الكتاتيب، من عصر الفلكة إلى الإنترنت

الكتاتيب، من عصر الفلكة إلى الإنترنت

إذا أراد أحدنا تعلّم القرآن اليوم، يمكن أن نزور من حاسوبنا، أحد الكُتَّاب على صفحات الإنترنت، لدروس في التجويد وتحفيظ القرآن واللغة العربية وقواعدها وغيرها من الخدمات المجانية.

ولكن ماذا عن المشهد التقليدي لكتاتيب تحفيظ القرآن، حيث نتوقع أن نجد شيخاً جالساً في غرفة صغيرة أو تحت أحد أعمدة المسجد، أو في الهواء الطلق، وحوله أطفال صغار؛ في يده اليمنى المصحف وفي اليسرى "الفلكة"؟

الكتّاب هو دون شك من أقدم حلقات التعليم الأولي في العالم الإسلامي.

كان واسع الانتشار، وكانت له أسماء مختلفة، ففي أيّام الحكم العثماني، كان يدعى "مكتبة خانه"، أو "ṣi̊byān mektebi"، ثم أصبح يسمّى "ibtidāʾī mekteb".

وأما المعلم، صار يدعى لاحقاً "المؤدّب" في البلاد العربية، و"خوجه" في تركيا، و"مكتبدار" في إيران، و"مُلة" في آسيا الوسطى، و"ملَّم" في نيجيريا.

كان يُصرف على الكتاتيب من أموال الوقف، أو من تبرعات أهل الأطفال، الذين كانوا يؤمنون راتب المعلم (أحياناً كنقود وأخرى كطعام). وعرف عن الأسر الميسورة تأمين كتّاب خاصّ لأبنائها.

وتكثر قصص الشيوخ الذين تبرعوا بوقتهم دون مقابل في تدريس الكتاتيب، أو الذين لم يكونوا يتحصلون على ما يكفي مقابل وقتهم وجهدهم، وفي نيجيريا، كان يرسل الشيوخ طلاب الكتّاب لطلب التبرعات، كما كان طلاب الكتّاب يخدمون المعلمين، خاصة في إفريقيا وإيران.

ويحكى عن شيخ من أهل مدينة فاس في المغرب، هو أبو عبد الله التاودي (تـ 580هـ)، أنه كان يأخذ الأجر من أولاد الأغنياء، فيردُّه على أولاد الفقراء، بحسب مقالة "الكتاتيب في الحضارة الإسلامية" عن كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.

وكان الأمراء والخلفاء يحترمون المعلمين والمؤدبين، ويأخذون بآرائهم؛ ويقال بأن هارون الرشيد طلب مالك بن أنس ليعلّم ولديه الأمين والمأمون، فرفض.

وقال: "إن العلم يُؤتى، لا يأتي"، فقرر هارون أن يرسلهما ليتعلما على يديه، فقبل مالك، شريطة أنْ "لا يتخطيا رقاب الناس"، وأنْ يجلسا "حيث ينتهي بهما المجلس"، أيْ أن يكونا مثلهما مثل بقية طلاب الكتّاب.

أقوال جاهزة

شارك غردالكتاتيب التي كانت الشكل السائد للتعليم في العالم الإسلامي لقرون، انتقلت إلى عالم الإنترنت بشكل معاصر.

شارك غردلا تزال تلعب الكتاتيب الإلكترونية دورها التقليدي القديم في تعليم اللغة العربية الفصحى وقواعدها

kuttab

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تولى عدد من المحفظين مناصب مرموقة في الدولة، وكثير من شخصيات تاريخنا، بدأت كطلاب في الكتّاب، أو كمعلمين.

من بينهم الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان معلماً للأطفال في الطائف، وانتهى بمنصب كبير قادة عبد الملك بن مروان.

الكتاتيب اليوم

وفى القرن العشرين كان طفل الكتاب يحفظ بجانب مبادئ القراءة والكتابة والحساب، بعض متون الفقه والنحو والبلاغة، وكانت ذلك تدريب لابد منه قبل الالتحاق بالأزهر.

يحكى بأن محفظ القرية في مصر كان يحصل على هدية سخيّة من والد الطفل الذي يختم القرآن الكريم. ولم يكن دور المعلم يقتصر على تحفيظ الأطفال القرآن، بل كان يعلمهم الفنون أيضاً.

فقد ذكر الأديب المصري طه حسين، فى كتابه الأيام الذي سطر فيه قصة حياته، أن: "سيدنا (محفظ القرية) كان إنساناً كفيفاً يخدم نفسه... ولكن ذلك لم يمنعه من أن يعتمد في طريقه إلى الكتاب وإلى البيت على اثنين من تلاميذه في الطريق".

ويضيف، "وكان سيدنا يتخير من تلاميذه لهذه المهمة أنجبهم وأحسنهم صوتاً، وذلك أنه كان يحب الغناء، وكان يحب أن يعلم تلاميذه الغناء".

استمرت الكتاتيب بدورها الهام لعصور، ولكن في القرن الماضي، في مصر، بدأ دورها ينحسر، خاصة أن التمويل الحكومي صبّ في دعم حضانات رياض الأطفال بدلاً منها، وجفت منابع أموال الوقف التى كانت تنفق عليها.

وبعد أن كان الأزهر في الماضي، يريد أن يجعل الكتاتيب إلزامية قبل المرحلة التعليمية، بالنسبة للأطفال الذين ‏يرغب ذووهم في إلحاقهم بالتعليم الأزهري، عدل عن هذه الفكرة وعمم عام 2016 مرحلة رياض الأطفال بكافة المعاهد التابعة له، وأعدّ المناهج الدراسية الخاصة بهذه المرحلة.

وتولت هذه الحضانات عمليه تعليم الصغار مبادئ القراءة والكتابة للغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب تكثيف أنشطة الرسم والغناء وزراعة النباتات.

ولجأت بعض الحضانات ذات الطابع الإسلامي إلى تحفيظ الأطفال السور القصيرة، وفي المقابل رفعت الدولة يديها عن الكتاتيب، وأصبح يتولى أمورها أشخاص وجهات خاصة.

كتاتيب الإنترنت

مع توسعّ الخدمات التي أمنتها الإنترنت، عادت اليوم الكتاتيب عبر شبكة الإنترنت إلى وظيفتها التقليدية، حيث تقوم بنفس الدور القديم عن بعد، من ترتيل القرآن، وتعليم وشرح اللغة العربية للعرب ولغير الناطقين بها.

كما أنّ الكتّاب لم يعد يقتصر على الأطفال فقط بل بدأ ينضم لدروسه كبار السن، رجالاً ونساءً.

يعتبر البعض ظاهرة الكتاتيب الإلكترونية هذه التى انتشرت في مصر والعديد من الدول العربية وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، نوعاً جديداً للتعليم الديني.

فيما أعرب آخرون عن تخوفهم من أن يكون وسيلة في أيدي الجماعات المتطرفة لتجنيد المسلمين.

وربما التخوف الأكبر يخصّ طريقة التعليم، وحصر الاهتمام بالقرآن الكريم إلى مجرد حفظه وترتيله على حساب دراسته المتأنية، والتعمق في التفاسير والشروح.

قال أحمد هاشم، صاحب مدرسة "كُتّاب أون لاين" في مصر، إن فكرة الكتّاب تقوم على تقديم دروس حية في تحفيظ القرآن الكريم للأطفال والكبار وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، فى أي مكان في العالم.

فضلاً عن تعليم قواعد التجويد والتلاوة الصحيحة، وذلك من خلال غرفة دردشة على شبكة الإنترنت، تمكن المحفظ أو المعلم من الاستعانة بالصور والفيديوهات أثناء إلقاء الدرس.

وأشار هاشم الذي بدأ مشروعه منذ ثلاث سنوات بتمويل ذاتي، إلى أنّ عمله في مجال الكمبيوتر والتدريب التكنولوجي ساعده في تصميم موقع الكتاب.

واستعان بمحفظين من حملة القرآن وخريجي الأزهر الذين يتحدثون لغات أخرى بجانب العربية، لتدريس طلاب من الولايات المتحدة وكندا والكويت والسعودية وإيرلندا والإمارات.

وعن أبرز ما يميز الكُتّاب الإلكتروني عن نظيره التقليدي، أوضح هاشم لـرصيف22، أن النوع الأول يعمل على مدار 24 ساعة ويتناسب مع جميع الأعمار السنية والأجناس، ويمكن أن يستعين به المسلمون في الدولة الأجنبية لصعوبة وجود مدارس إسلامية في هذه البلاد.

كذلك، أضاف هاشم، أن الكتّاب الإلكتروني مفيد لكبار السن الذين يرغبون فى تعلم التجويد ولا يقدرون على التحرك والذهاب إلى المسجد، فضلاً عن كونه أكثر أماناً بحيث يدرس الطلاب صغار السن أمام والديهم وتحت أعينهم، هذا بجانب توفير الجهد والمال. 

أكد هاشم أيضاً أنه في بداية إنشاء الكتاب الإلكتروني عام 2014 كان أول مدرسة فى الشرق الأوسط، وما ظهر قبل ذلك كان مجرد محاولات فردية لم تكتمل.

وذكر أن مدرسته تشرح الدروس باللغة العربية والإنجليزية والروسية ومستقبلا سيدخل الفرنسية للوصول إلى أكبر قطاع من المسلمين في البلاد الأجنبية.

وفى تعليقه على هذه الظاهرة، قال الدكتور ماهر جبر، مدير عام مكتبة المخطوطات الأثرية بوزارة الأوقاف المصرية، إن الكتاتيب الإلكترونية عبر الإنترنت تعتبر أحد وسائل الاتصال التى تجسد التعامل مع الواقع ومستجداته بما يتناسب ويؤثر في المدعوين.

ذلك لأن النظرة إلى الحياة قد اختلفت وطرق التواصل تطورت ولم تعد مقصورة على الاتصال الشفوي القائم على حضور الدروس، والوقوف عند حد الخطبة والدرس الديني.

ولفت إلى أن هذه الكتاتيب صورة من صور التعليم الديني العصري، وحاجة عامة للمدعوين فى جميع أنحاء العالم تخدم من يريد أن يتعلّم، خاصة في الدولة الأجنبية التى يقل فيها التواجد الإسلامي الرسمي.

كما أنها أصبحت عنصراً لازماً للحفاظ على مقومات اللغة العربية، وشدد جبر على ضرورة توافر ضوابط شرعية في هذا النوع من الكتاتيب، وأن تكون هذه النماذج تحت إشراف أهل التخصص.

ومن جانبه قال محمد عبده الشرقاوي، أحد أصحاب الكتاتيب التقليدية فى مصر، إن الكتاتيب الإلكترونية سلاح ذو حدين، فهي وسيلة جيدة من ناحية أنها تعلم المسلمين في الدول الأوروبية لقلة علماء الدين في هذه الدول.

ولكنه أعرب عن تخوفه من أن تستغل الجماعات المتطرفة هذه الكتاتيب لتجنيد المسلمين فى الغرب، "هذه الكتاتيب تعمل فى الظلام لا أحد يعرف عنها شيء". كما يقول، "بالتالي أي كلام يقوله الشيخ سيثق فيه الطالب حتى وإن كان غير صحيح أو غير متوافق مع صحيح الدين".

ولكن يبقى التساؤل الأهم عن الهدف من حضور الكتاتيب، حيث ابتعدت عن دورها التقليدي كمصدر التعليم الأساسي، وغدت متخصصة بشؤون تعليم الدين واللغة، فهل يكفي ما تقدّمه؟ أم أنّها تؤثر على فرص تعليم أكثر تعمّقاً في القرآن وعلومه؟

التعليقات

المقال التالي