هل تحل الفانتازيا محل الدراما التاريخية في رمضان؟

هل تحل الفانتازيا محل الدراما التاريخية في رمضان؟

بدأت معظم القنوات الفضائية في عرض الإعلانات الترويجية والتشويقية الخاصة بالأعمال الدرامية التي ستذاع على شاشاتها خلال الشهر الكريم.

السمة اللافتة للنظر هذا العام، أن الدراما التاريخية والدينية والتي لطالما كانت ضيفاً دائم الحضور على مائدة المجال الدرامي الرمضاني في الأعوام السابقة، تكاد لا يكون لها أي تواجد هذا العام، حيث خسرت مكانها لصالح أعمال الفانتازيا والمغامرات الأسطورية.

ما هي الفانتازيا؟

مصطلح فانتازيا مقتبس من اللفظة الإنجليزية Fantastic والتي تعني الشيء الخيالي الخرافي، ولا نستطيع أن نجد تعريفاً واضحاً ومحدداً للفانتازيا الأدبية والإبداعية، ولكن يمكن أن نعتبرها نوعاً من أنواع تناول الواقع العملي الحياتي من خلال رؤية غير مألوفة٬ أو غير منطقية، ومن ذلك الاعتماد على السحر والخيال وغير ذلك من الأشياء الخارقة للطبيعة كعنصر أساس في الحبكة الأدبية للقصة.

من الجوارح إلى العهد

مرت الفانتازيا العربية بمراحل متعددة، شهدت كل منها تبايناً واضحاً على المستويين التقني والفني.
في سوريا، بدأ الاهتمام الأول بالدراما الخيالية والفانتازيا، وذلك عبر ما عرف باسم ثلاثية الجوارح التي تم انتاجها في فترة التسعينيات.

مسلسل-الجوارح

مركز دبي للأعمال الفنية، وهو إحدى الشركات التابعة لتلفزيون دبي، قام بإنتاج ثلاثة أعمال مهمة تقع ضمن حدود الفنتازيا والخيال الملحمي، وهي على الترتيب مسلسل الجوارح في عام 1994م، والكواسر في 1998م، وأخيراً الفوارس في 1999م. 

أقوال جاهزة

شارك غردما سرّ سيطرت الفانتازيا على الدراما على حساب المواضيع التاريخية والدينية هذا العام؟

الفوارس

المسلسلات الثلاثة كانت من تأليف هاني السعدي، ومن بطولة عدد من نجوم الدراما السورية من أمثال رشيد عساف وسلوم حداد وأسعد فضة، وقد قام نجدة إسماعيل أنزور بإخراج الجزأين الأولين، بينما أخرج الجزء الثالث محمد عزيزية.

ويجسد المسلسل قصة بطولية لعدد من الفرسان والمقاتلين من خلال تناول فترة الحروب ما بين العرب والرومان.

وكانت تلك الثلاثية من أول الاعمال السورية الملحمية التي حققت شهرة واسعة في كافة أرجاء الوطن العربي.

أما في مصر، صاحبة الحضور الأقوى في صناعة المحتوى الدرامي العربي، فقد بدأ تقديم الفانتازيا مع مسلسلات التراث الشعبي مثل ألف ليلة وليلة وعلي الزيبق وجحا وغير ذلك من الأعمال.

وفي عام 2015، دخلت المسلسلات المصرية بقوة في مضمار سباق الفانتازيا، وذلك عندما قدمت عملين مميزين، الأول وهو مسلسل ألف ليلة وليلة، من كتابة محمد ناير، وإخراج عزيز عبد الرؤوف، وبطولة نيكول سابا، وشريف منير، وأمير كرارة، وأسر ياسين، ونسرين طافش، وقيس الشيخ نجيب، ويوسف شعبان.

maxresdefault

انقسمت قصة المسلسل إلى روايتين منفصلتين، الأولى عن بحار يبحث عن كنز مفقود فيما ترافقه فتاة فاقدة للذاكرة، وتبحث عن جذورها وأصولها، أما الرواية الثانية، فتدور أحداثها حول ساحر يقع في حب أختين توأم متطابقتين في الشكل لكن مختلفتين كليًا في الطباع، وبالطبع فقد قدمت كلتا الروايتين في سياق الحكايات التي كانت شهرزاد تقصها على شهريار.

العمل الثاني، كان المسلسل المصري العهد، من إنتاج شركة تي فيجن، ومن تأليف محمد أمين راضي، وإخراج خالد مرعي، ومن بطولة كل من كندة علوش، وصبا مبارك، وغادة عادل، وشيرين رضا وآسر ياسين.

وتدور قصة المسلسل في عالم من الرعب والغموض والخيال، حيث يتناول مسألة التنافس على السلطة والحكم واستعداد البعض للتضحية وانتهاك المقدسات من أجلهما، وذلك من خلال صراع في قرية غير واضحة المعالم ولا تنتمي لزمن معين، ويتطور الصراع بين الشخصيات المتنوعة، في مزيج من الخيال مع القصص والأساطير القديمة لإيجاد العهد الذي يحكم القرية الأسطورية ويبحث جميع الشخصيات في العمل عنه.

كفر دلهاب وأوركيديا: أهم أعمال الفانتازيا في رمضان

a8c42249041601.58a99d17ca0d3

على رأس قائمة الأعمال الدرامية المعتمدة على الفانتازيا في رمضان، يأت مسلسلي كفر دلهاب وأوركيديا.

كفر دلهاب هو واحد من أهم المسلسلات التي ينتظر قطاع كبير من الجماهير عرضها في شهر رمضان المُقبل، وهو من تأليف عمرو سمير عاطف، وإخراج أحمد نادر جلال، وإنتاج شركة سينرجي.

والعمل من بطولة يوسف الشريف الذي تألق في الأعوام السابقة، بعدما اختط لنفسه خطاً درامياً جديداً يعتمد على مسلسلات الحركة والإثارة والغموض، والتي كان من ضمنها القيصر ولعبة إبليس والصياد واسم مؤقت ورقم مجهول وغير ذلك من المسلسلات التي لاقت إقبالاً جماهيرياً كبيراً وتصدرت نسبة المشاهدات.

في هذا العام يغير الشريف من طابعه المميز، بعدما وجد ضالته في مسلسل كفر دلهاب.

فالمسلسل الذي يشهد مشاركة أكثر من 50 فناناً ضمن أحداثه، مبني على حبكة معتمدة على مزيج من الرعب والخيال، حيث تدور تفاصيله في عصور قديمة وعوالم غامضة غير مربوطة بفترة تاريخية محددة.
C_VTXUJXUAA6EdV

أما العمل الثاني، فهو المسلسل السوري أوركيديا، وهو من تأليف عدنان العودة وإخراج حاتم علي وإنتاج شركة إيبلا، وقد صورت حلقاته في رومانيا والإمارات وتونس، ومن المقرر عرضه في رمضان المقبل على شاشة قناة أبو ظبي.

يتميز هذا المسلسل باشتراك العديد من النجوم السوريين، ومنهم جمال سليمان، وسلوم حداد، وعابد فهد، وسامر المصري، وباسل خياط، وقيس الشيخ نجيب، ويارا صبري، وسلافة معمار.

وتقوم قصته على حروب بين ثلاث ممالك، هي مملكة أوركيديا، مملكة سمارا، ومملكة أشوريا، وتتضمن الأحداث الكثير من المؤامرات والتشابكات بين الملوك والأمراء والملكات والأميرات ورجال الحكم والبلاط.

وقد ذكرت العديد من التقارير الإعلامية أن صناع هذا المسلسل قد حاولوا في إنتاجه تقليد مسلسل صراع العروش، وهو ما ظهر واضحا في إعلانه التشويقي، الذي أظهر تشابهاً واضحاً ما بين ديكورات وملابس وأجواء المسلسل العربي والمسلسل الأميركي الأشهر.

لماذا يتجه صانعو الدراما للفانتازيا؟

من المؤكد أن منتجي الأعمال الدرامية الرمضانية، يضعون في حسبانهم النتائج المتوقعة لأعمالهم، وعلى الأخص تلك النتائج المتعلقة بالنواحي المادية.

الأعمال الخيالية والملحمية والمغرقة في عوالم الفانتازيا والغموض، تبدو مشاريع استثمارية ناجحة في ظل حالة التخمة التي تعاني منها الساحة الدرامية على أصعدة المسلسلات الاجتماعية والفكاهية والحركية وغير ذلك من أنواع الدراما التقليدية التي ملها المشاهدون العرب لكثرة ما قُدم منها في السنوات السابقة.

كما أن النجاح الباهر الذي حققته بعض المسلسلات الأجنبية الخيالية، مثل مسلسل صراع العروش Game of Thrones، والذي لاقت مواسمه الستة السابقة إقبالاً عالمياً منقطع النظير، قد دفع الكثير من المنتجين العرب للتفكير جدياً في تنفيذ تجارب عربية مشابهة.

وأيضاً، فإن من أهم النقاط التي ساعدت على زيادة وتيرة إنتاج تلك الأعمال، أن التراث العربي الإسلامي وما يشمله من فلكلور وقص شعبي، قد خصص مساحات واسعة للحكايات والملاحم والأساطير، مما قدم مادة خصبة ومتنوعة لمؤلفي الفانتازيا حالياً.

كل تلك العوامل مجتمعة شجعت أصحاب رؤوس الأموال العرب، في دفع مبالغ طائلة لإخراج تلك الأعمال على أفضل صورة ممكنة، حيث تمت الاستعانة بخبرات أجنبية عالمية متنوعة في مجالات المكياج والتصوير والمؤثرات السمعية والبصرية.

وهو ما جعل مسلسل ألف ليلة وليلة بأجزائه الخمسة المتفق عليها يحتاج لـ200 مليون جنيه كميزانية مبدئية بحسب تأكيد منتجه، كما وصلت تكلفة إنتاج مسلسل أوركيدا لما يقرب من 5 مليون دولار. 

هل تعالج الفانتازيا جدلية السياسة والتاريخ؟

مما لا شك فيه أن الدراما التاريخية منذ أمد بعيد، قد مثلت أحد الملامح المميزة لشهر رمضان، حيث بدأت الجهات الإنتاجية المصرية والسورية منذ سنوات عدة في إنتاج المسلسلات التاريخية ذات الطابع الديني وذلك لمواكبة الأجواء الروحانية الدينية في رمضان.

وكان من أهم تلك الأعمال مسلسلات محمد رسول الله في 1980، الإمام الطبري 1987، والفرسان 1994، والإمام أبو حنيفة النعمان في 1997.

مع بداية الألفية الجديدة، جرى إعادة توظيف العمل التاريخي ليخرج من دائرة التقليدية والارتباط الديني، وليصبح وسيلة تنويرية تثقيفية حقيقية، حيث استطاع الكثير من المبدعين العرب أن يناقشوا العديد من الموضوعات السياسية والأيديولوجية المهمة من خلال تلك الأعمال، وتم استخدام الإسقاطات السياسية في انتقاد الأوضاع المعاصرة.

وكان من أهم الأعمال التي تنتمي لتلك الحقبة، مسلسلات صقر قريش في 2002، وربيع قرطبة في 2003، والتغريبة الفلسطينية في 2004، وملوك الطوائف في 2005.

أغلب تلك الأعمال مولتها جهات إنتاجية خاصة، ولم تلق دعماً جاداً من حكومات الدول العربية، وهو ما أوقف بعض تلك المشاريع المستقبلية التي تمّ الاعلان عنها مسبقاً، مثل مسلسل خريف غرناطة الذي لم يتم تصويره لوقوع بعض المشكلات ما بين مؤلفه وليد سيف وشركة سوريا الدولية للإنتاج الفني وهي الشركة التي كان من المفترض أن تمول إنتاجه.

الجهات الإنتاجية وجدت أنه من الممكن ان يتم العمل على مسلسلات الفانتازيا، كبديل آمن للدراما التاريخية المغرقة بالإسقاطات السياسية المباشرة، والتي قد تندرج بعضها تحت قائمة المحاذير، التي تنظر لها الكثير من الأنظمة العربية الحالية بعين الشك والارتياب.

فالفنتازيا بما يحيط بها من هالة خيالية، تسمح بتناول موضوعات في عالم اللامكان واللازمان.

كما إنها تقدم لصناعها طرقاً متنوعة لمقاربة أفكارهم ورؤاهم، وفي الوقت نفسه فهي تتيح استخدام تقنيات فريدة توصل العمل للحالة الملحمية التي تثير تعاطف المشاهد واهتمامه.

كل ذلك دون الاحتياج للصدام مع الأنظمة السياسية أو الأيديولوجيات والمعتقدات الدينية والمذهبية والتي قد يجد أصحابها في تجسيد شخوص أعلام فرقهم التاريخية، ضرراً أو مساساً بذوات مقدسة منزهة لا يجب المساس بها أو الاقتراب منها.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي