كيف عادت اللغة العربية والدين الإسلامي إلى إسبانيا

كيف عادت اللغة العربية والدين الإسلامي إلى إسبانيا

إسبانيا بلد غير طائفي، يسمح بحرية ممارسة الدين في الإطار الشخصي، ومع ذلك فهناك نقاش في المجال التعليمي الرسمي حول هذا الموضوع بين من يرى أن المدارس الرسمية العامة عليها أن تكون علمانية ومن يدافع عن إدراج مادة الدين بشكل اختياري ضمن برامج التعليم الابتدائي والمتوسط إلى جانب علم الأخلاق (ética) أو التربية للمواطنيّة.

في الوقت الحالي الأمر لم يعد مسألة تنافس فالدين المسيحي يُعلّم في المدارس كما يدرّس الدين الإسلامي تحت إشراف المفوضية الإسلامية بإسبانيا.

وهذا يعكس الواقع الاجتماعي الحالي، حيث عدد المسلمين المستوطنين والإسبانيّين الذين اعتنقوا الإسلام في ارتفاع دائم، ولهم قانونياً حق غيرهم في تَعلُّم دينهم تحت إشراف مقيد. حتى الآن كان تعليم الدين الإسلامي ينحصر على الإطار العائلي والجوامع والجماعات المنظمة، وأما الآن فإنه ينتشر بشكل تدريجي على الإطار الوطني وبقرارٍ حكومي.

سياسة تعليم اللغة العربية

كذلك الأمر في تعليم اللغة العربية في المدارس العامّة، وقد يكون أصعب تنفيذاً من مادة التربية الدينية، فاللّغات السائدة التي تُعلّم كلغة ثانية في التعليم الابتدائي والمتوسط هي خاصة الإنجليزية ثم الفرنسية. ورغم ذلك فإن تدريس العربية ينتشر في مدارس اللغات الرسمية والمعاهد الخاصة والجامعات بشكل عام.

في الجامعات، يمكاننا أن نفرق بين ثلاث برامج يندرج ضمنها هذا التعليم: إما أن يكون ضمن برامج الدراسات العربية والإسلامية، وأشهرها في مدريد وغرناطة وسَلَمانْكا وبرشلونة وأليكانْتي، وعادة تحتاج إلى دعم دراسي خارجي لرفع المستوى، فليس هناك تركيز تام على اللغة لأن تعليم الثقافة والتاريخ يكونان غالباً في اللغة الإسبانية.


ويحدث العكس في برامج الترجمة، حيث هناك تركيز قوي على اللغة وإهمال لما سواها من المواد، ولا لغة بلا سياق ثقافي كما نعلم. أما الثالث فهو تصميم تدريسي جديد أُدخل في كليات الآداب في السنوات الأخيرة تحت تفويض أوروبي ضمن إطار التعليم الموافق الكفاءة على مستوى الاتحاد، وهي الدراسات المسماة باللغات الحديثة وآدابها.

وهو عبارة عن مزيج من المقاربتين السابقتين، فتُعلّم لغتين، إحداها أوليّة والأخرى ثانوية، مع بعض المواد الثقافية، فلا تصل إلى التمكن من الثقافة كما هي الحال في الدراسات العربية ولا إلى التمكن من اللغة كما في دراسات الترجمة، وهو نوع من الاعتدال يعيبه النظرية المنفعيّة التي تُطبق في تعليم اللغات، الموجودة أيضاً في دراسات الترجمة، والتي لا تهتم باللغة العربية المعروفة بالكلاسيكية بل بالعربية الحديثة المعيارية (Árabe Moderno Estándar) كوسيلة أو أداة للتواصل والتدريس والتعامل المعاصر تاركةً الفيلولوجيا كعلم من علوم الماضي.

ولكن كيف لنا أن نفهم ماضينا وهويّاتنا إن لم نفهم ما هو مكتوب في المصادر؟

اللغة العربية في المدارس العامة

أما في حال المدارس، ففي علم ٢٠٠٩ بادرت حكومة منطقة أندلوسيّا الجنوبية، بضم اللغة العربية كلغة ثانية في التعليم المتوسط وذلك ضمن مشروع لإدْماج الطلاب الأجانب داخل الإطار التعليمي الرسمي.

ولكن الإطار التطبيقي لهذا المشروع لم يتعدى بعض المدارس في مدينتي ألمريّا وغرناطة. إحدى هذه المدارس الغرناطية موجودة في حي البيازين التاريخي على الربوة المقابلة للحمراء، المدينة الملكية التي بناها بنو نصر في أواخر الحكم الأندلسي. وفي هذه المدرسة يمكن الاختيار بين اللغة العربية والفرنسية والألمانية بالإضافة إلى الإنجليزية.

ويبدو أن أغلب الطلاب الذين انتهزوا الفرصة لتعلم العربية، رغم قلتهم، ليس لهم علاقة مباشرة بالعالم العربي، بل هناك فضول وحب للاطلاع على لغة وثقافة تتغلغل في صلب هوياتهم وتكون وسيلة تفاهم مع السكان الآخرين ومع اللاجئين من أصل عربي، ولا شك أنها أيضاً طريقة لفهم واقعية الصراع الثقافي المعاصر. 

أقوال جاهزة

شارك غردتاريخ العرب والإسلام في إسبانيا الذي بقي جزءاً من التكوين الثقافي للبلاد يجد طريقه إلى مدارسها وجامعاتها.

شارك غردكما في البلدان العربية، تظهر مشكلة التعامل مع اللغة العربية "الكلاسيكية" والمعاصرة في إسبانيا.

في غرناطة، قامت الأستاذة المسؤولة عن تدريس اللغة بتصميم البرنامج التعليمي بمساعدة جناح الدراسات العربية والإسلامية في الجامعة. ولا تنحصر الدراسة على اللغة فحسب بل هناك زيارات تربوية إلى مواقع تاريخية أندلسية كمدينة قرطبة، عاصمة الخلافة الأموية في شبه الجزيرة الإيبيرية.

والأمر ينتشر ببطء في المناطق الأخرى، ففي منطقة كاتالونيا الشمالية الشرقية، قام اتفاق بين الحكومة والمغرب في عام 2014 لتدريس اللغة العربية في المدارس، حيث التعليم موجه إلى أبناء المغاربة المستوطنين في المنطقة وغيرهم من أصل عربي، كي يحافظوا على لغة وثقافة آبائهم.

inside_Arabic-Classes-Spain

 

التربية الإسلامية في المدارس الرسمية

أما عن تعليم الدين الإسلامي فالمسألة هي محصة نقاش قديم مستمر. فمنذ عام ١٩٩٢ هناك اتفاق بين الحكومة الإسبانية والمفوضية الإسلامية بإسبانيا لتوفير التربية الدينية المناسبة للطلاب المسلمين ضمن التعليم الرسمي منذ مرحلة الطفولة إلى نهاية التعليم المتوسط.

وتقع على هذه المفوضية مسؤولية تعيين الأساتذة المناسبين لتعليم هذه المادة. ومضمون المادة ينقسم إلى محور عقائدي، وإلى محور ثقافي حيث يكون الدين جزءاً من الثقافة الإسلامية في المجال التاريخي والأدبي والفني. 

ولكن، مع أن عدد الطلاب المسلمين في المدارس الإسبانية يناهز الثلاثمائة ألف طالب، معظم المدارس لا يوجد فيها أساتذة لتدريس التربية الإسلامية بعد. أكثر الأساتذة يدرّسون في المرحلة الابتدائية، خاصة في مناطق أندلوسيّا، وسبتة ومليلية على الساحل المغربي المتوسطي، وأراغون وبايس باسكو في أقصى الشمال، وجزر الكناري في المحيط الأطلسي، المقابلة لجنوب الساحل المغربي والصحراء الغربية.

لذلك قامت المفوضية بمطالبة جميع حكومات المناطق بالعمل على تحسين هذا الوضع، بكون تعليم قوام الدين الإسلامي وماهيته، كدين السلام والتعايش مع الآخر، أساسياً في تجنب الراديكالية بين الشباب والشابّات التي تتولد عادةً من التهميش وعدم الاندماج. وهذه المبادىء تكوّن قوام برنامج التربية الإسلامية الذي تم تجديده وتحديده لجميع المراحل التربوية، العام الماضي بقرار حكومي.

إضافةً إلى ذلك، قامت المفوضية بتصميم دراسات متخصصة لتأهيل الأساتذة في هذا المجال والتي تؤدي إلى دبلوم الكفاءة التربوية الإسلامية (Diploma de Aptitud Pedagógica Islámica).

وتتضمن هذه الدراسات سبعة محاور: الإطار القانوني الإسباني ومهمات المُعلّم، وعلم النفس العام للأطفال والشباب، والتفسير وعلم الكلام، وعلم الحديث والفقه، والتراث الثقافي الإسلامي في إسبانيا، والمنهاج التعليمي للدين الإسلامي، والحوار بين الأديان الذي هو حاجة ماسة في الثقافات التي تعيش ضمن العولمة.

إذاً فإن تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي في المدارس الإسبانية الرسمية مازال أمراً محدوداً غير منتشرٍ بعد على الإطار الوطني، ولكنه في بداية طريق وعي الآخر الذي قد يتطلب أجيالاً من الحوار الثقافي، ونحن ماضون فيه رغم أخبار الحرب والإرهاب والتشتت الدائمة.

ليلى جريص نافارو

باحثة إسبانية سورية متخصصة بالعلاقات الثقافية بين الأندلس والمغرب الأقصى. عملت كمترجمة وكأستاذة في الأدب العربي في جامعة غرناطة حيث حصلت على شهادة الدكتوراه. هي مهتمة أيضاً بالفن والكتابة المعبرة عن الذات والإنسانيات الرقمية. @layla_jreis

التعليقات

المقال التالي