مديح العذراء والمسيح: تراث شعبي مصري

مديح العذراء والمسيح: تراث شعبي مصري

اشتهر المصريون بحبهم لقصائد المديح التي تكرّم نبي الإسلام وآل البيت، ولهفتهم لحضور حلقات المديح لكبار المنشدين في الموالد والمناسبات الدينية المختلفة.

لكن لم يشتهر جزء هام من التراث الشعبي المصري الشفهي وهو الفلكلور القبطي، فلا يعرف الكثيرون أن المسيحيين في مصر يمارسون أيضاً المديح في قصائد يهيمون بها حباً في السيدة العذراء والمسيح عليه السلام.

وبالرغم من اهتمام الباحثين المصريين بجمع التراث الشفهي بالكامل وطباعته في محاولات للحفاظ على التراث الشعبي، إلا انّ محاولات جمع الفلكور القبطي مازالت محدودة.

وتواجه الثقافة الشعبية للأقباط إهمالاً واضحاً، رغم أنها تحمل تراثاً قديماً وثميناً من تاريخ مصر.

كما هو حال الفلكور الشعبي في غالبية مجتعات اليوم، الفلكلور القبطي لا يلق شعبية وتداولاً بين المسيحيين أنفسهم من جيل الشباب، ومن هنا أهمية تسليط الضوء عليه.

طقوس المديح

يتخذ مديح العذراء والمسيح أشكالاً مختلفة في مصر، حيث يمارسه الأقباط ليس فقط في الموالد التي تحتفي بالعذراء، بل داخل الأديرة والكنائس أيضاً.

14322212_1254612444551102_327601860322111725_n

بجتمع عددٌ من النساء داخل الأديرة والكنائس يجلسن معاً، تقودهن سيدة كبيرة السن "عجوز"، وتقوم بدور المدّاح وتبدأ بمديح العذراء والمسيح بقصائد ومواويل وأغاني شعبية، من أشهرها:

ياليلة بيضة ونهار سلطاني
مدحك يامريم يخزي الشيطاني

ومعنى هذة الكلمات أن الغناء للعذراء مريم بمنع الشيطان من القيم بأعماله الشريرة ويحجّمه.

وفي مشهد آخر، يقوم المسيحيون بمديح العذراء في الموالد، ومن أشهر تلك الموالد مولد العذراء بـ"درنكه أسيوط" حيث يحتفل الأقباط بمولد السيدة العذراء، وقدومها مع السيد المسيح حينما كان طفلاً إلى مصر ووصلها إلى الصعيد تحديداً.

13903220_1224151764263837_1371077807327976851_n

ويحتفل المسيحيون به كل عام في شهر آب/أغسطس، ومن مظاهر الاحتفال به حضور حلقة المديح حيث يلتفون في وسط سرداق كبير، يقف على مسرحه مكرم المنياوي، ويغني قائلاً:

العدراء نايمة وملاك الرب بشرها
قال لها مريم ستحبلين وتلدين ابنا

قالت أنا أحمل إزاى وأنا بكر وعروسة
وعرضي زي الحرير ولا يدخلوش سوسة

يا بهية المنظر
ووديعة فى المظهر
يا مريم يا شريفة يا تقية

يعد مكرم المنياوي أشهر المداحين الأقباط المتواجدين على ساحة الإنشاد الديني المسيحي والإسلامي في مصر بل يعتبره الكثيرون أنه مدرسة خاصة بالإنشاد.

مكرم-المنياوي
مكرم المنياوي

اسمه الحقيقي مكرم ميخائيل وشهرته "مكرم المنياوي" ولد بقرية بني أحمد في محافظه المنيا، في صعيد مصر عام 1952. وهي قرية معظم سكانها من المسيحيين.

بدأ المنياوي مزاولة المديح في سن السابعة عشر من عمره، بجانب الأغاني والمواويل الشعبية ولم يكتف بمدح العذراء والمسيح بل أيضاً مدح نبي الإسلام.

وبجانب غنائه يعزف المنياوى أيضاً على الربابة مووايل يقوم بتأليفها في مدح العذراء ومن أشهر المواويل التي كتبها وغناها على ربابته:

الشمس وياالبدر بتعطى حرارة ونور
وأنت كلك عطور

أنت حزتي كل الجمال والشكل والدلال
وصورتك فى أعلى كمال

45440

وبحسب الكاتب روبير الفارس، مؤلف كتاب في الفلكلور القبطي، إن المنياوي يعد عازف الربابة المسيحي الوحيد المتبقي الذي يمارس مديح العذراء.

ومع ذلك يؤكد الفارس أن مديح العذراء طقس نسائي أكثر، حيث تمارسه النساء المسنات ويحفظن قصائد وأغاني المديح.

يختلف المديح عند الأقباط عنه عند المسلمين في طقوسه، حيث يمدح المسلمون نبي الإسلام محمد وآل بيته بشكل أوسع من الأقباط كما يقتصر المديح عند المسلمين على المنشدين الرجال فقط دون النساء عكس الأقباط.

كما يمدح المسيحيون العذراء في مشهد ثالث شهير بالموالد التي تقام للعذراء، حيث يعتلي فريقان المسرح لعرض "ديالوج" غنائي، يرد فيه الفريق الذي يمثل المسيحيين على اتهامات الفريق الأول الذي يمثّل قومها، قائلين:

اخرسي يا عدواة
العدراء طهارة
حلت عليها
من السما
قوة

كما ينشد المسيحيون لظهور العذراء، حيث يعد من الأشياء التي يقدسونها ويتباركون بها:

نورك بان ياعدرا
ع الصلبان
يا عدرا
نورك فج
يا عدرا 

هناك العديد من المواويل والأغانى الشعبية التي تتردد في الموالد وتهدف إلى تقديم رسالة أخلاقية واضحة للمسيحيين كالتي تحثهم على الصبر:

عليها حمامة قبتك ياعدراء
والحمامة تقول ياما الصبر ياما

عليها غريب يا قبتك يا عدراء
والغريب يقول ياما الصبر طيب

ومن الأغاني والتراتيل التراثية التى يرددها المسيحيون حباً بالسيدة مريم:

أحمر يا بلح
أصفر يا ليمون
وسباني حبك
يا فخر الرتب
موسى راءك يا مريم
عجب من عجب
والصلبان تضوي يا مريم
والأكاليل دهب

الكنيسة والفلكلور القبطي

بالرغم من أن قصائد ومواويل وأغاني المديح تعد جزءاً هاماً وكبيراً من الفلكلور المصري الذي ارتبطت به العامة من المصريين ورددته وتوراثته الأجيال إلا أن الكنيسة المصرية تسعى للتخلص من ذلك الفلكور ولا تقدّم دعمها له.

يري الكاتب روبير الفارس أن الكنيسة تحارب وجود ذلك النوع من الفلكلور حيث تعتبره غير رسمي، لأنه شعبي وخارج عن سيطرتها.

فتعترض الكنيسة على بعض ما يردده المسيحيون في الفلكلور من قصص وروايات تُسرَدُ بشكل شعبي، وتعتبرها غير صحيحة.

مردّ ذلك أنّ الكنيسة المصرية تريد أن تمثّل الهوية المسيحية، وتريد لكل مظاهر حياتهم أن تكون تحت إشرافها وبشكل رسمي.

كما أنّ الكنيسة حوّلت التراث الشعبي إلى ترانيم تؤطرها النصوص المقدسة، وفيما عدا ذلك من قصص الأساطير بقيت خطوطاً حمراء ممنوع تخطيها.

وعن سبب عدم تداول ذلك المديح بين المسيحيين بما يضمن استمراره، يقول الفارس لـ رصيف22:

"إنّ ذلك الفن يحمله المسنون من المسيحيين وهم يغادرون الحياة دون أن يورثوه للجيل الجديد من المسيحيين نظراً لمحاربة الكنيسة لوجوده، وذلك يؤثر سلباً على الفلكور المصري عموماً".

14107687_1235532046459142_9024083275810298389_o

إن لم تعتمد المؤسسات الرسمية مهمة الحفاظ على التراث، يقول الفارس أنه يجب عليها أنْ تكفّ أيديها عنه، بدلاً من "أنْ يتدخلوا به أو أنْ يحاربوه".

وبالرغم من أن سلسلة الدراسات الشعبية تقوم بدورها بطبع الأعمال التي تعرض الفلكلور القبطي إلا أنها محاولات معدودة لجمعه من قبل الكتاب. 

إن المحافظة على التراث مهمة كل الأطراف الرسمية والشعبية، وعلى الكلّ أن يساهم في حمايته.

التراث الشعبي المسيحي وما يحمله من أمثال شعبية ومواويل وأغاني شعبية هو كنز من كنوز التراث المصري، الذي عبّر لعصور عن روح المصريين ومعتقداتهم دون تكلّف، فهل يجد من يتمسّك به وينقذه من الاندثار؟

التعليقات

المقال التالي