عن العلاقة القوية التي جمعت الجنون والسلطة في التاريخ الإسلامي

عن العلاقة القوية التي جمعت الجنون والسلطة في التاريخ الإسلامي

لطالما اعتاد المؤرخون في كتاباتهم، أن يصفوا السلطة بكونها تؤد بالضرورة إلى نوع من أنواع الخبل وضرب من ضروب الجنون.

القراءة المتأنية لأحداث التاريخ الإسلامي، تبين أن توصيف المؤرخين لم يكن في أغلبه مبالغة جوفاء أو تضخيماً ليس له مبرر، ذلك أن المصادر التاريخية تحدثنا عن ملوك قتلوا أبناءهم وعن أمراء فتكوا بآبائهم.

وكذلك عن حكام لم يتورعوا قطّ عن ذبح أقرب الناس إليهم في سبيل الوصول للنفوذ والسلطة أو للحفاظ عليهما.

يتحدّث هذا المقال عن نوع أخر من أنواع الجنون المرتبط بالسلطة.

ليس الناشئ عن حب الذات والنرجسية والحكم، بل الجنون الحقيقي الذي يصيب الإنسان فيجعل منه مخلوقاً مختلفاً لا يستطيع التفكير بالطرق التقليدية، أو اتخاذ القرار السليم، بالمعايير الاجتماعية المتعارف عليها.

عندما يُستخدم الجنون للتقرب من السلطة

في بعض الأحيان، نجد أنه قد تم استخدام الجنون كوسيلة تقرب بعض الجهات من أهدافها في الاستحواذ على السلطة والحكم، أحد أهم الأمثلة على ذلك تتمثل فيما قام به محمد بن تومرت، مهدي المغرب الأقصى في بدايات القرن السادس الهجري.

القائد الموحدي ابن تومرت

محمد-بن-تومرت

القائد الروحي الذي ادّعى المهدية، أراد أن يثبتها بواسطة بعض المعجزات والكرامات، التي أراد بها أنْ يقرب الناس من دعوته، وفي الوقت ذاته من القضاء على منافسيه ومناوئيه.

ويذكر ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان، أحد تلك الكرامات التي ادعاها ابن تومرت، والتي استخدم فيها الجنون كحجر للزاوية.

والخبر يقول بأنّ ابن تومرت أثناء عودته إلى وطنه في السوس الأقصى قد قابل أبا محمد البشير في قرية تُدعى وانشريش، فوجده شاباً جميلاً فصيحاً، واستطاع ابن تومرت أن يقنع البشير بأفكاره، حتى صار الأخير طوع أمره.

عندها طلب ابن تومرت منه أن يُظهر العجز والخبال والجهل، وظل البشير على هذا الحال حتى وصل ابن تومرت إلى وطنه في السوس الأقصى وأظهر دعوته وبايعه الناس، فعند ذلك طلب ابن تومرت من البشير أن يرجع إلى حاله الطبيعي وأن يظهر فصاحته وعلمه مرة واحدة، حتى يكون في هذا دليل على صحة ادعاء ابن تومرت للمهدية وبرهان على صدقه.

ثم قام المهدي بعد ذلك بالإعلان بأن البشير –الذي شفاه الله بقدرته وألهمه القدرة على التمييز والتفرقة- سوف يقوم بعملية التمييز بين أنصار الدعوة، وأنه (أي البشير) سوف يميز أتباعه الصادقين في إتباعهم وإيمانهم بالمهدي، من المنافقين الذين يضمرون في قلوبهم كره المهدي وإن كانوا يُظهرون عكس ذلك.

وبالفعل تم تنفيذ تلك العملية، حيث يذكر محمد عبد الله عنان في كتابه دولة الإسلام في الأندلس، أن البشير كانت تُعرض عليه القبائل (فيجعل بعضهم على يمينه ويسميهم بأهل الجنة و يجعل أناس آخرين على يساره ويسميهم أهل النار).

واستغرقت عملية التمييز 40 يوماً، وشملت جميع القبائل التابعة لابن تومرت، وقُتل في تلك العملية عدد كبير من الأتباع الذين كان ابن تومرت يشك في صدق إيمانهم به، ويذكر المؤرخ إبراهيم حركات في كتابه المغرب عبر التاريخ، أن عدد القتلى في عملية التمييز قد وصل إلى ما يقرب من70 ألف شخص.

الجنون عندما يُبعد عن السلطة

عددٌ من سلاطين وحكام الدول الإسلامية، تم عزلهم من مناصبهم بسبب ما أشيع عن جنونهم و"خلل" في محاكمتهم العقلية، وذلك لأن كتب الفقه الإسلامي اشترطت أن يكون العقل أحد المؤهلات والشروط اللازم توافرها في شخص الحاكم، كما أنه لم يكن من المنطقي أن يقنع الناس بأن يتملك عليهم من يشكون في عقله وتفكيره.

السلطان المملوكي يلباي

ونستطيع أن نجد عدداً من الأمثلة الواضحة على ذلك، ففي الدولة المملوكية التي عُرف سلاطينها بالقوة والفتوة، تطالعنا المصادر التاريخية على قصة السلطان المملوكي سيف الدين يلباي، والذي اشتهر باسم يلباي المجنون.

تولى يلباي الحكم في عام 1467م، وكان عمره وقتها يزيد عن السبعين عاماً، ولكن بعد 55 يوماً فحسب من وصوله لسدة السلطنة تم عزله وزج به في السجن، وكان السبب في ذلك هو جنونه.

حيث قال عنه ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة في تاريخ مصر والقاهرة، أنه بعد أن تولى الحكم "غطاه المنصب وصار كالمذهول، ولزم السكات وعدم الكلام". 

أقوال جاهزة

شارك غردتذخر كتب التاريخ بقصص الصراع على السلطة، ولكننّا قلما نسمع عمن أصابهم الجنون من ثقلها ورهبتها.

شارك غرد قصة ابن الهيثم والحاكم الفاطمي الحاكم بأمر الله، عندما يكون الجنون الملاذ الأخير للنجاة.

السلطان العثماني "دلي" أو المجنون

I_Mustafa

الدولة العثمانية التي كانت معاصرة للمماليك، اشتهرت هي الأخرى بإثنين من سلاطينها الذين أصيبوا بالجنون والخبل.

أولهما كان السلطان العثماني مصطفى الأول، الذي عُرف بـ"دلي" والتي تعني المختل أو المجنون.

اعتلى مصطفى عرش السلطنة لفترتين، المرة الأولى كانت في أواخر عام 1617م، ولم تمتد لأكثر من ثلاثة أشهر، وذلك عندما تم عزله بعدما اكْتُشِف أمر اصابته بالصرع.

ولكن قادة الإنكشارية الذين راق لهم تنصيب سلطان عاجز ليتحكموا بشكل كامل في أمور الدولة، نصبوه مرة أخرى كسلطان في عام 1622م، بعدما قتلوا ابن أخيه السلطان عثمان الثاني.

وقد بقي مصطفى في الحكم في ولايته الثانية ما يقارب العام ونصف العام، ويُحكى عنه، أنه كان يسير في طرقات القصر وحيداً وكان يتخيل وجود أشخاص ويتكلم معهم بصوت مرتفع.

وبعد أنْ ذاعَ خبر جنونه بين العلماء والعامة، ضجّ الناس بالشكوى من سلطنته، وتم استصدار أمر من شيخ الإسلام بعزله، فتم خلعه للمرة الثانية، ومكث في أحد القصور حتى توفي في عام 1639م وحيداً شريداً منعزلاً.

السلطان العثماني مراد الخامس

السلطان-العثماني-مراد-الخامس

القصة الثانية من التاريخ العثماني، هي السلطان والخليفة مراد الخامس، والذي تولى حكم الدولة العثمانية في عام 1876م، ولم تطل فترة حكمه عن 93 يوماً.

فمن المعروف أنه وأثناء فترة حكمه قد تعرض لصدمة نفسية كبيرة، مما أدى لميله للجنون.

يقول الكاتب محمد أبو عزة في كتابه عصر السلطان عبد الحميد، أنه بعد أن تولى مراد الحكم "طرأ عليه اختلال في قواه العقلية"، مما أدى لعزله وتنصيب أخاه عبد الحميد بدلاً منه.

الجنون والفرار من بطش السلطة

لم يكن الجنون وسيلة للتقريب من السلطة، أو للإبعاد عنها فحسب، بل أنه كان في الكثير من الأحيان وسيلة ناجعة للهروب من بطش أصحابها.

هشام-بن-عبد-الملك هشام بن عبد الملك

من ذلك ما ذُكر عن قصة جابر بن يزيد الجعفي وهشام بن عبد الملك الذي تولى الخلافة في الفترة ما بين 105-125هـ، وكان أخر الخلفاء الأقوياء في دولة بني أمية. 

الإمام الباقر ونصيحته بادعاء الجنون

وقد انتهج هشام نهج آبائه في التعامل الحازم مع أبناء البيت الهاشمي، وكانت علاقته بالإمام محمد الباقر علاقة متوترة تقوم على الشك والارتياب والخوف من قيام ثورة شيعية ضده.

وبحسب ما أورده ابن شهر آشوب المازندراني، في كتابه مناقب آل أبي طالب، فإن هشام بن عبد الملك قد أصدر أوامره لوالي المدينة بقتل جابر بن يزيد الجعفي، والذي كان من أعظم أصحاب الإمام الباقر.

وجاء ذلك في محاولة لإضعاف قوة أنصار وأتباع آل البيت والشيعة.

وعندما عرف الإمام الباقر بنية الخليفة الأموي، أسرع بكتابة رسالة إلى جابر، وأمره فيها بأن يُظهر جنونه أمام العامة، وأن يبدو أمام الناس كالمجذوب الذي ذهب عقله واختلط الأمر عليه، وذلك حتى لا يتم انفاذ الحكم عليه.

وبالفعل أطاع جابر أمر إمامه ونجا من القتل بعدما وجد والي المدينة أنه من الحماقة أن يقوم بقتل شخص مجنون.

الحاكم الفاطمي وابن الهيثم

Ibn_al-Haytham1

العالم المسلم الحسن بن الهيثم البصري، له قصة قريبة من القصة السابقة، فقد تواترت الأخبار أثناء اقامته في العراق بإعلانه قدرته على إقامة مشروع هندسي على النيل، بحيث يتم تنظيم الفيضانات، وتستفيد البلاد المصرية من المياه الزائدة لاستخدامها والانتفاع بها في أوقات الشدة والجدب.

وبحسب المؤرخ ابن العبري في كتابه تاريخ مختصر الدول، فقد ذاع عنه قوله "لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملاً يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص".

Al-Hakim_bi-Amr_Allah الحاكم بأمر الله

وعندما وصلت تلك الجملة إلى مسامع الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، سارع إلى استدعاء ابن الهيثم إلى مصر، وبعد فترة وصل ابن الهيثم إلى القاهرة.

الخليفة الفاطمي الذي كان على ثقة في قدرة ابن الهيثم على انجاز مشروعه، قام بإكرامه وأغدق عليه الأموال ووفر له ما يلزمه، وطلب منه أن ينفذ ما وعد به.

وبالفعل توجه ابن الهيثم إلى أسوان حيث درس فكرة إقامة سد مثل سد أسوان الحالي، ولكنه اصطدم بحقيقة صعوبة الموضوع وأدرك أنه لنْ يتمكن من تنفيذه.

واعتذر ابن الهيثم من الحاكم بأمر الله، وتقبل الثاني الاعتذار على مضض، وعيّن الأول في بعض الدواوين.

ولكن ابن الهيثم الذي كان يعرف طيش الحاكم ونزقه، لم يكن يريد الاستمرار في تلك الوظيفة لأنه كان يخشى من الاقتراب من الحاكم.

وفي نفس الوقت لم يكن قادراً على مغادرة البلاد، ولذلك لم يجد حلاً غير ادعاء الجنون والخبل، فقام الخليفة بعزله من وظيفته ومصادرة أمواله وفرض عليه الاقامة الإجبارية في منزله في عام 401 هـ.

بقي ابن الهيثم سجين بيته لمدة عشر سنوات كاملة، حيث لم يستطع أن يخرج من منزله إلا في عام 411 هـ، وذلك عندما توفى الحاكم، وهي الفترة التي استغلها سراً في كتابة وتأليف عدد من أهم كتبه التي عُرف بها فيما بعد.

المراجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب المازندراني؛ وفيات الأعيان لابن خلكان؛ تاريخ مختصر الدول ابن العبري؛ النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة لابن تغري بردي؛ دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان؛ المغرب عبر التاريخ لإبراهيم حركات؛ عصر السلطان عبد الحميد لمحمد أبو عزة.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي