الله الله olé olé: الغجر والعرب وفلكلورهم الإسباني

الله الله olé olé: الغجر والعرب وفلكلورهم الإسباني

الموسيقى الإسبانية اليوم رغم تقليدها في كثير من الأحيان للموسيقى الغربية المعاصرة مازالت تحافظ على تراثها الفولكلوري والأندلسي.

ومع أن الموسيقى الأندلسية لم تحظ بالاستمرارية كغيرها من الموسيقى التقليدية، بسبب تهجير سكان البلاد المسلمين واليهود، إلا أنّها تركت أثرها الواضح على أرض شبه الجزيرة الإيبيرية.

وبترحالها إلى المغرب والمشرق استطاعت أن تنمو وأن تبقى حية على مدى قرون على يدي المغاربة المعروفين بفرقهم الموسيقية المتخصصة بالموسيقى القديمة، وكذلك في المشرق، حيث بقي لهذا التراث تأثيراً وشعبية نجد أمثلة عنها في أغنية سيّد درويش "يا شادي الألحان" وأندلسيّات فيروز.

عادت هذه الموسيقى من شتاتها إلى إسبانيا على يد موسيقيين من أبرزهم إيدواردو بانياغوا، ولويس ديلغادو وغيرهم، وهم غالباً يعزفون مع موسيقيين مغاربة ويتغنّون في ألحانهم بالشعر الأندلسي.

الموسيقى الأندلسية

ترتبط الموسيقى الأندلسية بشكل وثيق بنوعين من الشعر: الموشحة (التي كانت تكتب باللغة العربية أو العبرية)، والزجل (الذي كان يقال باللهجة العربية الأندلسية)، وكلاهما انتشر في الأندلس بين الخاصة والعامة على حدّ سواء.

ولكن هذه الموسيقى لم تكن الوحيدة في شبه الجزيرة الإيبيرية آنذاك، بل كان هناك موسيقى الأمازيع وشمال أفريقيا، وموسيقى يهود ومسيحيي إيبيرية.

المستعربون المسيحيون حافظوا على موسيقاهم الخاصة، التي كانت  مرتبطة بطقوسهم الدينية، خلافاً للموسيقى الأندلسية التي كانت دنيوية في معظمها أو صوفية، وكانت تعود أصولها إلى عهد القوط قبل دخول الإسلام.  

أقوال جاهزة

شارك غردمع التأثيرات البيزنطية والفارسية والشرقية، مزجت موسيقى الأندلس تأثيرات من أوروبا وشمال إفريقيا

شارك غردمن تزاوج الفنون العربية في جنوب الأندلس مع موسيقى الغجر ولد فن الفلامينكو الشهير

والموسيقى الأندلسية مزيج حضاري فريد من نوعه يجمع تفاعل مسيحيي شبه الجزيرة الإيبيرية بالعرب وحضارتهم الشرقية والأمازيغ وحضارتهم الإفريقية واليهود الذين سكنوها مع المسيحيين قبل وصول المسلمين.

INSIDE_OleOle5

وفي أول أيام الأندلس كانت الموسيقى مستمدة من أغاني النصارى أو من الطابع البدوي الذي أتت به القبائل العربية والأمازيغية، حتى بداية العهد الأموي حين بدأ استقدام الموسيقيين والمغنيات من المشرق.

زرياب ومغنيات المشرق في الأندلس

جاء العرب بالقيان المغنيات في أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع للميلاد اللواتي كنّ قد دُرِّبن في بغداد والمدينة. وكن يتعلَّمن الموسيقى والرقص وعلم الخط وإلقاء الشعر وحتى خيال الظل. وكان أشهرهن في الأندلس يتدربنَ في إشبيلية على يد مغنيات تقدم بهن السن فاحترفن التدريس.

ولكن الموسيقى الأندلسية لم تقتصر على تقليد ما جاء من الشرق، بل تم تجديدها في أوائل القرن التاسع على يد الموسيقي والمغنّي زرياب، الذي أتى من بغداد إلى قرطبة أيّام حكم الأمير الأموي عبد الرحمن الأوسط، والذي يعتبر قدومه نقطة بداية الازدهار الفعلي لهذا الفن في الأندلس.

بعد عقود، وفي القرن الثاني عشر بالتحديد، بدأ ظهور موسيقى ذات نمط أندلسي متميز، وكان ذلك على يد الفيلسوف والموسيقي السرقسطي وزير المرابطين ابن باجة.

مزج ابن باجة الموسيقى المسيحية بالشرقية وقدّم نوعاً جديداً ذا طابع أندلسي مال إليه الناس دون غيره لأنه كان يندمج أكثر مع مزاجهم، وأغلب الظن أنه كان مرتبطاً بالموشحات.

وهكذا كانت أغاني الأندلس من نوعين: إما قصائد على النمط الشرقي تركب لها الألحان وقصائد على النمط الأندلسي، أو موشحّات وأزجال كتبت لتغنّى، ويبدو أن هذا الشعر الأندلسي استقلّ عن عروض الفراهيدي، وتطور بشكل حرٍّ ليتماشى مع إيقاع الموسيقى.

تأثيرات الموسيقى الأندلسية وترحالها

مع التأثيرات الفارسية والبيزنطية التي أتت بها الموسيقى الشرقية إلى الأندلس، نجد تأثر التراث الموسيقي الإيبيري بما كان يأتي به المسيحيون من أوروبا.

ومعروف أن كثيراً من الأمراء الأمويين الأندلسيين اتخذوا أزواجاً وحظايا مسيحيات، فنجد أن أم وجدة عبد الرحمن الناصر أول الخلفاء الأمويين في قرطبة كانتا مسيحيات، وزوجة ابنه الحكم الثاني، المعروفة بصُبح البشكنجية، كانت من الروم أيضاً، وهؤلاء النساء جلبن معهن ثقافتهن الموسيقية إلى بلاطات الأندلس.

بالإضافة إلى الأسرى والقيان المتبادلين بين الطرفين، الذين نقلوا بترحالهم (القسري) تأثير الثقافتين.

وكان كثيرٌ من الموسيقيين المسلمين واليهود الأندلسيين يذهبون طوعاً إلى بلاطات الممالك المسيحية، حيث كانت الموسيقى الأندلسية تستقبل باحتفاء حتى القرن الخامس عشر للميلاد، مع بداية النهضة الأوروبية.

وحافظ الموريسكيون على الموسيقى الأندلسية إلى أن كان نفيهم من شبه الجزيرة الإيبيرية، فانتشرت معهم أثناء تنقلهم في شمال إفريقية والمشرق، وما زالت آثارها حيةً إلى اليوم في الملحون المغربي والحوزي الجزائري والقدود الحلبية.

a097908daa8f44b9dd7a7678181fa29a

الطرب والـduende: الله الله olé olé

حقيقة، لم ترحل الموسيقى الأندلسية عن إسبانيا مع رحيل الموريسكيين، بل ترك هؤلاء تأثيرهم في أشهر موسيقاها الفولكلورية المعروفة اليوم على الإطار العالمي وهي موسيقى الفلامينكو.

والفلامينكو فن من الفنون الإسبانية الذي يقوم على رقص وموسيقى وغناء تتميز به منطقة أندلوثيّا الجنوبية (Andalucía)، ومع أن هذه المنطقة تحمل اسم الأندلس، لا يمكن اعتبارهما متطابقتين، لأنّ الأراضي الإيبيرية التي كانت تحت حكم إسلامي شملت شمال شبه الجزيرة وجنوبها، ثمّ بدأت تتقلص حتى نهايتها في آخر مدنها، غرناطة.

ومع ذلك فإن أندلوثيا تضم الآن أشهر المدن الأندلسية كقرطبة وإشبيلية وغرناطة نفسها، وفي هذه المدن تطور الفلامينكو الذي يحمل جذوراً يونانية ورومانية وقوطية وأندلسية وغيرها، أي جميع الحضارات التي يتكون منها التراث الإيبيري.

INSIDE_OleOle2

ويعتقد أن الموريسكيين بتعايشهم مع الغجر هم الذين تركوا الأثر الأندلسي على هؤلاء إلى أن كان المزيج الفني الذي نجده اليوم ضمن الهوية التي يعتز بها غجر إسبانيا الجنوبية. 

ولكن الفلامينكو لم يظهر مباشرةً بعد نزوح الموريسكيين، بل تابعت موسيقى جنوب إيبيرية تطورها وتأثرها بحضارات بعيدة كالهندية والأمريكية الجنوبية إلى أن ظهرت أول معالم هذا الفن في القرن الثامن عشر.

هذه العلاقة بين الموسيقى الأندلسية الموريسكية والغجرية الإسبانية نجدها كذلك في الحفلات التي تميز بها الموريسكيون وكانت تعرف بـ'Zambra morisca' والتي يتميز بها اليوم غجر أندلوثيّا الجنوبية أيضاً وهي معروفة بـ'Zambra gitana'.

وكلمة 'zambra' أصلها عربي وتأتي من "زَمْر" وذلك بسبب الجلبة التي كانت تقوم في الحفلات الموريسكية من الرقص والموسيقى. وقد تابع الموريسكيون هذه الاحتفالات إلى أن قام الإمبراطور كارلوس الخامس في القرن السادس عشر بمنع الزمر والحفلات الليلية (zambras y leilas) واستخدام الحنّاء (alheña) والأعراس وما إلى ذلك.

أما الغجر فكان وصولهم إلى شبه الجزيرة الإيبيرية في أوائل القرن الخامس عشر بعد انتشارهم في أوروبا، ومع أنه تم الترحيب بهم في أول الأمر، سرعان ما أصبح حالهم في القرن التالي كحال الموريسكيين، فبدأت الحكومة تنظر إلى وجودهم وهويتهم كشائب يمنع تكوين هوية وطنية موحدة، لكن اعتناقهم المسيحية أنجاهم من الإجلاء الجماعي.

INSIDE_OleOle غجر يرقصون في إشبيلية

بعد قرون، عادت كلمة zambra إلى الواقع الإسباني على يد الغجر الغرناطيين في أعلى منطقة لهذه المدينة العريقة وهي المعروفة بالساكرومونتي (Sacromonte) أي الجبل المقدس.

ومازالت هذه الحفلات تعتبر من أهم الأنشطة الثقافية التي تقدمها المدينة لسيّاحها ولا سيما الأجانب منهم. وعادة تتكون كل مجموعة فنية من أفراد أسرة واحدة، يترأسهم رجل أو امرأة، وإليكم مثال الفنانة كارمين أمايا (Carmen Amaya) التي قطع بها فنّها المحيط إلى هوليوود.

وفي هذه الثقافة، ما زالت موسيقى الأندلس حية إلى اليوم ككيان فني ينمو ويتطور ويتشعّب في المزيج الثقافي حاملةً في صلبها قوة إنسانية خفية وقديمة.

وكان الشاعر والأديب الغرناطي فيديريكو غارثيا لوركا (Federico García Lorca) الذي قُتل على يد الانقلابيين عند اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية في القرن الماضي، يقول أن الـduende (وترجمته الحرفية هي "عفريت" وهو عند الغجر شبيه بجنّ ابن شهيد)، هو شعور يحرق الدماء ويرفض التقليد وينمو من الألم الإنساني العميق، وأن كلمة olé (أولي) التي يرددها الغجر عند طربهم، تشبه إلى حدّ كبير حالة الطرب التي يعبر عنها العرب بقولهم "الله الله"، وها هنا مثال عنها في أغنية لباستورا بابون (Pastora Pavón).

المصادر: مقالة "موسيقى" لديوايت رينولدز، في كتاب الأدب الأندلسي؛ "Zambra" في الأندلس وتاريخ تطوره، لإيميليا مارتوس سانشيز.

ليلى جريص نافارو

باحثة إسبانية سورية متخصصة بالعلاقات الثقافية بين الأندلس والمغرب الأقصى. عملت كمترجمة وكأستاذة في الأدب العربي في جامعة غرناطة حيث حصلت على شهادة الدكتوراه. هي مهتمة أيضاً بالفن والكتابة المعبرة عن الذات والإنسانيات الرقمية. @layla_jreis

التعليقات

المقال التالي