ماذا يريد الله من البشر؟

ماذا يريد الله من البشر؟

الديانات، شأن الحضارات والثقافات، تنشأ وتتوسع ثم تضعف وربما تموت، كحضارات الفراعنة والإغريق والفينيقيين التي اندثرت. وفي هذه اللحظة من عمر الإنسان، تفرض خمس ديانات نفسها أكثر من غيرها على سكان الأرض، هي على الترتيب المسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية واليهودية، وفي السطور التالية تلخيص لأبرز تعاليم وغايات شرائعها.

المسيحية: الخلاص بتمجيد ابن الرب

INSIDE_what-does-god-want-from-us-christianity

يتلخص الإيمان المسيحي في أن الله، خالق الكون، عندما خلق الإنسان الأول "آدم" وزوجته حواء، أمرهما باجتناب شجرة بعينها، لكنهما عصياه وأكلا منها، فتلوث نسلهما بهذه الخطيئة، فأرسل الله ابنه "يسوع" لتخليص البشرية من هذه الخطيئة، ومات على الصليب فداء لجميع بني آدم، تاركاً بعض الأوامر ليلتزم بها من يريدون اللحاق به في الملكوت "الجنة" بعد موتهم.

أبرزها الإيمان بأن الكتاب المقدّس "الإنجيل" هو كلمة الله والمرجع الوحيد لسلوك المؤمن المتمحور حول فعل الخير وحب الآخرين ودعوتهم إلى الخلاص، والإيمان بالله الواحد المثلث الأقانيم "الآب والابن والروح القدس"، والإيمان بفداء المسيح للعالم، والإيمان بأن يسوع سيعود في آخر الزمان ليدين العالم، والإيمان أن الإنسان يتطهر من خطاياه ويتبرر أمام الله وينال الحياة الأبدية أو الجحيم الأبدي، بحسب ما جاء تفصيلاً في الإصحاح 25 من إنجيل متى.

لكن أتباع هذه الديانة انقسموا إلى ست طوائف، أبرزها الأرثوذكس والكاثوليك، الذين يتقيدون بما يسمونه "الأسرار السبعة" وجميعها طقوس مادية تستخدم الماء والزيت والصلبان والصلوات، تقيمها دار العبادة "الكنيسة" للإنسان عند ولادته "المعمودية" ولدى زواجه ومرضه، وكذلك إذا قرر التوبة "الاعتراف" أو الشكر "القربان المقدس" أو التفرغ لخدمة الرب "الكهنوت"، فضلاً عن الحج إلى مكان ولادة ومقتل يسوع في فلسطين.

العقيدة المسيحية لدى هاتين الطائفتين، تتضمن تقليد رسل يسوع، وتمجيد "العذراء مريم" أم يسوع، والقديسين، والاعتقاد بأنهم سيشفعون لهم، إلى جانب التبشير "الكرازة" بالمسيح.

غير أن البروتستانت رفضوا سلطة الكنيسة البشرية على الناس، فلم يعترفوا إلا بطقسي المعمودية والشكر، وأنكروا شفاعة أي أحد سوى "يسوع المسيح"، ونفوا ضرورة تقليد الرسل، لكنهم يتفقون مع الأرثوذكس على أن الإنسان بعد الموت يدخل الملكوت أو الجحيم للأبد، بعكس الكاثوليك الذين يؤمنون بـ"المطهر" حيث يقضي المؤمن فترة عقوبة على قدر خطاياه.

الإسلام: الولاء لله والبراء مما سواه

INSIDE_what-does-god-want-from-us-islam

يؤمن المسلمون أن الله، خالق الكون، بعث رسول الإسلام محمد بن عبد الله، ليأمرهم بالإيمان بالله وملائكته "كائنات غير بشرية لا تعصي الله" وكتبه "التي أنزلها مع محمد والرسل السابقين"، ورسله "أولهم أبو البشر آدم" واليوم الآخر "القيامة والحساب بعد الموت" والقدر خيره وشره.

وقد حدد النبي محمد لأتباعه خمسة أركان تضمن للإنسان دخول الجنة واجتناب الجحيم بعد الموت، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله، وأداء خمس صلوات في مواقيت محددة يومياً، وأن يدفع الأثرياء زكاة من أموالهم إلى الفقراء، والصيام عن الطعام والشراب في شهر رمضان، والحج إلى الكعبة في مكة "السعودية" تنفيذا لقول الله في القرآن "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (56: الذاريات).

أسس النبي محمد دولة للمسلمين يطبق فيها الشريعة الإسلامية، ولكن بمجرد موته اختلطت السياسة بالدين، وقرر أبو بكر الصديق الخليفة الأول للدولة، أن يأخذ الزكاة ممن رفضوا دفعها، فانتشرت في المسلمين ثقافة فرض الدين بالسيف، واعتنقوا قاعدة "الولاء والبراء" التي تقسم البشر إلى صنفين، إما معهم على اعتقادهم وإما أعداء لهم ولله ولرسوله.

كما نشأت صراعات بين أتباع النبي فانقسموا إلى "سُنّة" يطبقون ما جاء في القرآن والأحاديث المأثورة نصاً وفق ما يفهمه كبراؤهم، و"شيعة" يختلفون معهم في تصورهم للكون ولمفهوم العدالة على الأرض، كما أنهم لا يعترفون بأحقية أحد في إمامة المسلمين إلا أهل بيت النبي محمد، وأولهم ابن عمه "علي"، ويقدمون تفسيراً مغاير لعدد من النصوص، ويحيون شعورهم بالتقصير تجاه أهل البيت كل عام في ذكرى مقتل "الحسين بن علي" في عاشوراء.

طوائف أخرى كثيرة نشأت لأسباب مختلفة، معظمها أسس تعاليم خاصة لمسائل فرعية، كالقول بأن الإنسان مجبور على أفعاله "الجبرية" أو أن الذنوب تُجرد المسلم من إسلامه، إلى أن ظهر مؤخراً من يسمون بـ"القرآنيين" الذين يفصلون بين ما فعله محمد كقائد للدولة وكرسول لجميع الناس، وأعطوا الأولوية للمعاني العمومية للقرآن، ورفضوا من حيث المبدأ الأحكام الفقهية التي تنظم الحلال والحرام وما بينهما وفقاً لفهم كبراء كل طائفة.

يرى "القرآنيون" أن أوامر القرآن ونواهيه، هي فقط المنوط بالناس اتباعها، وهي تقضي، حال تدبر القرآن، بأن يتجنب الإنسان ارتكاب المخالفات الأخلاقية النابعة من الفطرة الإنسانية، كالقتل والسرقة والكذب وعقوق الوالدين، وينسبون إلى الإسلام جميع البشر، ما داموا يتمسكون بفطرتهم ويُحكّمون ضميرهم في تصرفاتهم، حتى لو كانوا يعلنون إلحادهم أو انتماءهم إلى دين آخر.

أقوال جاهزة

شارك غرداليوم، تفرض خمس ديانات نفسها أكثر من غيرها على سكان الأرض... تلخيص لأبرز تعاليمها وغاياتها

البوذية: البحث عن حياة أفضل بعد الموت

INSIDE_what-does-god-want-from-us-buddhism

الهدف الأسمى لمن يعتنقون الديانة البوذية هو مساعدة جميع الكائنات الحية، فهم يتعقدون بتناسخ الأرواح، بحيث يتحول الإنسان بعد موته إلى صورة أخرى أرقى أو أدنى من كونه إنساناً، بحسب أعماله، وهو نوع من الحساب يسمونه "الكارما" وفي سبيل ذلك يعملون على تطوير أنفسهم وطريقة تفكيرهم لاكتساب السعادة بالتأمل العقلي لا بالاستهلاك المادي، وكلما قطع الواحد منهم شوطاً في هذا الطريق ازداد اقتراباً من "الحقيقة" ومن ثم الوصول إلى الاستنارة الكاملة التي يسمونها "النيرفانا"، وهذا هو جوهر الديانة.

وعلى الرغم من أن "بوذا" الذي تنسب إليه التعاليم الأساسية للبوذية لم يدع أنه نبي أو إله، فإن بعض أتباعه وصفوه بالإله، إذ نقلوا عنه أن الوصول إلى الاستنارة، عبر التخلص من الرغبات الإنسانية، ربما يؤدي بالشخص إلى الانتقال في الحياة التالية إلى رتبة "إله".

وحددوا لذلك أربع حقائق وصفوها بالنبيلة، هي أن الحياة معاناة، وأن المعاناة تأتي من الرغبات، وأن الإنسان يمكنه أن ينهي المعاناة بالتخلي عن كل ما يتعلق بالرغبات الإنسانية، وأن هذا يتحقق باتباع "الطريق الثُماني النبيل" الذي يتكون من أن يحصل الشخص على نظرة صحيحة، ونية صحيحة، وكلام صحيح، وأعمال صحيحة، ومعيشة صحيحة، ومجهود صحيح، وتفكير بطريقة صحيحة (من خلال التأمل) وتركيز صحيح، وقد أورد بول ديمييفيل، أستاذ الدراسات البوذية في الكوليج دو فرانس، شرحاً لهذه المفاهيم في كتابه "بوذا والبولا راهولا".

ولأن بوذا كان يدرك مدى تعلق الإنسان بالحياة وملذاتها، فقد أوصى بألا يكون التقشف هو السبيل الوحيد للاستنارة، إنما الحياة الوسط، وفيها يحاول الإنسان أن يدرب نفسه وعقله على تحقيق السلام مع الآخرين، إلا أنه اصطفى من أتباعه مجموعة من الرهبان، رآهم مؤهلين أكثر من غيرهم للوصول إلى الاستنارة، وهم وأمثالهم يسمون إلى الآن "السانجا"، ولهم وصايا خاصة أكثر تقشفاً، تتضمن تحريم الخمر والأكل بعد الظهر والرقص والموسيقى والتطيب والجلوس على الشوارع والمكان المرتفع، وحتى تحريم قبول الهدايا من الذهب والفضة.

ويكون لبقية الناس أن يترهبنوا ولو ليوم واحد في حياتهم، لمعرفة طريق الخلاص، وعندما يموت أحدهم يحرقون جثته حتى يتحرر من الدائرة المغلقة للحياوات المتعددة، إذ إن البوذية لا تؤمن بأن الكون له بداية ونهاية.

الهندوسية: الوثنية في سبيل التوحيد

INSIDE_what-does-god-want-from-us-hinduism

يؤمن الهندوس بكتاب مقدس تكوّن عبر التاريخ يسمى الفيدا، وفيه طقوس وصلوات وأشعار وملاحم ليست منسوبة لشخص بعينه، كما أنها ليست منسوبة لإله محدد.

ولأن هذه الديانة لا تنتظم في شكل هيكلي، فإن أتباعها أحرار في اختيار ما يشاؤون من آلهة يتعبدون لها بالطقوس والقرابين كيفما اتفق، حتى لو كان ذلك من خلال ديانة أخرى، فالمهم أن يسموا الواحد منهم بروحه حتى يتصل بالإله الأعظم "براهمان" الذي يتجلى في باطن العقل، وفي ظاهر الكون المادي "وحدة الوجود" وفي الكائنات الحية، ولذلك فهم لا يأكلون اللحوم، ويقدسون البقرة على اعتبارها الشكل الأكمل للكائن الحي.

وبينما تقدم الطوائف الرئيسية تصورات عن الإله وتجسداته في آلهة أخرى (براهما وفيشنو وشيفا) تتجسد بدورها في صور متعددة، ينكر بعض الهندوس وجود إله من الأساس، لكنهم يتفقون مع بقية الطوائف على الإيمان بالكارما وتناسخ الأرواح، شأن البوذيين، ولذلك فإن الهدف الأسمى لديهم هو الـ"موشكا" أو الخلاص الروحي، كالنيرفانا البوذية.

ويصلون إلى الموشكا من خلال أربع مدارس، هي طريق الحب والإخلاص، وطريق العقل أو الفعل الصحيح، وطريق التأمل، وطريق الحكمة، وجميعها أشكال لما يسمى اليوغا. ولذلك ينظر بعض المتخصصين في مقارنة الأديان إلى الهندوسية باعتبارها فلسفة، ومنهم جون كولر، أستاذ الفلسفة الآسيوية والفلسفة المقارنة في معهد رينسلار بوليتكنيك، صاحب كتاب "الفكر الشرقي القديم".

اليهودية: قبيلة الله المختارة تجهز العالم لنهايته

INSIDE_what-does-god-want-from-us-judaism

اليهودية هي الديانة السماوية الأقدم، وليست تبشيرية كالمسيحية والإسلام، لذا يشاع أن معتنقيها على اختلاف جنسياتهم يرجعون إلى أصل واحد، هو يعقوب أو "إسرائيل" بن إسحاق بن إبراهيم، الذي عاش في فلسطين قبل أربعة آلاف عام، وكان له اثنا عشر ولداً يسمون بالأسباط، ويعبدون إلهاً في السماء هو "يهوه" أو "الله".

عرفوه من جدهم الأكبر إبراهيم، وآمنوا بأن الله أعطاهم الأرض التي يعيشون عليها دون غيرهم، وكان أن تفرق نسلهم في الأرض، فخرج من بينهم "موسى" مؤسس الديانة الذي قال إن الله تحدث معه وأملاه عشر وصايا، تحث في مجملها على عبادة الله وحده دون أي أوثان أو أصنام، وإكرام الوالدين، وتقديس يوم السبت، وتحريم الكذب والقتل والزنا والسرقة وشهادة الزور واشتهاء ممتلكات الآخرين من بني إسرائيل.

وقد جاءت هذه الوصايا في الإصحاح 20 من سفر الخروج، ضمن الكتاب المقدس لليهود "التوراة"، متبوعة بثلاثة إصحاحات تفصل الشريعة اليهودية، وفيها عقوبات مشددة كقتل الزاني والساحر والعاق بوالديه، كما تضم تشريعات دقيقة مثل تحديد مواقيت إعادة القروض، غير أن رجال الدين "الحاخامات" استنبطوا من تفسيرات التوراة مثل "التلمود" والكابالا" تشريعات أخرى كالختان وتحريم بعض الأطعمة والذبائح.

ويلتزم اليهود الأرثوذكس "التقليديون" بهذه التفاسير، غير أن الطائفتين الأخريين "الإصلاحيين" و"المحافظين" لا يلتزمون إلا بالتوراة، باعتبار الكتابات الأخرى بشرية.

ينتظر اليهود بحسب التوراة مجيء "المسيح المخلّص" لينصرهم على أعدائهم، وليسود السلام في العالم إلى أن ينتهي. وعلى الرغم من أن يسوع المسيح الذي ظهر في فلسطين كان من بني إسرائيل، وقدم نفسه على أنه "المخلص" واتبعه الكثيرون، فإن اليهود رفضوا الإيمان به، وهم لا يزالون ينتظرون المسيح المخلّص الحقيقي، ويكرسون أعمالهم لتهيئة الأرض لاستقباله.

ولا تقدم التوراة تصوراً واضحاً عما سيكون بعد الموت، أو بعد فناء العالم.

محمد حمدي أبو السعود

محمد حمدي أبو السعود، صحفي وشاعر وقاص وناقد أدبي مصري. باحث في الفكر الإسلامي والأديان، ومهتم بالعلوم الاجتماعية واللغوية.

التعليقات

المقال التالي