لماذا عرض "مولانا" في مصر ومنعته دول أخرى منها لبنان؟

لماذا عرض "مولانا" في مصر ومنعته دول أخرى منها لبنان؟

"هنا ظهرت التفرقة بين العمل والإيمان، حاجة كده، زيّ الجواز حاجة والحبّ حاجة تانية".

"شيخ الجامع يرضي الله، شيخ التلفزيون يرضي الزبون، وإذا عرف يرضي ربّنا في وسط كلّ ده، يبقى خير وبركة".

"الأمر يبدأ طول الوقت بالسياسة".

"ثم لما قابلها كان كأنما عثر على عائشته، فاقتطعت من قلبه الأورطي واستعارته عمراً".

هذا بعض ما جاء على لسان الشيخ الأزهري حاتم الشناوي، بطل رواية "مولانا" لابراهيم عيسى.

هو خطيب الجامع الصغير الذي أصبح نجماً، هو النجم التلفزيوني الذي دخل عالم السياسة والاستخبارات ومغريات النساء، هو الذي انتقد فتاوى دينيّة وساوى السنة بالشيعة وأحب المعتزلة بينما يعتبرها علماء السنة فرقة ضالة.

هو من أحرج التيار السائد، فأخرج رجل الدين من جنس ملائكة وجعله إنساناً يمكن أن نحبه ونكرهه في الآن نفسه. وهو من قال إن "الناس يشعرون بالرضا أن رجلاً مثلهم وقح أحياناً في كلامه، مادي في طلباته، طريف في ملاحظاته هو نفسه داعية ومفتي كأنهم يدركون فيستريحون أن هؤلاء الشيوخ ليسوا قريبين من الله إنما قريبين منهم".

الدخول في كواليس الصراعات وتبادل المصالح بين الدين (الأزهر تحديداً) والسلطة، جعل رواية ابراهيم عيسى الصادرة في العام 2012 مثار جدل واسع مصرياً وعربياً. خرج علماء دين ليُكفّروا عيسى، وآخرون لينتقدوا مسّه بمكانة الأزهر.

"شفت الساسبنس يا مولانا"، هكذا قال المخرج بفخر للشيخ في إحدى الحلقات التلفزيونية التي يتابعها أربعة مليون مصري. وهكذا فعل عيسى، فتحوّلت الرواية إلى فيلم أخرجه مجدي أحمد علي، وفتح به الصراع على مداه، في وقت يتصاعد فيه التطرّف الديني وحالة التقديس لكلّ ما يتعلّق بالدين.

"الاحترام رغم التعهّر"

يقارب الفيلم مواضيع شديدة الحساسية، ليس أقلها فساد شيوخ من الأزهر بل أيضاً حال الطائفة المسيحية وتبديل مسلمين لدينهم وموقف الشيوخ منهم، كما موضوع التشيّع والفتاوى الدينية الغريبة كـ"إرضاع الكبير" وطريقة عمل الأجهزة الأمنية. مع ذلك لم يُمنع عرضه في مصر كما كان متوقعاً، ولكنه منع في دول عربية أخرى مثل لبنان والكويت والإمارات.

يسير "مولانا"، الذي لعب دوره بإتقان الممثل عمرو سعد، في حقل ألغام، بعد تحوله من خطيب جامع عادي إلى نجم تلفزيوني فضائي، يحاول الشناوي تقديم رسالة دينية بشكل عصري من دون أن تنفّر المتلقي أو أن تخدش النظام السياسي. يكثر حوله المعجبون، وتتدفق الأموال إلى حساباته المصرفية، فيعيش صراع الفقيه المستنير الذي يخاف الله ومجاراة السلطة وأذرعها الأمنيّة.

MAIN_Maulana2-(film)

ينجح في التوفيق بين الاثنين تلفزيونياً، بينما يبدو ساخراً، لائماً نفسه أحياناً، عندما ينطفئ ضوء الكاميرا الأحمر الذي تصفه الرواية في إحدى المرات بالقول "عندما يتأمل هذا الضوء الأحمر الذي ينير مستطيلاً فوق الكاميرا يدرك تأهب المستعرضين للاستعراض، هو الضوء الذي حين يظهر يفجر تلك القوة الكامنة على التلون.. الكل يتحول بهذا اللون الأحمر القاني فيحمر". وفي مرة أخرى "بين كونك كائناً بشرياً وبين تبدلك كائناً تلفزيونياً استعراضياً، التحول إلى الانبساط رغم الضيق.. وإلى الجدية رغم التهتك وإلى الوقار رغم المسخرة وإلى الاحترام رغم التعهر".

يشكّك الشناوي في عذاب القبر، ويقول إن في "صحيح البخاري" أحاديث ضعيفة، ثم يرى أن احتفال المسلمين بأن شخص مسيحي أتى إليهم هو اعتقاد واهم سببه شعورهم بأنهم أقل قدرة، وهو نوع من التعويض، بينما يرى في احتفال المسيحيين بتنصّر مسلم اعتقاد بأنهم ينتقمون من غطرسة المسلمين وغرورهم. يختصر الجدل بعد ذلك بالقول "المسيحية يوم ما خرجت من بيت لحم بقت سياسة، والإسلام ليلة ما مات النبي بقى سياسة".

صناعة الفتاوى

علاقة الأزهر بالسلطة هي الإشكالية الأكثر تعقيداً في الفيلم. في الجانب الأول، يكشف مولانا عن علاقة طيبة تجمعه بالسلطة، بدأت منذ استدعاه نجل الرئيس لطلب المساعدة في قضية شقيق زوجته "حسن" الذي يريد التنصّر، ليتبيّن لاحقاً أنه يخطط لتفجير الكنيسة.

يكشف كذلك صناعة الفتاوى التي تتم بالتنسيق بين المشايخ والسلطة، ويذكّر ذلك بالقصص التي أثيرت عند بدء الثورة على الرئيس المخلوع حسني مبارك، وخروج عدد من الشيوخ لتحريم التظاهر، وصولاً إلى التصريح بأن صلاة الجمعة غير واجبة بعدما بدأت التظاهرات الأكثر زخماً تخرج من المساجد.

وفي الجانب الثاني، تنتقل إلى التحقيق معه من قبل أمن الدولة والحوارات الداخلية عن "قبلة أمن الدولة التي تختلف عن قبلته"، عن صراعات الأجهزة، عن الفتاة التي أرسلها له جهاز الاستخبارات، ونرى في السياق خيانة زوجته له مع طبيب ابنهما الذي تعرض لحادث وفقد الذاكرة.

كل ذلك ولم يُمنع عرضه في مصر؟ يفسّر عدد من المتابعين بأن الأمر سياسي بحت، في هذه المرحلة لا تعارض السلطة المسّ بالمؤسسة الدينيّة، في سياق الحرب على الإخوان المسلمين ومعهم على التطرّف الديني.

وهكذا بدا صراع الشيخ الأزهري مرآة لصراع شعب كامل وبالعكس. دخل كاتب الرواية ومخرج الفيلم في جدالات مع السلطة الدينية قد تكون كفيلة بإثارة فتن أكثر مما جاء على لسان الشناوي. الصراع بين من يرى أن مرحلة التطرّف لا تجيز إفقاد الناس ثقتهم بدينهم ومشايخهم وبين من يرى أن حلّ المشكلة يبدأ بمعرفتها.

في إحدى المقابلات، يقول المخرج إنه اختار شخصية جميلة للشيخ، وكان يمكنه ألا يفعل، وأن الفيلم لا يهدف لشيطنته بقدر إظهاره إنساناً يثير التعاطف كما يثير النفور، يسمع موسيقى الشيخ إمام وسيد درويش كما يحفظ القرآن، ولا يمنعه حب الله عن حب المال والماركات العالمية والشهرة.

مسموح في مصر... ممنوع في لبنان

عُرض الفيلم في مهرجان دبي ولاقى إقبالاً وتنويهاً كبيرين، لكنه منع في لبنان والكويت والإمارات. بدا منعه في لبنان وليس مصر مستغرباً بداية لدى المخرج والمتابعين الذين ينظرون لهذا البلد كمساحة انفتاح وتقبّل.

ولكن لدى سؤال رصيف22 جهات مطلعة في دار الفتوى، تبيّن أن المنع سببه أن الفيلم "يثير النعرات الطائفية... في بلد فيه حساسية وأكثر من طائفة"، لا سيما في الفترة الحساسة التي يمرّ فيها لبنان.

وسبق أن أكدت الدار في تصريحات إعلامية أن شخصية الشيخ حقيقية ولكنها نادرة الوجود، و"النادر لا يجوز أن يُعمّم".

مع ذلك، يبقى النقاش دائراً في هذا الخصوص على اعتبار أن المنع غير نهائي والدار تدرس حذف المشاهد المسيئة، في وقت أكد المخرج أنه لن يقبل أن يُعرض الفيلم سوى كاملاً.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي