شحاته هارون، آخر يهودي مصري ناضل ضد الصهيونية حياً وميتاً

شحاته هارون، آخر يهودي مصري ناضل ضد الصهيونية حياً وميتاً

"أنا مصري حين يضطهد المصريون، ويهودي حين يضطهد اليهود، وفلسطيني حين يضطهد الفلسطينيون، وأسود حين يضطهد السود".

هذا ما قاله شحاته هارون، المصري اليهودي، عن فلسفته في الحياة. هو يساري مصري ماركسي الفكر، كان عضوًا في اللجنة المركزية لحزب التجمع (حزب مصري يساري) حتى وفاته.

ولد هارون في يناير 1920 بالقاهرة، لأبوين يهوديين متدينين، لكنه ومنذ صغره وثّق علاقته بالديانات السماوية الثلاث.

فدرس في مدرسة كاثوليكية مسيحية، ثم درس اللغة العربية على يد شيخ أزهري، وحين لاحظ والده المتدين انصراف ولده عن التعبد، أوصى حاخاما يهودياً بتعليمه، لذا يقول شحاته هارون عن نفسه "الديانات الثلاث قد أثرت بشكل أو بآخر في تكوين فكري".

CairoUniv جامعة القاهرة

درس هارون الحقوق في جامعة القاهرة، التي كانت تسمى حينها "جامعة فؤاد الأول"، وعمل محامياً، ومارس العمل السياسي وكانت له مواقف سياسية ووطنية كلفته كثيراً، فاعتقل أكثر من مرة. لكن أبرز نشاطاته على الإطلاق كانت مقاومته للصهيونية.

جهاده ضد الصهيونية

Magda-Haroun_AFP ماجدة شحاته هارون

يوم تولت ماجدة شحاته هارون رئاسة الطائفة اليهودية في مصر، كتبت جريدة "يدعوت احرنوت" الإسرائيلية: "ابنة عدو إسرائيل رئيسة للطائفة اليهودية في مصر".

مواقف كثيرة من حياة شحاته هارون من الممكن التوقف عندها في هذا الصدد، خاصة أن جهاده ضد الفكرة الصهيونية كان محموماً، حيث كان يرى أنها "كيان عنصري خرافي، ضد التاريخ وضد قوانين الطبيعة".

6214487._UY950_SS950_
لكن لابد من الحديث عن "الرابطة الإسرائيلية لمقاومة الصهيونية"، والتي كان هارون أحد أعضاءها.

وفي كتابه "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، فصّل د. عبد الوهاب المسيري دور تلك الرابطة ونشاطها وتعرضها للإيذاء من الصهاينة ومن الحكومة المصرية في منتصف الأربعينيات.

فيقول إنها "تكوَّنت في مصر، أواسط سنة 1946، بمبادرة من منظمة "إيسكرا" الشيوعية المصرية السرية، حيث كلفت "قسم اليهود" في المنظمة بتأسيس هذه الرابطة، بعد تعاظُم الخطر الصهيوني، والتهاب القضية الفلسطينية".

ويضيف بأنّ ذلك "تطلب تنظيماً جماهيرياً يؤكد انفصال الدين اليهودي عن الصهيونية ... كما يناضل هذا التنظيم ضد الصهيونية، ولأن هذا التنظيم سيحصر نشاطه في الوسط اليهودي المصري، لذا كان طبيعياً أن يقوم على أكتاف اليهود".

هكذا تأسست الرابطة ودعت إلى "تكتيل جميع العناصر الوطنية المخلصة، لتحطيم الاستعمار، وقهر الصهيونية، وإيجاد شرق عربي حر مستقل، يظلله التسامح، وجو الإخاء المطهر من العنصرية العصبية المقيتة، التي لن يكسب من ورائها سوى الغاصب المحتل".

يروي المسيري أن الرابطة وقعت بين مطرقة الحكومة المصرية المستبدة، وسندان الصهيونية النشيطة في مصر. ففي مايو 1947 اعتقلت حكومة محمود فهمي النقراشي المصرية أعضاء اللجنة التأسيسية للرابطة، وأفرجت عنهم، بعد 48 ساعة. 

أقوال جاهزة

شارك غردبعد العدوان الثلاثي على مصر، سحبت الحكومة المصرية حقوق مواطنيها من اليهود...

شارك غردشكّل اليهود اليساريون في مصر مشكلة للنفوذ الصهيوني، ولكنهم أيضاً تعرضوا لضغوطات من السلطات المصرية

بحثت الرابطة عن حل لمشكلة اليهود المشردين واقترحت "إعادتهم إلى البلاد التي طردتهم منها الفاشية"، واستقبال من يُرفَض منهم في سائر الأقطار.

يضيف المسيري: "ما كان لنشاط الرابطة أن يستمر دون رد فعل عنيف من الحركة الصهيونية في مصر، التي استقرت بالبوليس المصري وببعض البلطجية، وعمدت إلى طرد الشيوعيين اليهود من نادي مكابي القاهرة.

وفي السياق نفسه، اجتمعت الجمعيات الصهيونية في مصر، واعتمدت ميزانية مقدارها عشرة آلاف جنيه، لمحاربة الشيوعيين اليهود في مصر وأنشطتهم المتزايدة.

وفي أواسط يونيو 1947، أبلغت وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية سكرتير الرابطة، عزرا هراري "بعدم الموافقة على تكوين الرابطة، لأسباب تتعلق بالأمن العام".

وفي مايو 1948، ألقت سلطات الأمن المصرية القبض على كل اليهود المصريين المعادين للصهيونية، وأبعدت النسبة الأكبر منهم عن البلاد، فانحسر الأساس الجماهيري للرابطة، وتوقفت تحركاتها.

شحاته هارون وعبد الناصر

ومع بزوغ نجم جمال عبد الناصر في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، دخلت مصر في حرب العدوان الثلاثي (انجلترا ـ فرنسا ـ إسرائيل)، وبعدها مباشرة، تعرّضت السلطات إلى كل اليهود المصريين، وبدأت سياسة الدولة تستهدف ترحيل المصريين اليهود خارج البلاد.

وكان مبدأ شحاته هارون بألّا يتخلى عن مصريته، وأن لا يغادر مصر أبداً، ولكن أسباباً تتعلق بصحة ابنته الكبرى اضطرته لمحاولة الذهاب إلى فرنسا لمعالجتها. 

وكان لابد لليهودي أن يأخذ موافقة أمنية على سفره للخارج، فأعلمته المخابرات المصرية أنه إنْ غادر البلاد فلن يسمح له بالعودة إليها. فرفض هارون هذه المخاطرة، وقررّ البقاء في بلده، ودفع ثمن ذلك بموت ابنته.

هود-مصر-من-الازدهار-إلى-الشتات
إلا أن خط الصراع مع دولة عبد الناصر لم يدم طويلاً، حيث حاول هارون اكتساب ودّ النظام، وقبل حرب 67 أرسل خطاباً لجمال عبد الناصر في شهر فبراير عام 1967، يعلن فيه تأييده لسياسته، ويطالبه فيه بإعطاء اليهود المصريين حقوقاً مساوية لبقية الشعب.

ويقول د. محمد أبو الغار في كتابه يهود مصر من الازدهار إلى الشتات، أن شحاته هارون اعتقد أن القبض عليه بعد يونيو 1967 كان بسبب هذا الخطاب.
وأرسل خطاباً آخر لنقيب المحامين، أبلغه فيه بطلبه التطوع للقتال مع جيش بلاده، لكن النظام أصرّ على استعداء اليهود المصريين فاعتقل كل اليهود من الرجال البالغين لحين انتهاء الحرب.

ثلاثة مناوشات مع السادات

استبشر هارون بحكم الرئيس محمد أنور السادات، فقال: " إن اليهود كانوا يستشعرون بالقلق أيام عبد الناصر، ولم يصحح الوضع إلا أيام السادات"، لكن الأمر لم يصحح معه هو شخصياً فاعتقل في عهده ثلاث مرات.

كتابه-'يهودي-في-القاهرة
في كتابه يهودي في القاهرة، يقول شحاته هارون إنه كتب مقالة في مجلة "الطليعة" في أكتوبر عام 1974 واعتقَدَ أن لها علاقة بالقبض عليه في يناير عام 1975.

وتتحدث المقالة عن "السياسة الخارجية الأمريكية والاحتكارات العالمية ومخاطرها"، وكان نظام السادات فتح خطوط التواصل مع الإدارة الأمريكية في تلك الفترة بعد حرب أكتوبر عام 1973.

كما اعتقل هارون أيضًا عام 1977 في أحداث "انتفاضة الخبز" والتي أسماها السادات انتفاضة الحرامية. واعتقله النظام مرة أخرى عام 1979، بعدما صرّح في وجه ييجال بادين، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي (آنذاك) عند زيارته للمعبد اليهودي بالقاهرة.

وعبّر عن رفضه اتفاق كامب ديفيد، قائلاً: "إنني كمصري أرى أن المعاهدة مهينة لكرامة شعب مصر"، فاقتحم الأمن المصري بيته في 16 آب/أغسطس 1979.

مقاوم الصهيونية حياً وميتاً

في شهر مارس 2001 توفي شحاته هارون، لكنه ومع وداع دنياه التي صبغت بالمقاومة لم ينس رسالته في الحياة، فحرص أن يكون مشهد موته درساً في الوطنية فأوصى ألا يصلي عليه أي حاخام يحمل الجنسية الإسرائيلية، فتمّ استقدام حاخام من فرنسا للصلاة عليه، وحضر دفنته قامات وطنية، وغاب عنه ممثلو الدولة.

وبعد ذلك أرسلت أسرته نعياً لجريدة الأهرام مدفوع القيمة، كتبت فيه جملته الأثيرة "أنا مصري حين يضطهد المصريون، ويهودي حين يضطهد اليهود، وفلسطيني حين يضطهد الفلسطينيون، وأسود حين يضطهد السود".

لكن الجريدة الأكبر في مصر رفضت نشره تخوفاً من دلالاته السياسية.

فتدخلت الأسرة وناشدت الكاتب إبراهيم نافع، وقالت ابنته إنها كيهودية لا تعرف ماذا ينشر اليهود في هذا السياق، فعمدت إلى جملة خالدة من كتابات والدها، تشرح فلسفته في الحياة، فوافق على نشره. وبذلك احترمت آخر كلماته حياته ومسيرته ورؤياه.

أحمد أبو درويش

صحفي وباحث يكتب في الإسلام السياسي والثقافة

التعليقات

المقال التالي