هدم المنارة المحدّبة في الموصل: ماذا بقي من إرث نور الدين زنكي؟

هدم المنارة المحدّبة في الموصل: ماذا بقي من إرث نور الدين زنكي؟

21 يونيو 2017 يوم محزن في تاريخ الذاكرة الحضارية الإسلامية.

بعد أشهر من القتال على مقربة من الجامع النوري الكبير في الموصل، بين قوات الجيش النظامي العراقي، المدعوم بالحشد الشعبي وضباط الحرس الثوري الإيراني في البر، وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، من الجو، وبين مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية أو داعش، دمّرت منارة الجامع الشهير.

هذه المنارة المنحنية نحو الشرق، بتأثير عصف الريح عليها في هذا الاتجاه منذ 1172م إلى اليوم، تسمى  المنارة الحدباء، وهو الإسم الذي أعطي للمدينة أيضاً، إذ تعرف الموصل بالمدينة الحدباء.

اتهم الأمريكيّون مسلّحي داعش، وهم في صدد الانسحاب من المدينة القديمة، بتفجير المنارة، وكذلك فعل الإعلام الرسمي العراقي، في حين اتهم "داعش" الأمريكيين بقصفها من الجو.

لم تكن هذه المرّة الأولى التي يجري فيها التراشق التهم حول المنارة الحدباء. يوم سيطرت داعش على المدينة أتهمت أيضاً بالعزم على تدمير هذه المنارة، ويوم اقترب الجيش النظامي ذو الصبغة الشيعية، والحشد الشعبي ذو الحماسة الشيعية، من الموصل، لإخراج داعش منها، أتهموا أيضاً من المقلب المذهبي الآخر، بالنيّة على انهاء معالم الموصل القديمة، محاكاة لمصير حلب الشرقية.

لم تدمّر المنارة المحدّبة إلا أواخر هذا الشهر بالنتيجة، لكن هذا الخوف عليها، من داعش ومن الحشد الشعبي كان يجد مبرّراته في هوية الشخص الذي حمل الجامع الكبير اسمه: نور الدين زنكي.

فنور الدين عرف في مرحلته بسياستين: واحدة احتضانية للصوفية، وثانية عدائية شرسة ضدّ الشيعة بفروعهم كافة، ومن حلب حتى مصر مروراً ببعلبك.

لداعش مشكلة مع تراثه الصوفيّ، وللشيعة مشكلة مع تراثه في التنكيل بأجدادهم. أمّا الاستشراق الغربي فقد رجحت فيه نظرة إلى نور الدين زنكي على أنّه مؤسس "الجهاد" في الإطار الذي اتخذه المفهوم، من زمن حروبه ضدّ ممالك الفرنجة إلى اليوم.

نور الدين الزنكي والصراع المذهبي

نور الدين الزنكي التركماني، كان ورث إمارة حلب عن أبيه، فيما ورث أخوه إمارة الموصل، ثم توسّعت دولة نور الدين الذي قدّم نفسه كـ"ناصر أمير المؤمنين" أي المدافع عن الخليفة العباسي في بغداد، لضم دمشق، وإحباط الحملة الصليبية الثانية التي عمدت إلى حصار دمشق.

وبعد أن عظم تهديد الفرنجة لوادي النيل أرسل فرقه الكردية إليها، كي "تقطف" عصفورين بحجر واحد، التصدّي للفرنجة، ووضع حدّ للخلافة الفاطمية في القاهرة وللتشيع الإسماعيليّ في مصر، وإحياء السنّة فيها، وإرجاعها إلى سلطة الخلافة العباسية الإسمية.

كان نور الدين أكثر تسرّعاً من صلاح الدين الأيوبي الذي كان يخضع له في التراتبية حينها، من أجل إتمام هذا الأمر، وطي صفحة "مصر الشيعية"، مثلما استطاع نور الدين في سنوات قليلة أن يبدّل الوضع بشكل جذري في حلب، التي كانت تقوم بها أرجحية شيعية قبل إجراءاته "التسنينية" لها، والصدامية.

أمّا الموصل، فلم ينتزعها نور الدين الزنكي من القسم الثاني من عائلته إلا في فترة متأخرة، لكن الدولة الزنكية ستبقى فيها لسنوات أطول من حالها في حلب والشام، بعد أن ابتلعتها الدولة الأيوبية.

أقوال جاهزة

شارك غردالخوف على المنارة الحدباء من داعش ومن الحشد الشعبي مردّه هوية الشخص الذي يحمل الجامع اسمه: نور الدين زنكي

شارك غردتعرفوا على سر التراشق في التهم بين داعش والأمريكيين والحشد الشعبي حول تدمير المنارة الحدباء في الموصل

ورغم العمر القصير لهذه الدولة، فإنها لعبت دوراً مفصلياً في الإحياء السنّي، من حلب إلى بعلبك إلى وادي النيل، وفي إضعاف المماليك الفرنجية، بدءاً من عماد الدين زنكي والد نور، الذي قوّض مملكة الرها الصليبية (والرها هي أورفا في الجنوب التركي اليوم)، وصولاً إلى نور الدين الذي أحبط الحملة الصليبية الثانية.

كذلك أعطى نور الدين زخماً دينياً غير مسبوق لمعركة استرجاع بيت المقدس، وهو ما سينجزه الأيوبيون بعد رحيله.

نموذج "الملك العادل" الزاهد المجاهد

والأهم، أنّ الدولة الزنكية، بل خصوصاً ما عرف بـ"الدولة النوريّة"، تحوّلت في سردية معيّنة إلى نموذج للدولة المجاهدة العادلة، وقد لعب المؤرخ ابن الأثير في "الكامل في التاريخ"، بتعصبه للزنكيين ضدّ الأيوبيين، دوراً مهماً في تثبيت هذه السرديّة، وإسباغ نور الدين بصورة من "يتحرى العدل وينصف المظلوم من الظالم كائناً من كان".

ما استحسنه ابن الأثير كان إحاطة نور الدين نفسه بالفقهاء ومشايخ الصوفية، وزهده وتعبّده كشخص.

لداعش مشكلة مع جامع النوري وتراثه الصوفي، وللشيعة مشكلة مع تاريخ مؤسسه في التنكيل بأجدادهم

يقول ابن الأثير: "أحضر نور الدين الفقهاء، واستفتاهم في أخذ ما يحل له، فأخذ ما أفتوه بحله، ولم يتعده إلى غيره البتة، ولم يلبس قط ما حرمه الشرع من حرير أو ذهب أو فضة، وحكي لي عنه أنه حمل إليه من مصر عمامة من القصب الرفيع مذهبة فلم يحضرها عنده، فوصفت له فلم يلتفت إليها، وبينما هم معه في حديثها، إذ قد جاءه رجل صوفي فأمر له بها، فقيل له: إنها لا تصلح لهذا الرجل، ولو أعطي غيرها لكان أنفع له، فقال: أعطوها له فإني أرجو أن أعوض عنها في الآخرة، فسلمت إليه فسار بها إلى بغداد فباعها بستمائة دينار أو سبعمائة، وأنا أشك أنها كانت تساوي أكثر".

الموازنة بين المذاهب السنّية

الجامع النوري الكبير القائم في الموصل اليوم، لم يتبق منه تقريباً شيء من الجامع الذي بني في عهد الملك العادل نور الدين زنكي، إذ هدّم وأعيد إعماره عدّة مرّات على مرّ التاريخ، هذا باستثناء منارته الحدباء.

هي الجزء الوحيد الذي بقي إلى حين نسفه قبل أيام، الجزء الذي راجت حوله أخبار كثيرة، منها أنّ انحناءته كانت مقصودة من الأساس، ومنها أنها كانت أعجوبة، أي أنّه انحنى للإمام عليّ كما ساد الاعتقاد لفترة طويلة في الموروث العراقي.

بخلاف صلاح الدين الذي فرض مذهباً فقهياً بعينه، هو المذهب الشافعي، وفّق نور الدين الزنكي بين التزامه، شأن الكثير من أبناء القبائل التركمانية في ذلك الوقت، بالمذهب الحنفيّ، وبين اهتمامه ببناء المدارس لنشر المذاهب السنية الأربعة الكبرى على قدم وساق، وهذا أمر سيعود المماليك إليه، مع الظاهر بيبرس، عندما يوازنون بين المذاهب الأربعة، بخلاف "الاحتكار الشافعي" للفقه والإفتاء أيام الأيوبيين، ثم "الاحتكار الحنفيّ" لهما أيام العثمانيين.

إرث نور الدين زنكي الصوفي

كما شجّع نور الدين التصوّف السني، وبنى عدداً كبيراً من "الخوانق" الصوفية من حلب حتى الموصل، وكان هو نفسه مريداً صوفياً.

لئن كان داعش ينفي عن نفسه اليوم أنه قصف المنارة الحدباء، إلا أنّ التنظيم الدموي لطالما تباهى في السنوات الماضية بأنّه دمّر، بحجة مكافحة البدع الشركية والقبرية، مقامات صوفية وتركة أثرية إسلامية كامل في العراق، علاوة على الآثار القديمة والمسيحية.

بقي أن التنظيم كان اختار إعلان "رجعة" الخلافة الإسلامية من الموصل نفسها، ومن الجامع الذي بناه نور الدين زنكي فيها. بل هي الخطبة المصورة الوحيدة لأبي بكر البغداد (تموز 2014).

تدمير أحد أهم المعالم المتبقية من إرث نور الدين زنكي، الذي لم يتردّد بالجمع بين التسنّن (بمذاهبه الأربعة) والتصوّف

ولئن حملت إحدى الميليشيات في الشمال السوري إسم نور الدين زنكي، فيصعب جداً أن يكون لدى "داعش" هوى بنور الدين الزنكي لجهة المكانة الكبيرة التي أعطاها للصوفية، ولموازنته بين المذاهب الأربعة على قاعدة أفضلية نسبية للمذهب الحنفي، وهذا يختلف عن "الدمج" السلفيّ بين المذاهب تحت قيادة الحنبلية.

يعيش المشرق العربي اليوم حركة تبديل للوقائع الديموغرافية الاثنية والمذهبية في الاتجاه المعاكس تماماً لحركة الإحياء السنّي التي قادها السلاجقة ثم نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي.

يأتي اندثار أحد المعالم المعمارية الأهم لفترة الإحياء السنّي في القرن الثاني عشر الميلادي في ظروف بالغة الاشتعال مذهبياً اليوم.

من قاد مسيرة الإحياء السنّي في ذلك الوقت، فهم جيّداً أنّ هذا الإحياء يكون بالجمع بين التسنّن والتصوّف في نسق حيوي متكامل، أما من يقود الإحياء المتشدّد لكن الناقص اليوم، فيغلب عليهم رفض هذا الجمع بين التسنّن والتصوّف، ولا يعتبر أنّ هناك نموذجاً عليه محاكاته غير نموذج دولة الرسول والشيخين من بعده في يثرب - المدينة.

هدم الآثار الإسلامية

التراشق في التهم بين داعش والأمريكيين والحشد الشعبي حول الطرف المتسبب بنسف المنارة الحدباء لا يلغي سنوات مريرة من التهديم الداعشي للآثار الإسلامية، الزنكية والأيوبية والعثمانية، سواء بسواء. بل من آثار إسلامية أكثر قدماً، سابقة على نور الدين زنكي، مثل مسجد النبي يونس، وخمسين مسجداً آخر، وخوانيق ومقامات، وقبر المؤرخ ابن الأثير، صاحب "الكامل في التاريخ" الذي لعب دوراً أساسياً في تكريس دولة نور الدين كمثال للدولة العادلة المجاهدة في الإسلام.

من الكارثي تماماً الإنصراف للقول إنّه، وما همّ الحجر، فيما يسيل دم البشر سخياً في كل أنحاء الشرق العربي. الحجر ليس حجراً فقط. إنه الذاكرة الحضارية للمنطقة. الجريمة بحق الذاكرة الحضارية للمنطقة ليست أبداً بالمعطى النافل أو القانوني، لا في تدمر ولا في نينوى ولا في الموصل.

وسام سعادة

كاتب وصحافي لبناني. درس العلوم السياسية والفلسفة. حائز دبلوم الدراسات المعمّقة في العلوم السياسية، اختصاص الفكر السياسي.

التعليقات

المقال التالي