الطمع الجميل والقبيح... هكذا سلك نجوم مصر طريق الشهرة العامر بالملذات

الطمع الجميل والقبيح... هكذا سلك نجوم مصر طريق الشهرة العامر بالملذات

يقولون إن الحياة مسرح كبير، وكل موجود في هذا الوجود الواسع له دور أساسي، على خشبة المسرح. ومن عرف مصر يدرك جيداً أنها هي المسرح الأساسي للحياة.

فمصر بكل مكنوناتها خشبةً صماء، يأتيها الرواد طمعاً في الولوج إلى مقدمة المشهد، ونيل حظوظ النجومية وسلوك طريق الشهرة العامر بالملذات.

ولما كانت النجومية تعتمد على موهبة الفنان، أفرزت المسارح والسينما عدداً لا بأس به من النجوم، ليس بعد أن تحول الأمر إلى صناعة لها روادها ومريدوها، لتصبح النجومية أبعد ما تكون عن الموهبة، وأقرب إلى الذكاء والقدرة على اختيار الأعمال الفنية، إلى جانب توفير الدعم للنجم ليواصل شحذ طاقاته للسطوع في عالم الأضواء.

يقول الناقد السينمائي المصري عمرو شاهين: «النجومية هي من تختار روادها على الأغلب. ومع ذلك، فالنجومية تعتمد على معايير عدة لأن الأهم من الشهرة هو الحفاظ عليها، وتوسيع بقعة الضوء حول النجم بشكل أكبر.

لو قمنا بمقارنة بين الأجيال السابقة من الفنانين، يمكننا القول إن الفنان نور الشريف، كان أقل أبناء جيله موهبة، لكنه بالمقابل كان أكثرهم ذكاءً واجتهاداً وقدرة على الاختيار. بينما كان الفنان أحمد زكي، أكثر أبناء ذلك الجيل موهبةً، لكنه متوسط الاجتهاد، كما كانت قدرته على اختيار ما يقدمه متواضعة».

ويضيف لرصيف22: «في المقابل كان هناك أيضاً مساحة لفرض بعض الشخصيات على الجمهور، الذي يأبى إلا أن يقول كلمته، فمثلاً الفنانة برلنتي عبد الحميد، رغم أنها كانت من أجمل الفنانات في جيلها، لم تصل إلى مرحلة النجومية الساطعة، لعدم امتلاكها الموهبة، ولأن الجمهور لم يتقبلها وإن تم فرضها في الكثير من الأعمال الفنية».

مقياس النجومية

المقياس الحقيقي للنجومية لا يعتمد على أن يكون الفنان نجماً لبضع لحظات أو حتى شهور ومن ثم يختفي، بل إن الأمر يعتمد على الاستمرارية، أي أن النجم لن يكون نجماً إلا إن بقي خالد الذكر في مجالس الأجيال التي عاصرته، والأجيال التي تأتي بعده، ومثال على ذلك الضاحك الباكي نجيب الريحاني، الذي خلد ذكره دوناً عن غيره من عمالقة أبناء جيله.

وعلى الرغم من بزوغ نجم الكثير من الفنانين في الستينيات والسبعينيات، فإننا لا نذكر منهم سوى أسماء معدودة كالفنان محمود عبد العزيز، والفنان نور الشريف، والفنان أحمد زكي، والفنان عادل أدهم... بينما لا نذكر الفنان صلاح السعدني مثلاً، رغم أنه ابن لتلك الحقبة وكان فناناً له ثقل كبير.

تقول المؤلفة المصرية سماح الحريري لرصيف22: «نجوم الآن تطغى المادة على ممارساتهم للفن، وما يهمهم هو الشهرة فقط. أما النجوم الكبار قديماً فكانوا يمارسون الفن لأجل الفن، ويجدون في العمل متعة إلى جانب الأضواء والمكاسب جراء تلك الشهرة، مع الاحتفاظ ببعض الاستثناءات.

وفي جانب آخر كان الفنان قديماً يمتلك أسلوباً بسيطاً وتلقائياً يتناسب مع طبيعة الواقع في تلك الفترة. وكان الجمهور أيضاً يسعى ويبذل المال لمشاهدة هؤلاء النجوم في قاعات السينما والمسارح، وكان هذا يجعلهم على درجة من درجات التقديس».

أقوال جاهزة

شارك غردالمقياس الحقيقي للنجومية لا يعتمد على أن يكون الفنان نجم لبضع لحظات ثم يختفي الأمر يعتمد على الاستمرارية

شارك غردمع حالة الغرور السائدة عند كثير من نجوم هذه المرحلة أصبحت دورة حياة العمل الفني معكوسة تبدأ من عند النجم

وتضيف الحريري، التي يعرض لها في الموسم الحالي مسلسل «الحلال» بطولة الفنانة سمية الخشاب: «الآن أصبحت مشاهدة النجم متاحة ومتكررة إلى حد الملل، خصوصاً بعد لجوء النجوم لمسلسلات التلفزيون الطويلة. وبشكل عام، فإن طبيعة الواقع الصعبة والمعقدة، تركت آثارها على نجوم الحاضر لجهة السعي خلف المال والانتشار واللجوء إلى الأعمال التي تجذب أكبر قدر من الشرائح التي تتابع أعمالهم وإن كانت رديئة».

دورة حياة العمل الفني

تعتمد دورة حياة أي شيء في هذا الكون على مبدأ التراتبية والتسلسل، فلا يصح مثلاً أن نشتري البردعة قبل أن يتوفر الحمار. يقول الناقد السينمائي عمرو شاهين: «العمل الفني له مبنى واضح، أي سيناريو مكتوب بشكل جيد يتم تقديمه للمنتج، والمنتج يقرر إذا كان جاهزاً للعمل عليه، ويسلم السيناريو للمخرج الذي يبدأ في تصور الأدوار، ومن الذي سيقوم بتمثيلها من الفنانين، وبعد اختيار طاقم العمل يبدأ التصوير».

ويضيف: «الآن، ومع حالة الغرور السائدة عند كثير من نجوم هذه المرحلة، أصبحت دورة حياة العمل الفني معكوسة. العمل الفني الآن يبدأ من عند النجم. أي أن الشركة المنتجة تتعاقد مع نجم معين، ثم تختار كاتب السيناريو، وتكلفه بكتابة عمل فني على مقاس هذا النجم. أيضاً يختار النجم بنفسه طاقم العمل الذي يريده، ويختار حتى المخرج، لأن الشركة المنتجة يهمها النجم الذي يعتمد تسويق العمل على اسمه".

السَنِيد

هو رفيق البطل أو البطل الثاني لأي عمل فني، ولا تقوم لأي عمل فني قائمة بدون دور السنيد، الذي يظهر انفعالات البطل وتاريخه وأدواته في الحبكة الخاصة بالمنتج. كثيرون هم الذين برعوا في دور السنيد، وحققوا نجاحاً لافتاً، لكنهم فشلوا كنجوم. فعالم الفن هو عالم المتغيرات واللاثابت.

حين كان الجميع يراهنون على أن فتى الشاشة الأول لا بد أن يكون وسيماً ذا ملامح جذابة، خرج علينا الفنان الأسمر ذو الملامح الصعيدية أحمد زكي، وبرع في أن يكون فتى الشاشة الأول، رغم أنه ليس وسيماً بالمعنى الوظيفي للكلمة. كما نجح الفنان محمد هنيدي في أن يستبدل فتى الشاشة الحالم الرومانسي، بآخر ملؤه الكوميديا والضحك.

تؤكد الحريري: «العمل في مجال السينما والدراما والوصول إلى مرحلة النجومية في مصر يعتبر الأصعب على الإطلاق، ويحتاج إلى توافر عدة أمور غير الموهبة والأعمال الجيدة، فالأهم من ذلك كله هو شبكة العلاقات التي يمكن أن تقودك إلى بقعة الضوء، إلى جانب الواسطة، بالإضافة إلى بضع لمسات من الحظ الجيد».

وعن تزاوج الفن بالفن والثنائيات الفنية، يقول شاهين: «التزاوج بين الفنانين أمر منطقي وطبيعي جداً. يعني حين تمضي الفنانة مع زميلها أكثر من عشر ساعات في اليوم على مدار ستة أشهر يعملان معاً، من الطبيعي أن يحصل استلطاف وانجذاب بينهما. لكن على مستوى الثنائيات الفنية، فمن غير الممكن أن يشكل أي زوجين من الفنانين ثنائياً لأن ذلك كان بمثابة طفرات فريدة، مثل الفنان فؤاد المهندس والفنانة شويكار، والفنان نور الشريف والفنانة بوسي».

«التاريخ لا يُشبِعُ أحداً»

خلال نقاشي مع الناقد شاهين، دخلنا في جدلية لجوء بعض الفنانين أصحاب التاريخ المهني المشرف، للعمل في مجال الإعلانات الرديئة التي بدأت تطفو على السطح. فأوضح: «أن تبقى كفنان على الساحة طوال مراحل عمرك، فهو أمر حصل مرتين فقط، وهذا استثناء، مع الفنان فريد شوقي، والزعيم عادل إمام.

القليل من الفنانين من يعرف التكيف والتعامل مع كافة مراحله العمرية والفنية والمادية أيضاً. لذلك قد ترى الكثير من الفنانين أصحاب التاريخ العريق يلجأون إلى أعمال لا تليق بتاريخهم. فبعد إعراض المخرجين والمنتجين عنهم لا بد لهم من البحث عن لقمة عيش في أي عمل آخر».

ويضيف شاهين: «الجمهور يغفل جانباً مهماً جداً، هو أن الفنان الذي قدم هذا التاريخ من الأعمال الفنية ما زال حياً ويحتاج إلى عمل يأكل منه خبزاً. أيضاً في مصر لا يوجد حقوق استغلال وحق ملكية. يعني الفنان يأخذ أَجرُهُ مرة وحدة فقط لأن حقوق العمل من حق المنتج فقط، بينما في دول أخرى يتقاضى الفنان أجراً طوال فترة عرض العمل ولو بعد خمسين سنة».

الاستثناء الثالث

الفنان محمد رمضان، الذي أثبت بانسحابه من السباق الرمضاني هذا العام، أنه الفنان الوحيد الذي اجتمع الجمهور لمشاهدة أعماله في المقاهي تماماً كما يحدث في مباريات كرة القدم. إذ تفرغ الشوارع، وتمتلئ أماكن السهر والسمر. ومع ظهور رمضان في أحد الإعلانات أثبت أن الجمهور متعطش له ولأعماله بشكل كبير.

يختم شاهين: «محمد رمضان فنان موهوب جداً ويسعى إلى اللحاق بفريد شوقي وعادل إمام. إنه الاستثناء الثالث الخالد الذكر في عالم الفن. لكن فعلياً لا يوجد عرش ثابت، وتثبيت عرش محمد رمضان يحتاج منه إلى المثابرة والجهد وكأنه يقدم عمله الأول، بالإضافة إلى تجديد الأعمال التي يقدمها».

حسام خضرا

صحفي فلسطيني يعيش في القاهرة.

كلمات مفتاحية
سينما شهرة نجوم

التعليقات

المقال التالي