"أنا مخير أم مسير؟" السؤال التعجيزي وكيف تصارع الأئمة والفلاسفة بسببه

"أنا مخير أم مسير؟" السؤال التعجيزي وكيف تصارع الأئمة والفلاسفة بسببه

هل الإنسان مخيّر وحر ومسؤول عن أفعاله أم هو مسيّر؟ إنه السؤال الدائم حول الجبر والاختيار. داعب هذا السؤال أذهان الناس في كافة العصور، وتناولته كافة المذاهب في كافة الأديان بطرق مختلفة، واختلف عليه الفلاسفة، بينما حاول العلم في وقت متأخر الإجابة عليه على طريقته الخاصة.

ونفس الأمر قد حدث، على نحو جاد وشديد الثراء، في صولات وجولات فكرية شهدها التاريخ العربي والإسلامي. فأدلى الأئمة والمتكلمون والفلاسفة بإجابات تتناقض أو تتكامل، حتى أن جزءاً مهماً من الصراع المذهبي والفكري وحتى السياسي في تاريخنا كان مصدره هذا السؤال.

انقسمت الفرق الإسلامية في القرون المبكرة من الهجرة حول مسألة الجبر والاختيار، أشهرهم في هذا الأمر هم "الجبرية" و"القَدرية" ثم أتى من بعدهم الأشاعرة ليقدموا حلاً وسطاً بين الفرقتين السابقتين ثم خالفتهم الماتريدية ومن بعدها السلفيون.

ولم يتوقف الأمر عند السؤال عن الإنسان وهل هو صاحب إرادة وقدرة على الإتيان بأفعاله أم لا، فهذه الحيرة قد جرَّت بدورها إلى التساؤل عن إرادة الخالق وقدرته وعلمه المسبق بالأشياء أيضاً، إذ لم يكن من الممكن التفريق بين هذين السؤالين فكلاهما كان يؤدي دائماً إلى الاستفهام عن الآخر.

الجبرية

لا نعرف على وجه التحديد من هو أول مَن قال بهذا المذهب لكن أشهر رواده هم "جهم ابن صفوان" و"جعد بن درهم"، وخلاصة أفكارهما تنبني على فكرة أن الله هو خالق كل شيء وليس هناك كائن أو حدث يجري في العالم إلا وصانعه هو الله، فلا يصح أن نشرك معه الناس في الخلق وإلا اعتبر ضد التسليم بالوحدانية المطلقة.

أقوال جاهزة

شارك غردهل الإنسان مخيّر وحر ومسؤول عن أفعاله أم هو مسيّر؟ صولات وجولات فكرية شهدها التاريخ للإجابة عن هذا السؤال

شارك غرد"لماذا خلقنا الله وهو يعلم ما سيحيق بنا من عذاب وشر؟" كيف تجيب الفرق الإسلامية المختلفة عن هذا السؤال

واعتبرا أن الأفعال تُخلق كالكائنات، لذلك فإن القول بقدرة الإنسان على خلق أفعاله هو إشراك بالذات الإلهية في فعل الخلق الذي يختص به الله وحده، ومناقض أيضاً للإيمان بقدرته التي تشمل كل شيء، فالتسليم بقدرة الإنسان على الاختيار يماثل أن ننزع القدرة عن الله في بعض الأمور وننسبها إلى عباده.

يشبه ذلك ما نقوله عن الشجرة، أنها نمت وهي لم تنمُ من نفسها لكن الله نمَّاها، وأن البناء قد قام، وهو لم يقم بذاته لكن تدخلت قدرة خارجية وقامت بفعل البناء، ونفس الأمر عندما نقول أن زيداً بنى بيتاً، فقيام زيد بفعل البناء ما هو إلا تعبير وهمي، والحقيقة هي أن الله هو الذي قام بذلك الفعل وخلقه، والإنسان مسير في كل أموره ومجبور في كل أفعاله، ودخول الجنة أو النار هو تكليف وجبر من الله لا اختياراً من العبد.

القَدَرية

أتت القدرية بأفكار مناقضة تماماً لتلك التي قالت بها الجبرية، وقد نسب إليهم هذا الإسم المشتق من كلمة "القدر" على الرغم من أنهم نفوا تماماً وجود هذا القدر، وآمنوا بأن الإنسان هو صانع أفعاله وأن علم الله المسبق بالأمور لا يعني إجبار الناس على تنفيذ الفضائل أو الذنوب، لكن قلة منهم قد قطعوا الطريق إلى نهايته في هذا الأمر فنفوا وجود الإرادة الإلهية والعلم الأزلي المسبق لله بالمستقبل.

ولعل أهم الفرق التي اشتركت مع القدرية في بعض هذه الأفكار هم المعتزلة، لكن مذهب المعتزلة كان أشمل من الاتكاء على هذه الفكرة وحدها. فقد انفردوا بأفكار أخرى حول التوحيد والعدل الإلهي وحكم مرتكب الكبيرة وغيرها، وعلى عكس بعض القدرية أثبتوا وجود الإرادة الإلهية وعلم الله الأزلي بالأمور.

المعتزلة

مؤسس مذهب الاعتزال هو "واصل ابن عطاء" وكان تلميذاً للحسن البصري لكنه خالفه في بعض الأمور واعتزل دروسه فقيل "اعتزلنا واصل" ومن هنا جاء الإسم الذي أطلق على أصحاب هذا المذهب الذي ساد في أواخر القرن الثالث وخلال القرن الرابع الهجري.

عرف عنهم إيمانهم المطلق بالعقل وقدرته على التوصل إلى معرفة الله، وإلى استخدام هذا العقل في تفسير النصوص وتأويلها.

وخلاصة أفكار المعتزلة حول مسألة الجبر والاختيار تتلخص في تسليمهم المطلق بمبدأ العدل الإلهي، فعلى عكس الجبرية رأى المعتزلة أن الإيمان بأن الله يجبر العبد على أفعاله سواء كانت خيراً أم شراً يتنافى تماماً مع الإيمان بعدل الله الذي يعتبر مبدأً أساسياً في الإسلام، فإن كان الإنسان مجبوراً في كل ما يفعل فلماذا يحاسبه الله في النهاية ويجازيه عن المعاصي بدخول النار ويكافئه عن الفضائل بدخول الجنة؟

ورؤوا أن الجبرية بهذا القول يدعون على الخالق أن يكون ظالماً لعباده، والمعتزلة مثلهم مثل الكثير من الأئمة والمحدثين رأوا أن الإيمان بالجبر يسوِّغ للناس فرصة الإتيان بالذنوب على اعتبار أنهم مجبورون عليها ليس إلا.

ولكي يجدوا مخرجاً من المعضلة التي أثارها الجبرية حول تعارض الإيمان بقدرة الإنسان على الاختيار وبين وحدانية الله وقدرته المطلقة على خلق الأشياء والأفعال، فقد رأى المعتزلة أن الله يمنح الناس قدرة مسبقة على الإتيان بأفعالهم لكنه لا يتدخل في اختيارهم لآداء الفعل من عدمه، وبذلك تكون القدرة كلها لله ويبقى الإنسان حراً يفعل ما يشاء وبذلك يكون مستوجباً العقاب والثواب في الآخرة.

القدرية، الجبرية، المعتزلة، الأشاعرة... والصراع حول الجبر والاختيار. هل الناس مخيّرون أم مسيّرون؟

لكن المسألة لم تقف عند هذا الحد فقد كانت أكثر تعقيداً لدى المعتزلة، ولأنهم أهل عقل فقد مضوا في الجدال والتحليل العقلي إلى آخره، فربطوا سؤال الجبر والاختيار بأسئلة أخرى عن قدرة الله على فعل الخير والشر، فإن كان الإنسان يختار أفعاله ويستعين بالقدرة التي وضعها الله في داخله على القيام بها، وإن كان ذلك مقبولاً على مستوى الإتيان بفعل الخير، فهل يقبل على مستوى أفعال الشر فننسب لله إعانة الناس على الإتيان بالقبيح؟

ولذلك فقد ذهب الكثيرون منهم إلى القول بأن القدرة الإلهية تنحصر في فعل الخير، فلا يجوز على الله أن يأتي بالشرور، أي أن طبيعة الذات الإلهية الخيرة تفرض عليها ذلك.

وقد كان "إبراهيم النظام" أحد أعلام المعتزلة يثير الجدل الحاد حول مسـألة أخرى مبنية على نفس إشكالية "الجبر والاختيار" فذهب إلى نفي الإرادة الإلهية معللاً ذلك بأن الإرادة تعني الحاجة إلى فعل شيء ما والله لا يحتاج أي شيء، وإنما إذ نقول أن الله يريد شيئاً فإن ذلك يعني أنه حققه وأذا قلنا أنه كلف بشيء فإن ذلك يعني أنه أمر به. وتصور عذاب النار على أنه ينتهي بإحراق الجسم أي أن العذاب لا يكون أبدياً، بحسب عرض تي. جي. ديبور لأفكاره في كتابه "تاريخ الفلسفة الإسلامية".

وخالف النظام أغلب المعتزلة في القول بهذه الأمور، وربما تكون بعض هذه التصورات قد تولدت في ذهنه نتيجة ارتباط مسألة الجبر والاختيار بالعقاب والثواب في الآخرة. فإن كان الله بحكم علمه السابق بالمستقبل يعرف أن عبده سيُجازى بالعذاب المتصل الشديد في الآخرة فلماذا خلقه من الأساس بكامل إرادته؟

الأشاعرة

ينسب المذهب الأشعري إلى "أبي الحسن الأشعري" وقد كان أحد أئمة المعتزلة إلا أنه قرر الخروج عليهم ومحاربة مذهبهم، ويبدو أنه كان قد كلف نفسه بمهمة شاقة وهي التوسط بين كل المذاهب وإيجاد طريق جامع لكل الأفكار التي اختلف المتكلمون والأئمة عليها، وسوف يصبح هذا المذهب منذ ذلك الوقت هو المذهب الرسمي لأهل السنة ولقرون طويلة.

كانت وجهة نظر الأشعري تجاه مسألة الجبر والاختيار محاولة للتوفيق بين الجبرية والقدرية كمثل محاولاته للتوسط في سائر الأمور الاخرى، فقد رأى أن الإنسان حر في أفعاله وأن الله القادر على كل شيء هو الذي يخلق سائر الأفعال بما فيها الأفعال البشرية في نفس الوقت. ولأجل التوفيق بين هاتين النظرتين المتناقضتين ميز بين الفعل والكسب، ففعل البناء مثلاً هو من عند الله ومخلوق له وينسب للذات الإلهية لا لأحد غيرها، أما الكسب فهو قيام العبد بكسب "فعل البناء" بإرادته الحرة فكأنه يكسبه لنفسه.

لكن الأشعري رأى أيضاً أن حتى فعل الكسب يحدث فقط إذا حدث توافق بين الفعل الذي خلقه الله وبين إرادة العبد. ورأى أن الجبرية يفترون على الله حين يقولون بالجبر، وكذلك القدرية حين يقولون بقدرة العبد على الإتيان بالأفعال من دون الله.

الماتريدية

نسبة للشيخ "أب المنصور الماتريدي"، وقد توسط في وجهة نظره بين الأشاعرة والمعتزلة، فرأى أن الإنسان حر في أفعاله غير مجبور عليها، وهو يفعل ذلك بالقدرة التي يمنحها الله إياها لفعل الأشياء، وهو بذلك يكون قد اقترب كثيراً من مذهب المعتزلة، لكنه يتفق مع الأشعري في التمييز بين الفعل والكسب، فيرى أن الفعل يخلقه الله لكن الكسب يكون منفرداً به العبد وحده على عكس الأشعري.

ويرى أيضاً أن محاولة التوفيق التي جاء بها الأشعري جعلته يميل لأن يكون مثل الجبرية الذين كان قد انتقدهم بنفسه، أي الأشعري، بسبب تسليمه بأن فعل الكسب يحدث إذا توافقت الإرادة بين الإنسان والله أي أن الإنسان لا يكسب فعلاً إلا إذا سمح الله بذلك، فيكون بهذا الأمر قد نفى تماماً حرية الإنسان في خلق أفعاله أو حتى كسبها.

وقد رأي الإمام "بن حزم" وكذلك "بن تيمية" نفس الأمر في الأشعري باعتباره قد أصبح جبرياً دون أن يدري أو على الأقل "نصف جبري".

الخلق بالطبع أم بالإرادة

ربما يكون أكثر من تناولوا هذه المسألة هم فلاسفة المسلمين دون المتكلمين، والمقصود بالخلق بالطبع هو أن طبيعة الذات الإلهية هي التي أوجبت فعل الخلق نفسه، بمعنى آخر أن الذات الإلهية لم تخلق نتيجة لإرادة الخلق إنما فرضت عليها طبيعتها ذلك، لذلك يتخذ فعل الخلق لديهم تعبير آخر وهو "الصدور"، أي أن المخلوقات قد صدرت عن الإله دون أن تكون الإرادة الإلهية تدخلت في ذلك.

وكان للفارابي وابن سينا محاولات كثيرة في هذه التصورات، ويبدو أن مسألة الجبر والاختيار عند الإنسان قد تلاشت هذه المرة لديهم، نتيجة لأن هذه المعضلة كانت تأتي دائماً من مواجهة الإرادة الإنسانية بالإرادة الإلهية، أيهما موجودة وأيهما منعدمة.

وبمجرد أن نفى هؤلاء الفلاسفة وجود "الإرادة الإلهية" اتخذت المسألة أبعاداً مختلفة، فأصبح الإله لديهم يعمل طبقاً لطبيعته الذاتية لا لإرادته، وهكذا الإنسان أيضاً يعمل نتيجة لطبيعته التي خلق عليها "أو صدر عن الله بها" لا لإرادته، فيتلاشى السؤال عن الاختيار أصلاً عندما تتلاشى فكرة الإرادة.

وقد كان لإخوان الصفا تخيل قريب من هذا الأمر أيضاً بالإضافة إلى أنهم أنكروا وجود النار والعذاب الأخروي من أساسه، لكن أبا بكر الرازي، الطبيب والفيلسوف الشهير، تصور قصة أخرى للمسألة أنكر فيها الخلق بالطبع وبالإرادة معاً، فجعل الأرواح قديمة أزلية مثل الذات الإلهية، وأن هذه النفوس هي التي طلبت من الله أن تلبس أجساداً وتنزل إلى العالم، فأجاب الله طلبها وهو يعرف ما سيحيق بها من مصاعب، هنا يصبح لدى الرازي الله والإنسان كاملي الإرادة قادرين على الاختيار، وتختفي أسئلة معضلة مثل "لماذا خلقنا الله وهو يعلم ما سيحيق بنا من عذاب وشر؟" لكنه في النهاية تصور فردي لم يلق انتشاراً.

كما يذكر أن بعض القدرية والمعتزلة ذهبوا إلى أفكار قريبة الشبه بفكرة الخلق بالطبع فنفوا الإرادة الإلهية الأزلية والعلم الإلهي الأزلي بالمستقبل، وربما يكون هذا قد حدث نتيجة للأسئلة التي ولدتها لديهم معضلة "الجبر والاختيار".

يونان سعد

شاعر وصحافي مصري له كتابات في مواقع عربية مختلفة ويهتم بالإشكاليات الثقافية العالمية وانعكاساتها على واقع العرب.

التعليقات

المقال التالي