الاختلافات والسجالات حول رحلة الإسراء والمعراج

الاختلافات والسجالات حول رحلة الإسراء والمعراج

في ليلة 27 من رجب (الشهر الحالي)، يحتفل المسلمون حول العالم بذكرى "معجزة الإسراء والمعراج"، التي تعتبر من أهم وأشهر المعجزات المرتبطة بالإسلام.

ورغم المكانة العالية لرحلة الإسراء والمعراج في الدين الإسلامي، إلا أنه يبدو من الغريب أن الكثير من المعلومات الأساسية عن تلك الواقعة تبدو ضبابية ومختلف عليها في الكثير من الأحيان.

ماذا نعرف حقيقة عن هذه الرحلة؟

يذكر الزبيدي في كتابه تاج العروس، أن الإسراء هو السير ليلاً، أما المعراج فهو الصعود والترقي إلى السماء. ورغم أن الحدثين قد وقعا في ليلة واحدة، إلا أنهما قد وردا في القرآن في سورتين مختلفتين، فبينما ورد ذكر حادثة الإسراء في أول سورة الإسراء، فإن معجزة المعراج قد وردت في سورة النجم.

وقد وردت تفاصيل تلك المعجزة في العديد من كتب الحديث، مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد بن حنبل والمعجم الكبير للطبراني والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، بالإضافة إلى الكثير من الكتب الأخرى.

وإذا ما حاولنا أن نحدد تاريخاً دقيقاً لوقوع تلك المعجزة، لوجدنا أنفسنا أمام كم هائل من المعلومات والبيانات المختلفة التي تناثرت في شتى المصادر التاريخية الإسلامية المتقدمة.

وربما كانت المعلومة الأكيدة الوحيدة فيما يختص بوقوع هذه المعجزة، هي تلك التي تقول بأنها قد وقعت قبل هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، فابن هشام في السيرة النبوية يذكر عدداً من الأراء في تلك المسألة، منها أن الإسراء قد وقع في العام السابق للهجرة، أو أنه قد وقع قبل الهجرة بثلاثة أعوام أو بستة أعوام.

The_rock_of_the_Dome_of_the_Rock_Corrected قبة المعراج في القدس

والمشهور أن تلك المعجزة قد وقعت في العام العاشر من البعثة النبوية، وهو العام المعروف بـ"عام الحزن"، وقد سميّ بهذا الاسم لأنه شهد وفاة اثنين من أكبر مناصري الرسول ومسانديه، وهما عمه أبو طالب وزوجه خديجة بنت خويلد.

تقول الرواية إن النبي محمد أُسري به من مكة إلى القدس، في ما عرف باسم "الإسراء"، وتبدأ الأحداث عندما كان نائماً، فأتاه ثلاثة من الملائكة أحدهم جبريل، فشقوا عن جوفه، وغسلوه من الغل والضغينة، ثم ملأوا قلبه إيماناً وحكمة، وبعدها أخذه جبريل إلى مخلوق أسطوري يُسمى "البراق"، هو مزيج من الحمار والبغل، ليطير به إلى السماء.

Buraqتصوير لـ"براق" (الفنان غير معروف)، من القرن الثامن عشر، في المتحف الوطني في نيو دلهي. تظهر التأثيرات الثقافية الغنية (هندية، وإيرانية وتركمانية)

ثم عرج محمد بصحبة جبريل إلى السموات واحدة تلو أخرى، وفي كل سماء كان يلقى نبيّاً مختلفاً أو أحد الصالحين، حتى بلغ السماء السابعة التي أشار إليها القرآن بسدرة المنتهى.

أقوال جاهزة

شارك غردرغم أهميتها الفريدة في العقيدة الإسلامية، لم تسلم أحداث الإسراء والمعراج من أن تكون موضع خلاف واختلاف

ثلاث تفاصيل لا تؤيدها المصادر

ورغم أن الاعتقاد السائد لدى معظم المسلمين حول العالم، بأن معجزة الإسراء قد وقعت في ليلة 27 من رجب، وهي الليلة التي اعتادوا فيها على الاحتفال بتلك المناسبة، إلا أن معظم الأراء التي توردها المصادر التاريخية تخالف ذلك التوقيت.

فابن هشام وابن الأثير وابن كثير يذكرون أنه قد تم الإسراء بالنبي، إما في يوم الاثنين 12 ربيع الأول وإما في أحد أيام ذي القعدة.

الاختلاف الثاني حول تلك المعجزة، يكمن في تحديد المسار الذي اتخذه الرسول في رحلته تلك، فمن الثابت أن الرحلة قد ابتدأت من مكة، وبالتحديد من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، والتي بات الرسول في منزلها تلك الليلة، ولكن ما أثار الجدل والنقاش هي الوجهة التي قصدها الرسول في رحلته.

فبحسب التوصيف القرآني الوارد في سورة الإسراء، أن هدف الرحلة ومحطتها النهائية كانت هي المسجد الأقصى. ولكن أين يقع المسجد الأقصى المقصود في السورة؟ أثار ذلك السؤال الكثير من المناقشات والمجادلات في السنوات الماضية.

فبينما يؤكد جل العلماء المسلمون على مختلف فترات التاريخ الإسلامي، على أن المسجد الأقصى المذكور في القرآن يقصد به مكان معين مقدس في فلسطين، وبالتحديد في مدينة القدس التي كانت تعرف قديماً باسم أورشاليم أو إيليا، فإن الأعوام الأخيرة قد شهدت ظهور رأي أخر، يؤكد على أن المسجد الأقصى المشار إليه في سورة الإسراء، إنما هو مكان في شبه الجزيرة العربية وبالتحديد بالقرب من مكة نفسها.

أشهر الكتاب الذين تبنوا ذلك الرأي، هو المستشرق الإسرائيلي موردخاي كيدار، الباحث في مركز بيجن السادات للأبحاث الاستراتيجية، فقد كتب كيدار مقالاً مطولاً في موقع "ميدا" العبري، تحت عنوان "الأكاذيب الإسلامية حول القدس والأقصى"، استخدم فيه كل ما اعتبره "أسانيد منطقية وتاريخية"، لإثبات أن المسجد الأقصى يقع في بلاد العرب، وأنه لا توجد له أي صلة بفلسطين.

المفكر والفيلسوف المصري المعروف يوسف زيدان أعلن هو الأخر (في كتابه شجون تراثية)، عن اقتناعه بذلك الرأي منذ فترة ليست بالبعيدة، وبرر ذلك ببعض الروايات الواردة في كتاب مغازي الواقدي، والتي فهم منها زيدان أن المسجد الأقصى المشار إليه في القرآن يقع في قرية الجعرانة التي تقع على بعد 20 كيلومتر شمال شرق مكة.

الاختلاف الثالث الذي يحيط بأحداث الإسراء والمعراج، هو ذلك الذي يتعلق بالكيفية التي حدثت بها تلك الرحلة، وإذ كانت قد تمت بالروح أم بالروح والجسد معاً.

فبعض العلماء المسلمين ذكروا أن الإسراء قد تم بالروح فقط، وأن جسد الرسول قد بقي في مكة، بينما نجد أن أغلبية العلماء قد عارضت ذلك الرأي وأصرت على أن الإسراء قد تم بالروح والجسد معاً.

وهذا الرأي الأخير هو ما يقره الطبري في تفسيره للقرآن بقوله، إن كون الإسراء قد تم بالروح فقط يمنع من كون الحدث إعجازياً خارقاً للطبيعة، وذلك لأنه من الممكن أن يرى النائم في أحلامه الكثير من الأماكن البعيدة عنه، ولا يزعم أن في ذلك معجزة.

كما يؤكد الإمام الشوكاني في كتابه فتح القدير، على ذلك الأمر بقوله "والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة، هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة".

قصص مشابهة

سيلاحظ الباحث في تاريخ ثقافات الشعوب والأمم القديمة، أن هناك العديد من القصص والروايات التي تتشابه مع قصة الإسراء والمعراج الإسلامية، ونستطيع عبر استقراء التاريخ القصصي والديني في حضارات كل من بابل وبلاد فارس وفي الديانتين اليهودية والمسيحية كذلك، أن نجد العديد من الأحداث التي تم ذكرها بصورة أو بأخرى في قصة الإسراء والمعراج.

في الديانة الزرادشتية، حفظت لنا الرسوم الحجرية قصة معراج زرادشت، وتفاصيل تلك القصة أن زرادشت قد صعد إلى السماء بواسطة حيوان كبير ومجنح، وبعد صعوده التقى بالإله أهورا مازدا إله النور، وتلقى عنه تعاليم الحكمة والشرائع.

وهناك قصة أخرى مشابهة في الزرادشتية، وهي قصة وردت في كتاب (أرتيوراف نامك) الذي كُتب في حدود عام 400 قبل الهجرة، بحسب الباحث السوري فراس السواح. وموضوع القصة أن شخصاً فارسياً يُدعى "أرتيوراف" صعد للسماء وتمكن من الاطلاع على كل شيء بها، وصاحبه في رحلته تلك واحداً من كبار الملائكة، حيث رافقه من طبقة إلى أخرى.

في اليهودية أيضاً وردت بعض الإشارات المهمة القريبة من أحداث الإسراء والمعراج، فقد جاء في سفر الملوك الثاني أن النبي إيليا قد صعد إلى السماء.

كما أنه قد جاء في كتاب الترجوم (وهو النسخة الأرامية للتوراة): "عندما بدأ ابونا يعقوب مسيرته الى حاران، تقلّصت الأرض أمامه، فوجد نفسه حالاً في حاران"، وهو الأمر الذي يمكن أن نجد فيه تشابه مع إسراء الرسول، والذي قطع في ليلة الإسراء مسافة طويلة جداً في لحظات معدودة.

على أن أقرب القصص اليهودية الشبيهة بحادثة الإسراء والمعراج، تظهر في سفر أخنوخ الثاني، وهو أحد الأسفار غير القانونية والتي لا تعترف بها الكنائس المسيحية.

ففي هذا السفر يروي أخنوخ (والذي هو نفسه النبي إدريس عند المسلمين)، كيفَ رُفع إلى السماء، وما شاهده في الفردوس والجحيم، وفي السماوات السبع، ولقائه بالله في السماء السابعة.

ورغم أن الديانتين اليهودية والمسيحية لا تعترفان بقصة معراج أخنوخ، إلا أن القرآن الكريم يتجاوب معها بشكل إيجابي، فقد ورد في سورة مريم: "واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً (*) ورفعناه مكاناً علياً"، وهو الأمر الذي يؤيد بشكل ما قصة أخنوخ السابقة الذكر.

ومن المهم أيضاً أن نشير إلى أن هناك بعض القصص الإسلامية التي نسبت بعض الكرامات الشبيهة بمعجزة الإسراء والمعراج لعدد من الأولياء والأئمة المسلمين.

فعبد الوهاب الشعراني في كتابه الطبقات الكبرى، يذكر أن القطب الصوفي السيد أحمد البدوي قد قدم من الحجاز إلى مصر في دقاق معدودة، وهو ما يشبه معجزة إسراء الرسول.

بينما يذكر هاشم البحراني في مدينة المعاجز (2013)، أن الإمام الشيعي الخامس محمد الباقر قد صنع فيلاً يطير، وركبه وانتقل به من مكة للمدينة، ثم عاد به مرة أخرى إلى مكة.

وكل تلك "الكرامات المذكورة" تثبت الأثر القوي الذي تركته قصة الإسراء والمعراج في وعي المسلمين ومخيلتهم.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

كلمات مفتاحية
الإسلام

التعليقات

المقال التالي