ثلاثة جوامع بلا مآذن

ثلاثة جوامع بلا مآذن

لأن المأذنة، وكذلك القبة، هي جزء من عمارة الجوامع اليوم، في نطاق واسع من العالم كله، تحول مشروعها الوظيفي والفني، ثقافياً إلى بصمة للهوية الإسلامية.

ولكن هل نقيّم المأذنة بعلاقتها بالتراث، أي بالتاريخ، أم بقدسية الجوامع، أي بالدين الإسلامي نفسه؟ وكيف تترجم المعالم المعمارية، أو الجمالية للأماكن المقدسة إلى مفردات دينية، أو العكس؟ وكيف تبدع العمارة مبان إسلامية اليوم، في عالم يضج بمغالطات حول الإسلام، وكذلك حروب وعنف باسم الإسلام؟

ها هنا إطلالة على ثلاثة جوامع من أستراليا وتركيا ولبنان صممت مآذن لا تشبه المآذن، فيها تحاور العمارة معنى علاقتنا بالحاضر والمستقبل، وتجدد قدرتنا على الإبداع في استكشاف معنى الإنتماء.

من أستراليا، جامع لكل الناس

Glenn-Murcutt_mosque1

في أستراليا حيث تعلو أصوات تطالب بإغلاق المدارس الإسلامية، وفرض حظر على بناء الجوامع، نبدأ بتصميم لجامع هو هدية المصمم غلين مُركَت Glenn Murcutt لأصدقائه المسلمين، الذين يعملون معه على المشروع، وهم، كما يؤكد باستمرار، مشاركون في كل خطوة من تنفيذه.

مركت حاصل على جائزة بريتذكر، وهي أعلى شرف في مجال التصميم المعماري في العالم، وشهرته العالمية تصنفه كأهم المصممين المعماريين العالميين، ولكن مشروعه الأهم اليوم هو محليّ، ذو طابع اجتماعيّ، فمركت ملتزم بصداقة بدأت منذ عقد من الزمن مع من يصفهم كـ"أجمل مجموعة من الأصدقاء"، هم رعاة الجمعية الإسلامية في مدينة نيوبورت، في ضواحي ميلبورن، ومعهم يتمم مشروع الجامع. 

أقوال جاهزة

شارك غردمن قال أن المأذنة والقبة جزء أساسي من عمارة الجوامع؟ 3 جوامع صممت مآذن لا تشبه المآذن المعتادة

شارك غردفي عالم يضج بالمغالطات حول الإسلام، وبالحروب والعنف باسم الإسلام.. حلول معمارية تدمج المساجد مع محيطها

التصميم عصري، يباعد نفسه بهدوء عن التقليدي: بدلاً من المأذنة، يتدرج حائط إلى ارتفاع عشرة أمتار، يكلله هلال ذهبي في قمته، وأما القبة، فقد استبدلها التصميم بسقف مسطح، مزين بـ96 فانوس ومنارة، لوّن كل منها بأربعة ألوان يمكن تصنيفها كألوان "إسلامية"، تعكس أشعة الشمس، وتملأ المكان بأضواء بتدرجات مختلفة في كل الفصول والأوقات.

جدران المبنى شفافة، والمكان مفتوح ومُنفتح، وكأنه يدعو كل الناس لزيارته، سواء مسلمين أو غير مسلمين، وهذا ما أراده القيمين على الجمعية الإسلامية في نيوبورت.

بدأ المشورع منذ 10 سنوات ولايزال حتى اليوم يثير ضجة في أستراليا، حيث يترقب الناس تأثيره الفني عمارياً، وأيضاً سياسياً واجتماعياً. ولأهميته، تمت تغطيته في فيلم وثائقي قصير يحمل عنوان "غلين مركت: روح المكان".

من تركيا، جامع للتأمل والتعبد

Sancaklar2

من تركيا، التي يلعب فيها الإسلام دوراً سياسياً هاماً، خاصة في حكم أردوغان الذي يقدم نفسه كراع للإسلام، ووريثاً لسلاطينه، ومن مدينة إسطنبول تحديداً، قدّم إيمير أرولات Emre Arolat تصميماً مثيراً لجامع سانجكلر Sancaklar.

البقعة التي بنى عليها الجامع مطلة على بحيرة، وكان احترام المكان أساساً لروح التصميم. من الخارج، لا يوحي المكان بأنه مكان للعبادة، فكل ما يمكن رؤيته هو السور القصير الذي يحيط بساحة الجامع، وصرح حلّ محلّ التصميم الذي اعتدناه أن يكون ممشوقاً للمأذنة، وشرفاتها.

Sancaklar1

مكونات البناء تخاطب بعضها في تناغم مع المحيط البيئي ومواده. وبذلك يقدم أرولات رؤيا جديدة تبدع صيغة طازجة لعلاقتنا ثقافياً وإبداعياً بالتراث. بإجلال وتواضع للبيئة التي تحتضنه، ينسج التصميم ضوء النهار والظلال كمفردات عمارية، يراعيها، ويقدم مساحة هادئة للتعبد والتأمل.

تذكرنا هذه التصاميم بأنه لا يمكن أن يكون هناك اتفاق على المعالم الفنية والعمارية للإيمان في كامل العالم الإسلامي، وعلى مر العصور، ولا يمكن اعتبار الجوامع من منظور الدين والشعائر فحسب، لأنها فضاءات خاصة وعامة في ذات الوقت، ملك لساكني مدنها قاطبة، بكامل أطيافهم، وجزء من تكوينة المكان فنياً وثقافياً كذلك.

من لبنان، الإنسان يقابل الله

مسجد-شكيب-ارسلان

في بلدة المختارة في لبنان، قدم فريق L.E.F.T. تصميماً بديعاً لمسجد الأمير شكيب أرسلان.

يستقبل زائري الجامع في مدخله حائط متقوس من شرائح رقيقة، تتصل أفقياً بمظلّة، تربطها بحائط رفيع أكثر ارتفاعاً، هو بمثابة مأذنة، زين عليها كلمة "الله"، يقابلها على المدخل كلمة "الإنسان"، مذكرة بالمشروع الإنساني للدين الإسلامي، ولباقي الأديان، ولكنها دون تحفظ، تضع قاصده، على الأرض، مجرداً من هوية سياسية أو اجتماعية أو جنس أو جنسية، وربما جامع لها كلها، محتفية بهويته الأشمل كإنسان.

عندما نربط فكرة الإيمان بمعالم عمارية محددة، بقصد أو بغير قصد، فنحن نضع الإيمان في ماض نسعى للتواصل معه في الحاضر، إلا أن تصاميم هذه الجوامع الثلاث، ربما كان هدفها عكس ذلك: بإبداع وجرأة، أرادت أن تخلق في تجلياتها لمفاهيم الإيمان حواراً لعلاقتنا بالمستقبل.

التعليقات

المقال التالي