شادية "معبودة الجماهير"... حكاية تمرد على الفن والمجتمع والسياسة

شادية "معبودة الجماهير"... حكاية تمرد على الفن والمجتمع والسياسة

من يقول إن "حكمت"، بسيطة القلب والعقل، التي ينحصر حلمها في الزواج بـ"أناناس" في فيلم "بنات حواء"، هي نفسها "فؤادة" التي تنجح في إنقاذ قرية بأكملها من ظلم حبيبها القديم، في فيلم "شيء من الخوف"؟

من يقول إن من غنت "ألو ألو إحنا هنا" أو "دور عليه تلقاه"، بخفتها وبساطتها، هي التي غنت "همس الحب" و"الحب الحقيقي"؟

ولكن فاطمة أحمد شاكر، المولودة في 8 فبراير عام 1931، نجحت في ذلك على الصعيدين الفني والاجتماعي.

البداية كانت في عمر الستة عشر عاماً، بإعلان من المخرج أحمد بدرخان، عن طلب وجوه جديدة للتمثيل في فيلمه الجديد، عام 1947، فتقدمت فاطمة وغنت ومثلت ونالت الإعجاب، بعد أن كانت قد مثلت كـ"كومبارس" في فيلم "أزهار وأشواك"، مع المخرج محمد عبد الجواد.

وقع بدرخان عقداً مع فاطمة لمدة 5 سنوات، مقابل 25 جنيهاً عن كل عمل، لكنها لم تمثل. وبعد شهور كان المخرج حلمي رفلة يبحث عن بطلة لفيلمه "العقل في إجازة" أمام محمد فوزي، فرشحها بدرخان لرفلة، وهنا اختاروا لها اسماً فنياً وهو "شادية".

حقق الفيلم نجاحاً كبيراً، وتوالت عليها الأعمال الخفيفة بعد ذلك، لتشتهر شادية بلقب "دلوعة الشاشة"، وتشترك في حوالى 90 فيلماً (من أصل 112)، خلال السنوات العشر الأولى من حياتها الفنية، منها حوالى 30 فيلماً مع كمال الشناوي الذي كونت معه ثنائياً فنية شهيراً خلال حقبة الخمسينيات.

يقول الناقد الفني طارق الشناوي إن هذه الفترة مثلت مرحلة التجريب والانتشار بالنسبة لشادية، وتركت انطباعاً عند الجمهور بأنها الفتاة اللطيفة التي تمثل الوجه العذري، الساذج أحياناً، لدرجة أن نجيب محفوظ قال عنها في أحد الحوارات إنها فتاة رقيقة تمثل الجمال والخفة لكنها لا تصلح لتمثيل رواياته، لعمقها الذي لا يناسبها.

أقوال جاهزة

شارك غردقال نجيب محفوظ عن شادية إنها فتاة رقيقة تمثل الجمال لكنها لا تصلح لتمثيل رواياته لعمقها، فمثّلت في 4 منها

شارك غرد"معبودة الجماهير" التي لم تتوقف عن مفاجأة الجميع بفنها.. حتى ارتدائها الحجاب واعتزالها عالم الفن نهائياً

إلا أن شادية نجحت في إقناع الجميع بأنها قادرة على أداء أكثر الأدوار تعقيداً، في فترة الستينيات، وخيّبت ظنون كل مَن حكموا عليها بعدم قدرتها على أداء أدوار عميقة.

فقد مثلت في 4 أفلام مستقاة من روايات لنجيب محفوظ نفسه، وهي اللص والكلاب، زقاق المدق، ميرامار، والطريق، ما أبهر نجيب محفوظ، وجعله يعبّر عن ذلك في لقاءات صحافية وقتها.

ولا يُنسى دورها في فيلم "شيء من الخوف"، من إخراج حسين كمال، وقصة ثروت أباظة، والذي رشح لمهرجان موسكو السينمائي عام 1969:

لعل النضج الفني الذي وصلت إليه شادية، كان سببه نضجها فكرياً واجتماعياً. فقد كانت في هذه الفترة صديقة مقربة لعدد كبير من مثقفي مصر، وعلى رأسهم الكاتب الصحافي مصطفى أمين الذي كان بيته يعج بسهرات صفوة المجتمع، ومنهم كامل الشناوي، كمال الملاخ، أنيس منصور، أحمد رجب، موسى صبري، ومن الفنانين محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ.

أكسبها ذلك وعياً بضرورة انتقاء أعمالها، والانتقال من أدوار الفتاة المدللة إلى شخصيات أكثر عمقاً، خاصة أن مصطفى أمين كان دائم النصح لها بذلك، بحسب ما ذكرت شادية في عدد من لقاءاتها الإذاعية، وذكره مصطفى أمين نفسه، ونقله كتاب "مصطفى أمين... فكرة لا تموت" لمحمد مصطفى.

في مرحلة النضج، قدمت شادية 10 مسلسلات إذاعية أشهرها "نحن لا نزرع الشوك" الذي تحول إلى فيلم، و"صابرين".

وفي المسرح قدمت عملاً واحداً هو "ريا وسكينة"، ولقي نجاحاً ساحقاً، وقد يكون السبب، بجانب جودة العمل وحسن أداء شادية، شوق الجمهور لأن يراها على خشبة المسرح، خاصة أن العمل عُرض عام 1983، أي بعد أكثر من 30 عاماً على بدء مسيرتها الفنية، بحسب طارق الشناوي.

صوت بتعريفة وفن بمليون

"الخامة كويسة، وبالاجتهاد والإخلاص ستنجح"، كان رأي أم كلثوم في شادية، ولكنها علّقت بأن صوتها خفيف لا يصلح لكل الأعمال.

كذلك كان يرى محمد عبد الوهاب، الذي قال إن "صوتها بتعريفة، وفنها بمليون جنيه" في إشارة إلى خفتها. وكذلك قال كمال الطويل في لقاء إذاعي، إن صوتها جيد أكثر في اللون الخفيف.

وذكرت ذلك شادية نفسها، في أكثر من مناسبة. لكنها تحدت ما قيل عنها، وطوعت هذا الصوت الخفيف لأداء أغانٍ طربية بعد ذلك.

كانت الأغاني الخفيفة سمة مميزة لشادية في الأفلام التي كانت تؤديها في البدايات، من ألحان منير مراد الذي قدمت معه عشرات الأعمال، مثل "يا سارق من عيني النوم".

وكذلك، "سوق على مهلك".

لكنها انتقلت إلى لون أكثر نضجاً وعمقاً، خلال المرحلة الوسيطة، فقدمت أغنيات مثل "إن راح منك يا عين".

وقدّمت اللون الشعبي التي اشتركت فيه مع بليغ حمدي، في أكثر من عمل مثل "قولو لعين الشمس ما تحماشي".

وأخيراً، كان الرد على خفة صوتها، بأداء أغنيات طربية تحتاج إلى صوت قوي ناضج، واستعانت في ذلك بالوجه الصاعد وقتها، الموسيقار خالد الأمير، فقدمت "اتعودت عليك".

و"الحب الحقيقي".

يقول الناقد إسماعيل فايد إن صوت شادية من أكثر النماذج المثيرة للدراسة، لقدرتها الاستثنائيّة على إعادة تشكيل صوتها البسيط، لأداء أعمال قد تبدو أصعب من إمكانيات صوتها، تحتوي على قرارات أو جوابات قوية، ما يجعله يقع ضمن تصنيف "سوبرانو" أو الصوت الرفيع، ولكن براعتها جعلتها تستطيع إعادة تشكيله، كي يؤدي في مساحات أكثر اتساعاً.

السياسة والوطن

المراهقة التي دخلت عالم الشهرة، كأنثى بسيطة، اشتبكت مع المجال العام، ولا سيما السياسي، مع نضجها، فاشتركت في فعاليات قطار الرحمة بعد ثورة 23 يوليو، لإغاثة أهالي صعيد مصر.

وفي الستينيات تسببت صداقتها لمصطفى أمين في انتشار شائعات عن علاقة خاصة بينهما، وهناك من قال إنها تزوجته عرفياً. وبعد سجن مصطفى أمين في قضية التجسس على جمال عبد الناصر زارته شادية في محبسه، رغم أن الأمر كان كفيلاً بإيذائها، خاصة أن القضية التي اتُّهم فيها أمين كانت شديدة الحساسية، وجاءت تفاصيل الحكاية في كتاب "حكايتي مع عبد الناصر" لمصطفى أمين.

وكان الغناء السياسي أو الوطني من السمات المميزة لشادية، فقد اشتركت في أوبرايت "الوطن الأكبر".

وغنت رثاءً لجمال عبد الناصر.

واشتهرت بأيقونتها الشهيرة "يا حبيبتي يا مصر".

و"مصر اليوم في عيد" التي شدت بها بعد تحرير سيناء.

الرومانسية وحب الأطفال

كانت شادية الرومانسية تبحث عن الاستقرار الاجتماعي، وكانت تحب الأطفال، إلا أنها فشلت في الزواج، فتمردت عليه نهائياً، بحسب ما ذكر سامي كمال الدين في كتابه "سيرة شادية معبودة الجماهير".

فقد تزوجت 3 مرات، الأولى من الفنان عماد حمدي عام 1953، وانفصلت عنه بعد 3 سنوات، بعد صفعة على وجهها، خلال حفل أمام أصدقائها، بسبب الغيرة، بالإضافة إلى وجود خلاف مستمر حول رغبة شادية في الإنجاب ورفض عماد حمدي.

أما الزواج الثاني فكان من المهندس بالإذاعة المصرية، فتحي عزيز، عام 1957، وكان قريباً من عدد من الفنانين، وهم عمر الحريري وميمي شكيب وزوزو شكيب.

حملت منه شادية وأجهضت في شهرها الثاني، ثم انفصلا لأكثر من سبب، منها رغبة شادية في تمثيل فيلم أمام طليقها "عماد حمدي"، الأمر الذي كان يرفضه زوجها، وتم الطلاق عام 1959.

أما الزواج الثالث فكان من الفنان صلاح ذو الفقار الذي كوّن معها ثنائياً فنياً في السينما أيضاً، فتزوجا عام 1964، واستمر زواجهما 7 سنوات، تخلله انفصال ثم صلح. وحملت شادية خلال هذا الزواج مرتين، إلا أن الإجهاض كان سيد الموقف دائماً.

يقول سامي كمال الدين إن شادية لا تحب في حياتها أحداً بقدر الأطفال، وبعد أكثر من إجهاض وزيجة فاشلة، قررت ألا تتزوج مجدداً، وأن تكرس جهدها لأولاد إخوتها، خاصة بعد اعتزالها الفن.

في حياة شادية، أكثر من قصة حب فاشلة، أشهرها كانت مع الفنان فريد الأطرش، الذي ارتبطت به بعد انفصالها عن عماد حمدي، وقبل الارتباط بفتحي عزيز، وقد اتفقا على الزواج بالفعل، ولكن يبدو أن فريد كان لا يحب قيود الزواج، ويهوى انطلاقه وسهراته التي كانت بلا قيد، فانتهت العلاقة العاطفية بينهما.

القصة الأخرى الشهيرة لشادية كانت قبل الشهرة، وأثناء مراهقتها، مع ضابط بالجيش المصري كان يسكن بجوار منزلها، لكنه استشهد في حرب فلسطين عام 1948. وترك الأمر أثراً كبيراً في نفسها، بحسب ما ذكرت في حوار صحافي قديم مع مجلة "سيدتي".

الاعتزال

قلّ الإنتاج السينمائي لشادية في السبعينيات والثمانينيات، مع نشاط غنائي كان آخره أغنية "خد بإيدي"، تلك الأغنية الدينية التي كانت تحمل مناجاة لنبي الإسلام، فتقول: "وآدي حالي وحال جميع المؤمنين، اللي آمنوا بالنبي الهادي الآمين، اللي جه رحمة لكل العالمين، يا نبينا يا ختام المرسلين: خد بأيدي، خد بإيدي، خد بإيدي".

مرضت شادية في هذه الفترة وسافرت إلى أمريكا للعلاج، وبعد أن عادت سافرت إلى مكة المكرمة لأداء العمرة.

ويروي محمود جامع في كتابه "عرفت الشعراوي" أن شادية قابلت الشيخ محمد متولي الشعراوي هناك بالصدفة لدى ركوبها المصعد، فعرفته بنفسها قائلة: "عمي الشيخ الشعراوي، أنا شادية"، فرحب بها، ثم قالت: "ربنا يغفر لنا"، فرد عليها: "إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء".

بعد تلك الزيارة وجدت شادية نفسها غير قادرة على العمل، وذهبت إلى الشيخ الشعراوي، واشتكت له عدم قدرتها على حفظ كلمات أغان بعد أغنية "خد بإيدي"، رغم أنها قررت أن تنتج أعمالاً دينية مثلها، فقال لها الشعراوي إن في الأمر إشارة إلهية بوجوب الاعتزال.

ويحكي سامي كمال الدين أن تلك الظروف تزامنت مع وفاة أخيها كمال شاكر، وقد أوجعتها وفاته، وكذلك العمر الذي كان قد بدأ يتقدم بها، وهي التي كانت تريد الحفاظ على صورتها في نظر جمهورها، فكان قرار الاعتزال عام 1986.

التزمت "معبودة الجماهير"، وهو اسم فيلمها مع عبد الحليم حافظ، منزلها بعد ارتداء الحجاب، وصارت ترفض المشاركة في أي مناسبة عامة، رغم العروض التي انهالت عليها، حتى أنها رفضت الخروج من منزلها للتكريم في مهرجان القاهرة السينمائي.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي