أقصى درجات السعادة: كيف حددها الفلاسفة المسلمون؟

أقصى درجات السعادة: كيف حددها الفلاسفة المسلمون؟

يطرأ على أذهاننا من وقت لآخر "ماذا أريد حقاً؟" ونسأل أنفسنا، "ما الذي نسعى إليه؟" ما هو الشيء الذي إذا وصلنا إليه كفّ سعينا واشتهاؤنا لأي شيء آخر؟

كلّ ما نتمناه ونسعى إليه مجبول بتصور محدد للسعادة، حتّى وإنْ كنّا لا ندركه تماماً. وهذا التصور هو من أقدم المواضيع التي ناقشتها الحضارات على يدي فلاسفتها.

كيف نصل إلى السعادة القصوى؟

في الحضارة اليونانية القديمة، ارتبطت الغاية المثلى التي يسعى إليها الإنسان بـ"الفضيلة"، وقدم كل من أفلاطون وأرسطو رؤية مختلفة.

رأى أفلاطون أن الفضيلة هي "العدالة"، وبلور تصوره في كتابه الجمهورية، الذي حمل بداية عنوان عن العدالة، والذي يعتبر الكتاب الأشهر في تاريخ الفلسفة.

في هذا الكتاب ينقل أفلاطون عن لسان أستاذه سقراط أن العدالة هي أسمى الأشياء التي يمكن أن يسعى إليها الإنسان، من أجل ذاتها ومن أجل نتائجها.

وعدالة أفلاطون لم يكن يقصد بها المساواة، أو مفهومنا المعاصر للعدالة، وإنما قصد طاعة القوانين التي يصدرها الحكام الذين يجب أن يكونوا من الفلاسفة والحكماء دون سواهم.

أي أن أقصى ما يتمناه المرء بالنسبة لأفلاطون هو العيش في مدينة يحكمها الفلاسفة ويُحترم فيها قانونهم. وهكذا كان مفهوم أفلاطون للعدالة في دولته الفاضلة تقتضي أن يتولى كل فرد العمل الذي تؤهله له طبيعته الذهنية والجسدية.

أما أرسطو فقد وجد الفضيلة في المعرفة، ومن بين المعارف الموجودة في العالم حدد أرسطو علم السيادة أو علم السياسة كأسمى العلوم الموجودة في المعرفة.

فعلم السيادة بالنسبة للفيلسوف الملقب بالمعلم الأول، هو العلم الذي ينظم شؤون الناس في المدينة، وهي المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان، وفقاً لأرسطو، أن يحقق ذاته وكماله فيه.

فالجماعة السياسية لا تهدف لتوفير سبل المعيشة المادية لأعضائها فقط، بل تسعى لسعادتهم وفضيلتهم عن طريق تطبيق أهداف السيادة.

أقوال جاهزة

شارك غردالفضيلة والعدالة، أو الحرية والعودة إلى الطبيعة الأولى، بعض سبل الإنسان للسعادة

شارك غردمن تصورات السعادة في الإسلام: الحياة المديدة اليسيرة على الأرض، أو الأبدية في الجنة

بعد فلاسفة اليونان بقرون، جاء أوغسطينوس، الذي ولد في الجزائر ولقِّب بـ"القديس أوغسطين"، والذي يعتبر من أهم فلاسفة العصور الوسطى الذين تكلموا في موضوع الغاية العليا.

حدد أوغسطين الفضيلة بالإيمان والكمال الروحي. ففي كتابه الشهير مدينة الله، فرق أوغسطين بين عالَمين متوازيين، العالم الدنيوي والعالم الديني.

ووجد أن الإنسان في ظل هذا العالم المنقسم تتنازعه قوتان إحداهما دينية وهي مصدر سعادته، والأخرى دنيوية وهي مصدر تعاسته. وبالتالي يجب أن يسعى الإنسان للإيمان وأن يزهد في كل ما هو دنيوي.

الحياة السعيدة في عيون الفلاسفة المسلمين

لم يغفل المفكرون والفلاسفة العرب الإجابة عن هذا التساؤل، حيث اعتبروا السعادة نقيضاً للشقاء.

اندرجت السعادة في مفهومها الإسلامي في توجهات عدة، فكانت مثلاً تتحقق في ظروف الحياة اليسيرة (كما يصفها ابن حنبل في المسند)، أو في الحياة المديدة، أو في الامتناع عن الخضوع لمغريات الحياة ومفاتنها (كذلك عند ابن حنبل وفي سنن ابن داؤود)، أو في الحياة الأبدية في الجنة التي ينعم ساكنيها برضى الله.

بين القرنين الثالث والرابع الهجريين، قدم الفيلسوف محمد بن محمد بن طرخان الملقب بالفارابي تصوره عن الغاية القصوى، وكثرت مؤلفاته المعنية بموضوع سعادة الإنسان مثل آراء أهل المدينة الفاضلة وتحصيل السعادة، لذلك عُرف فيما بعد بـ"فيلسوف السعادة".

السعادة في نظره، كما ذكر في كتابه "السياسة المدنية" فهي "الخير على الإطلاق"، هي كل ما يساهم في إسعاد المرء وبلوغه سعادته هو خير لا لأجل ذاته بل لأجل نفعه في السعادة.

في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة، يبين الفارابي الفرق بين السعادة المادية، وهي في رأيه سعادة زائفة وزائلة، والسعادة الروحية وهي أن تصبح "نفس الإنسان من الكمال في الوجود إلى حيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة".

قدّم الطبيب والفيلسوف العربي محمد بن يحيى بن زكريا، الملقب بأبو بكر الرازي، تصوراً للغاية المثلى للإنسان في مؤلفه مقالة في إمارات الإقبال والدولة. فحدد العلم والعدالة كمحددين أساسيين لتحقيق سعادة الإنسان، وبالتالي يجب أن يسعى إليهما الإنسان بشكل متواز.

أما أحمد ابن يعقوب، الملقب بمسكويه، فانطلق من فرضية أن البشر مختلفين وبالتالي يجب أن يسير كل انسان في طريق سعادته الخاصة وذلك بإيصال شخصيته لحالة سمّاها "الكمال الخلقي".

مسكويه حدد في كتابه "تهذيب الأخلاق" أن الإنسان سيصل بتهذيبه لنفسه للغاية القصوى وهي في رأيه تحقيق الإطمئنان لقلبه والإقتراب من الإله.

من جانب آخر وضع مؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، في مقدمته الشهيرة فصلاً كاملاً سماه "في ابطال الفلسفة وفساد منتحلها"، انتقد فيه آراء أرسطو ومن اتبعوا فكره من فلاسفة الإسلام.

فانتقد ابن خلدون فكرة استقلال الفرد بتهذيب نفسه وإصلاح خلقه وقال أن وصول الانسان إلى الأخلاق لا ينبغي أن يكون في حد ذاته غاية، فالسعادة التي وعد الله بها نتيجة امتثال المرء لما أُمر به من الأعمال والأخلاق هي سعادة تفوق إدراك الفلاسفة وتفوق "إدراك المدركين".

هل الحرية والعدالة مصدر للسعادة؟

جاء عصر التنوير بآراء جديدة من أهمها آراء مفكر الثورة الفرنسية جان جاك روسو الذي شرح في مقالته "إميل" كيف كان الإنسان أكثر سعادة في حالة الطبيعة الأولى حين كانت الحرية هي مركز سعادة البشر.

فإذا كانت أفكار الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو الذي بنى روسو فلسفته عليها تذكر أن حرية الفرد تنتهي عند حرية الآخرين، فحالة الطبيعة الأولى التي تخيلها روسو كان فيها الفرد أكثر حرية نظراً لقلة اعتماده على غيره وبالتالي كان الإنسان أكثر سعادة.

وأدرك روسو استحالة العودة العملية لحالة الطبيعة الأولى نظراً للحاجات البشرية التي ولَّدتها الحياة المدنية الحديثة والتي جعلت الأفراد أكثر اعتماداً على بعضهم البعض، بما لا يترك مجالاً أنْ ترجع حرية الإنسان على إطلاقها كما كانت.

الحل الممكن بالنسبة لروسو هو أن يتنازل كل فرد عن جزء من حريته المطلقة في سبيل إيجاد دولة تحمي له الجزء المتبقي من حريته. وهكذا تكون أقصى سعادة يحققها الفرد ممكنة فقط في ظل الدولة التي تحترم حرية الأفراد ويحترمها الأفراد، ولذلك قال روسو عن الدولة "شر لابد منه".

على عكس أوغسطين رأى كارل ماركس ضرورة إلغاء الدين على إعتباره عائقاً في سبيل سعادة الجنس البشري الذي لن يصل لمبتغاه سوى بتطبيق الشيوعية. 

شيوعية ماركس هي المرحلة التاريخية الأخيرة ضمن خمس مراحل لتطور التاريخ العالمي.

أولى تلك المراحل، في نظر ماركس، هي الشيوعية الأولى أو الحالة البدائية التي كانت الملكية فيها مشاع بين الجميع. وكان الوضع كذلك نظراً لوجود وفرة في الموارد بالمقارنة مع حاجات الأفراد المحدودة.

بينما المرحلة الثانية هي مرحلة العبودية التي تظهر فيها فكرة الملكية الخاصة ويتبع ذلك ظهور طبقة من النبلاء تمتلك العبيد، وبالتالي فإن الملكية الخاصة ساهمت في ظهور طبقة من العبيد.

يلي ذلك مرحلة ظهور الطبقة البرجوازية التي تتصارع مع طبقة النبلاء وتنتصر في النهاية، وبذلك تبدأ المرحلة الرابعة، وهي مرحلة الرأسمالية.

إلا أنّ الرأسمالية تحمل بذور فنائها لأنها تفرض ظهور طبقة البروليتارية الكادحة، وهي الطبقة التي ستنتصر في النهاية وفقاً لأفكار ماركس، ومعها سيعود النظام الشيوعي مجدداً، وبه سيتحقق العدل والسعادة للجميع.

التعليقات

المقال التالي