وعربيّاً هناك فوضى المصطلحات والتوصيفات".

يؤدي شح تصنيف الروايات، وتركه لدور النشر الأجنبية في حالة الكتب المترجمة، إلى فقدان الروايات العربية الكثير من القراء، الذين تسهل عليهم عملية التصنيف الأعمق من مجرد "رواية" البحث عن نوعهم المفضل من الروايات.

عند البحث عن كلمة "ساغا" باللغة الإنكليزية على غودريدز مثلاً، تظهر أكثر من 24 ألف رواية، فيما نتيجة البحث عن الكلمة نفسها باللغة العربية تظهر كتاباً واحداً؛ "احتواء: النكبة ساغا وقصص أخرى"، للفلسطيني عبد الله أبو سنينة.

1001789-الثلاثية

يوجد في الأدب العربي الكثير من الروايات التي يمكن تصنيفها على أنها ساغا، دون أن يصنفها ناشروها أو مؤلفوها على هذا الشكل، أشهرها "ثلاثية القاهرة" أو "الثلاثية" لنجيب محفوظ التي يمكن أن توصف بأنها ساغا عائلية، إذ تصور حياة ثلاثة أجيال من عائلة السيد أحمد عبد الجواد عبر ثلاثة روايات؛ بين القصرين (1956) وقصر الشوق (1957) والسكرية (1957).

تأريخ أم تصفية حسابات؟

Garnada_trilogy
يمكن تصنيف العديد من الروايات العربية على أنها "ساغا" تاريخية، مثل "ثلاثية غرناطة" للكاتبة المصرية رضوى عاشور، والتي تصور عبرها حال المجتمع العربي والإسلامي في الأندلس بعد سقوط آخر ممالكهم (غرناطة)، وذلك عبر عائلة أبو جعفر الوراق.

وتبدأ من الحدث الكبير، سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين بيد الممالك المسيحية سنة 1492، ثم تصور التغيرات التي أصابت حياتهم وثقافتهم – من خلال رب الأسرة الذي يعمل وراقاً – وعلاقتهم بالآخر غير المسلم من المجتمع.

يقدم عبد الرحمن منيف أيضاً، من خلال خماسيته (مدن الملح)، رؤيته لتاريخ المملكة السعودية منذ المراحل المبكرة لنشوئها، ويصفها فيصل دراج (وفقاً لغلاف الطبعة الحادية عشرة من رواية "التيه" (2005)، بأنها "وثيقة اجتماعية تاريخية ترصد فترة من أخطر الفترات في التاريخ العربي المعاصر".خماسية_مدن_الملح

تدور أحداث الخماسية في دولة "موران" المتخيلة والتي لا تختلف كثيراً في نشوئها عن نشوء المملكة السعودية سوى فيما يخص أسماء الشخصيات والأماكن والدول، ترميزٌ بسيط لا يصعب على القارئ المطلع على تاريخ المملكة تفسيره.

تبدأ الرواية في الكتابين الأولين (التيه) و(الأخدود) بالتركيز على المجتمعات المحلية، ثم تنتقل الأحداث بدءاً من الكتاب الثالث (تقاسيم الليل والنهار) إلى العائلة الحاكمة والدائرة المقربة منها، وتقع أحداث الكتاب الرابع (المُنبت) بالكامل تقريباً خارج "موران" في منفى جزء من العائلة المالكة في ألمانيا.

يحذر هيثم حسين من وجود "خطورة في تحوير حدث تاريخي بعينه بحسب أهواء الروائي، الذي قد يتذرّع بالخيال حيلة ووسيلة لتمرير مقاصد رغبوية بعينها"، معتبراً أن هناك مستويين أو جانبين للروايات التاريخية، "فمن جهة يمكن اعتبارها تاريخاً لمراحل أو أحداث بعينها لأنّها تروم التوثيق وتبحث عنه، ومن جهة أخرى تبحر في عالم الخيال، تسدّ الفراغات الناشئة عن غياب التفاصيل، أو الجهل ببعضها، إلى إكساء نقاط تاريخية بأردية التخييل، بحيث تبقى في تلك المنطقة الرمادية بين التاريخ والخيال".

وفي هذه

النافذة الذاتية

رواية-إبرة-الرعب

تبرز روايات المذكرات كنوع آخر من الساغا في الأدب العربي، رغم صعوبة التمييز بين ما هو ساغا وما هو سيرة ذاتية، فحسب حسين صاحب رواية (إبرة الرعب) "يكون الروائيّ في رواياته السيريّة شاهداً على عصره، محاولاً التقاط أهمّ مفاصله وأدقّ دقائقه، يسلّط الضوء على النقاط التي يعدّها علامات فارقة في زمنه، وهنا لا يفترض بالقارئ التعاطي مع ما يسرده الروائيّ بمنطق التاريخ الموضوعيّ".

من الروايات التي تبرز في هذا الجانب ثلاثية السيرة الذاتية للروائي المغربي محمد شكري؛ "الخبز الحافي" و"الشطار" و"وجوه".

وكذلك ثلاثية الروائي السوري حنا مينه المعروفة باسم "بقايا صور"، والتي تتألف من ثلاثة روايات؛ "بقايا صور" التي تصور حياته في الريف الفقير للواء إسكندرون، و"المستنقع" التي تصور حياة عائلته في حي "الصاز" (وتعني المستنقع) الفقير في مدينة إسكندرون، و"القطاف" التي تصور حياتهم بعد نزوحهم من لواء إسكندرون – إثر ضمه لتركيا – إلى مدينة اللاذقية، وعملهم في أريافها أثناء فترة قطاف الزيتون.

بقايا-صور

تبرز في هذه الروايات الثلاث عدة تفاصيل تغيب عادةً عن السرد التاريخي، مثل تحمل الفلاحين عواقب ظهور الحرير الصناعي الذي نافس الحرير الطبيعي مصدر رزقهم، ثم عواقب الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعرف باسم الكساد الكبير أو "الكريزة" في المجتمع السوري، والتي بدأت سنة 1929 وتسببت بفقدان معظم عمال المرافئ أعمالهم.

إضافة إلى المصاعب الاقتصادية التي واجهت النازحين السوريين من لواء إسكندرون إثر تسارع الأحداث وعجزهم عن بيع ممتلكاتهم في إسكندرون، والتي قاموا بحرقها وتدميرها كي لا يستفيد منها الأتراك الذين هربوا أصلاً خوفاً من أعمالهم الانتقامية.

تشكل الـ"أنا" بالنسبة للروائي، حسب هيثم حسين، في روايات السيرة الذاتية "وسيلة لتصوير محيطه ومجتمعه، وهي الأنا المتماهية مع الآخرين، المتقمّصة شخصيّاتهم والمستقِية من حياتهم، وهناك تكون عتبة لقراءة الآخرين وترجمتهم لا تصديراً للروائيّ نفسه".

ما زالت الأبحاث العربية تقريباً في مرحلة الصفر عندما يتعلق الأمر برواية الساغا، وبالنسبة للباحث الغربي في الأدب العربي، لن يجد سوى إشارات عابرة – معظمها صحفية كما في مقال لين غزال في The National عن ثلاثية نجيب محفوظ –لروايات ساغا عربية، الأمر الذي يتسبب غالباً بقصور في رصد تنوع وغنى الرواية العربية، لافتقاد التسميات لا أكثر.

روائي وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي