من "يا ميمة" إلى "الطلقة الروسية"... ماذا حل بكلمات الأغاني العربية؟

من "يا ميمة" إلى "الطلقة الروسية"... ماذا حل بكلمات الأغاني العربية؟

مؤخراً، تناقلت منصات التواصل الاجتماعي خبراً يفيد باستعداد الشاب السوري فراس الحمزاوي لإطلاق ألبوم غنائي ضم جملة عناوين رنانة، من وحي الحرب السورية:

"الفرقة الرابعة"، "القوّات الخاصّة"، "الحرس الجمهوري"، "المخابرات السورية" وغيرها.

الحمزاوي، الذي ذاع صيته بعد أغنية "لطي** لا ترجعي" (لمؤخرتي لا تعودي)، ليس إلا امتداداً لظاهرة عرفتها الأغنيات السورية واللبنانية خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث غابت القصيدة، وجرى استبدالها بكلمات أقرب إلى "الحكي" المتداول في اليوميات. فبات من النادر أن نصادف أغنية مؤلفةً من شعر أو قصيدة جرى تلحينها وتوزيعها.

صاحب أغنية "أصابيع رجليكي"، اتجه نحو ما يسمى "لغة الشارع" دون مواربة، بينما لجأ مغنون آخرون إلى نصوص من قاموس اليوميات ذاته، دون أن يصلوا لمستوى "المؤخرة" و"أصابع القدمين"، ودون أن ينساقوا خلف ألفاظ وُصفت بالسوقية والابتذال. هؤلاء صاروا يعتبرون أن الركون إلى الحديث اليومي هو شكل من أشكال التجديد الذي يساعد على الخروج من القافيات والمفردات المكرورة.

"ميّال" والأغنية الحديثة

"الأغنية الحديثة"، مصطلح جرى استعماله للدلالة على الأغنيات التي لا تتجاوز، في أحسن الأحوال، عتبة السبع دقائق، وتكون مؤلفة غالباً، من ريفران Refrain واحد، وهو المقطع الذي يتم تكراره في الأغنية، ومن مقطقبن كوبليه Couplet، أو الجزء الغنائي الذي يسبق الريفران أو يليه.

فالشكل السائد في أغنيات اليوم هو: كوبليه، ريفران، كوبليه، ريفران، يُصار إلى تلحينها دون تنويعات موسيقية مبالغ فيها.

وعلى الرغم من اعتماد الأخوين رحباني، وأغلب أفراد جيلهما من الشعراء والملحنين على أغنيات قصيرة وبسيطة لجهة المفردة واللحن، إلا أن التداول في هذا المصطلح لم يبدأ قبل تسعينات القرن الماضي.

يختلف النقاد حول الظهور الأول للأغنية الحديثة، لكن أغلبهم يشير إلى أن البداية، في مصر، كانت من "ميّال" لعمرو دياب (كلمات مجدي النجار، ألحان حجاج عبد الرحمن، وإنتاج عام 1988).

وقد شكلت "ميّال" قالباً طوى صفحة أغنيات كان بعضها يطول حتى يبلغ عتبة ساعة كاملة.
وقد كان راغب علامة وعاصي الحلّاني ووائل كفوري ونجوى كرم وأصالة ونوال الزغبي أبرز من غنى الأغنية الحديثة في لبنان وسوريا بداية التسعينات.

في تلك المرحلة، كان الكلام على شكل قصائد غنائية، غنية بالصور الشعرية، مثل كلمات "يا ريت فيي خبّيها" التي كتبها توفيق بركات لراغب علامة.

ثم جاءت كلمات نزار فرنسيس لأغنية "يا ميمة" التي غناها عاصي الحلاني وأغنية "نص القلب" التي غنتها نوال الزغبي. وأغنية "ما وعدتك بنجوم الليل" التي كتبها ميشال جحا لوائل كفوري، و"مغرومة" التي كتبها عصام زغيب لنجوى كرم.

هذه الأغاني ليست إلا غيضاً من فيض نتاج التسعينات الذي اتسم بالاعتماد على نص شعري لا يستمرئ المفردة ولا ينقاد نحو خطاب الشارع.

"الحكي" بدلاً من القصيدة

بالتزامن مع طوفان التيكنولوجيا التي "رقمنت" كل شيء، صارت المنابر مشرعة على صنوف النشاطات كلها، فتكاثر الممثلون والشعراء والمغنون، سواء كانوا أصحاب موهبة أم متطفلين على التسميات، وصار لكل منهم قناته الخاصة ومنصات شخصية للتخاطب والتفاعل مع الجمهور.

ولم تعد هناك معايير نقدية تحكم المنتج الفني وتضبط جودته، حيث لوحظ، في الأعوام القليلة الماضية، مَيل طيف واسع من المغنين نحو أغنية توصف اصطلاحاً بأن "كلامها سهل وبسيط"

أقوال جاهزة

شارك غرد"الطلقة الروسية"، "أصابيع رجليكي" وأغاني أخرى تحقق انتشاراً كبيراً… هل الجمهور "عايز كدا"؟

شارك غردرحلة كلمات الأغنية العربية الحديثة من "ميّال" و"ياميمة" إلى "الفرقة الرابعة" و"القوات الخاصة" و"الطلقة الروسية"

والحديث هنا عن نصوصٍ خاليةٍ من الصور والتراكيب الحسيّة الّتي قد "تُجهد" المستمع وتدفعه للبحث في معنى الجملة ودلالاتها.

يرى المؤلف والموزع الموسيقي، فادي مارديني أن الجميع صار يبحث عن الانتشار السريع الذي تضمنه الأغاني ذات الكلمات السهلة.

"علينا أن نعترف بصعوبة تسويق الأغنيات المصنوعة بصورةٍ كلاسيكية، فالمغنون المعنيّون بالدفاع عن الفنّ أولاً، والشهرة والانتشار ثانياً، باتوا قطعاً نادراً".

هو يرى أنه حين تنجح أغنية ما يتهافت أغلب الباحثين عن صعود سريع لتقليدها ظناً منهم أنها وصفة مضمونة للتمدد جماهيرياً.

لكن "الحكي"، أو كلمات الأغاني التي تشبه الكلام اليومي المحكي بعفوية، في الأغنيات الحديثة ليس وليد المرحلة. هو موجود وحاضر في الموروث الشعبي.

ففيروز مثلاً، غنّت "هالسيارة مش عم تمشي، بدا حدا يدفشها دفشة"، وغنت صباح "تغدّيني خبزة وزيتونة وتعشّيني بطاطا".

وضمن السياق نفسه، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تحضر تجربة تانيا صالح التي قدمت ألبوماً غنائياً كاملاً مالت نصوصه نحو الكلام الدارج، وأدارت ظهرها للشعر. فلاقت أغنيتها "عمر وعلي" رواجاً لا بأس به لدى الجمهور.

الفارق بين ما طُرح قبلاً، وبين "هيتّات" (Hit) المرحلة الراهنة، هو لهاث صناع أغنية اليوم خلف "الكلمة المحروفة".

لكن ما هي الكلمة المحروفة؟

"الكلمة المحروفة" مصطلح شائع في الوسط الغنائي اليوم، ويستخدم للدلالة على المفردة، أو الجملة، الفاقعة الخارجة عن المألوف في الشعر والتداول.

ويلجأ إليها بعض كتاب الأغنية بحجة أن "الكلمة الغريبة بتعلق عند الجمهور".

"الطلقة الروسية"، "عم نام عالواقف"، "الطاقة الإيجابية"، "كيماوي" هذه "الكلمات المحروفة" شكلت عناوين لأغنيات حققت، ولا زالت تحقق، انتشاراً واسعاً لدى شريحة لا بأس بها من المتلقين.

هل الجمهور "عايز كدا" فعلاً؟

يقول يزن الصباغ، الملحن السوري الشاب، "أتمنى ألا أُضطر لتلحين ما يسمى اليوم بكلام السوق، فأنا أستغرب، أصلاً، قدرة بعض الملحنين، والذين يفترض أنهم موسيقيون، أستغرب قدرتهم على تأليف لحن وكتابة موسيقى تناسب كلاماً لا حس فيه".

وهو يرى أن "الاستكانة إلى كلمة محروفة والاتكاء على مفردة فاقعة"، بحجة أنها تساهم في جعل الأغنية ترسخ في ذاكرة المستمع، هو دليل على ضعف أدوات الملحن.

لكن هناك صوتاً آخر يرى أن لكل زمان دولة ورجال، ولكل عصر كلماته وأغانيه.

فيقول أحد الملحنين، وله أكثر من أغنية رائجةٍ في السوق، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه: "الفن متبدل ونحن، في المحصلة، جزء مع منتج اسمه الأغنية، لا نستطيع أن نغرد خارج سرب السوق طالما أننا نعتاش من التلحين".

ويتساءل إن كان الناس يتذكرون أغنية " دي دي وا" للشاب خالد التي ردّدها الجمهور طوال عقد ونصف من الزمن دون أن يفكروا أو يسألوا أو يرهقوا أنفسهم في البحث عن معنى الكلمات.

"هذا ما يعاد تدويره اليوم، الجميع يبحث عن الأغنية البسيطة لأنّ "الجمهور عايز كده".

لكن الصباغ يرى أن الجمهور ليس لوناً واحداً نسميه حسب هوانا. "إذا كان النّاس يلهثون خلف اليوميات ويرفضون الشعر الوازن، كما يقول البعض، فكيف نفسر النجاح الكبير لأغنية "أصابكَ عشقٌ"، حيث القصيدة تراثية ومكتوبةٌ باللغة العربية الفصحى، وقام بتلحينها وغنائها عبد الرحمن محمد؟".

لكن الحمزاوي لا يبالي. يستمر في إنتاج ألبومه الجديد، ويدافع عنها بشراسة. فهل سيجد بين المخابرات، والجيش والحرب ومصطلحاتها أيدٍ تصفق له وتمجد أغانيه؟

كلمات مفتاحية
الموسيقى

التعليقات

المقال التالي