أم كلثوم تغني من جديد على مسارح القاهرة

أم كلثوم تغني من جديد على مسارح القاهرة

حشد كبير. يتحسس كل منهم كرسياً دوِّن عليه رقمه. تتلمس مقعدك أنت أيضاً، تجلس أعلى المسرح، يتكشف المشهد كله من أعلى. لافتات مكتوب فيها "ممنوع التصوير”. يجلس الجميع لكن الهمهمات لا تنتهي.

صوت من داخل الستار: "الحضور الكريم. كل يجلس في مكانه. نرجو منكم التزام الهدوء. سينطلق الحفل خلال دقائق".

في الخميس الأول من كل شهر، تنطفئ جميع الأنوار، سوى نور واحد يسلط في مواجهة الستار المغلق. يخرج "الصوت الداخلي" مرة أخرى: "ستبدأ الوصلة الأولى بأغنية ألف ليلة ولية".

تغرّد القاعة بتصفيق واسع. يضيف الصوت الداخلي: "الأغنية من كلمات مرسي جميل عزيز، وألحان بليغ حمدي". هنا تتعرف على صاحب "الصوت الداخلي"، إنه "محمد الصاوي" مؤسس الساقية، وصاحب فكرة مسرح العرائس، وقائد فريقها.

ينفتح الستار

فوق المسرح الكبير، يقبع على صدره مسرح أصغر بكثير، وعلى كراسٍ فوق ذلك المسرح الصغير، يجلس قرابة 10 أشخاص، متحلقين حول "عروسة" أنثى ترتدي فستاناً. هي أم كلثوم بشحمها ولحمها وفستانها ومنديلها وحتى تسريحة شعرها.

15942570_10154273962363494_765568380_o

تصفيق قوي وشباب يطلقون تصفيراً طويلاً. سريعاً يعطي قائد الفرقة عازف القانون "عبده صالح" إشارة البدء. العازفون خلف أم كلثوم "العروسة"، جميعهم يشبهون قرائنهم من البشر. قائد الفرقة "عبده صالح" يجلس خلفها مباشرة، بصلعته التي تعري بياض رأسه، والقصبجي انتحى جانباً يشتكي لعوده جفاء "الست" معه، بعد أن غدرت بحبه وأقالته من رئاسة الفرقة، ومعهما جمع من العازفين.

تبدأ الآلات بالعزف. حركة أيادي الموسيقيين وحدها تستحق التأمل فيها. حين تغرد آلة الكمان وحدها لن تجد عازفاً واقفاً سوى العازف عليها، ولن تجد أحداً يحرك يده سواه. كذلك الأمر مع العود والقانون والطبلة والرق.

سيبهرك أداء فرقة عرائس الساقية، حين تقارن بين صوت العزف المنهمر من جهاز التسجيل، وبين حركة العازفين-العرائس، ومدى الانسجام بينهما.

أنتِ يا جنة حبي واشتياقي وجنوني

ها هي أم كلثوم تقوم من مقعدها لتشدو "ياحبيبي". لا يمل الحاضرون التصفيق والتصفيق والتصفيق.

يا حبيبي. الليل وسماه. ونجومه وقمره وسهره وإنت وأنا يا حبيبي أنا. يا حياتي أنا.

كلنا كلنا في الحب سوى

هي نفسها أم كلثوم في حركاتها وسكناتها. يبتهج محمد عبدالمنعم الصاوي، مؤسس المسرح الذي شغل لفترة قصيرة منصب وزير الثقافة في مصر،  عندما نقول له: "أنتم أعدتم أم كلثوم للحياة مرة أخرى". يقول: "الأمر لم يكن يخلو من مغامرة حقيقية في بدايته، فقد فكرت كثيراً في صنع عروسة لأم كلثوم لكنني كل مرة كنت أقاوم ذلك الحلم، خوفاً من رد فعل الناس".

ويضيف: "منذ صغري أصنع مسرح عرائس، وكانت الفكرة دائماً تراودني، لماذا لا أصنع لأم كلثوم عروسة؟ حتى أصبح هناك مسرح الساقية للعرائس، فقلت لأغامر وأنفذ حلم عمري".

"قلت لنفسي أنت مجنون دي الناس ممكن تغتالك"، يقول الصاوي، موضحاً: "خوفي كان نابعاً من قيمة أم كلثوم". يتحدث الصاوي عن أنه مثل كل المستمعين العرب، يعتبر أم كلثوم قيمة فنية كبيرة، لا بل "خرافية"، وبتعبيره: "دي هرم".

يا حبيبي إيه أجمل من الليل واتنين زيّنا عاشقين تايهين

ما احناش حاسين العمر ثواني واللا سنين

لكن المفاجأة أن الجمهور تجاوب مع أول حفلة للعروسة أم كلثوم، تجاوباً شديداً. فتشجع الصاوي على أن يطوّر الفكرة، حتى وصلت جماهيريتها لقطاعات واسعة من عاشقي أم كلثوم في مصر.

15966362_10154273961453494_1312011568_o

وعن إقبال الشباب الواسع على حفلات العروسة أم كلثوم، يقول الصاوي إن الناس تحتاج لجرعة توازن بعد "كمٍ كبير من الهجمات على الأذن، جراء تراجع الذوق العام".

الهوى. آه منه الهوى سهران الهوى. يسقينا الهنا

أحمد الشامي، أحد الشباب الذين يواظبون على حضور حفلات العروسة أم كلثوم، يقول عن افتتانه بالست، إنه لا يوجد أي مقارنة بين قيمة "الست"، وبين كل المطربين وغير المطربين الذين يغنون في الوقت الحالي.

يضيف: "أنا بعشق أم كلثوم وهي أكتر حاجة بسمعها، بسمع الجديد أيضاً، بس أم كلثوم حاجة تانية".

وعن الحفلة يقول: "أذهب إليها من باب التغيير، بدل ما بسمع أم كلثوم في البيت بس، الجو بتاع الحفلة بيكون جميل". ويشير إلى قيمة تذاكر الحفلة التي لا تتعدى 15 جنيهاً مصرياً، أي ما يعادل دولار ونصف تقريباً.

يا حبيبي. يلا نعيش في عيون الليل

ونقول للشمس تعالي بعد سنة

مش قبل سنة دي ليلة حب حلوه بألف ليلة وليلة

ولاء علام، هي الأخرى شابة عمرها تجاوز الثلاثين بقليل، من عاشقات أم كلثوم، وتواظب على حضور حفلات مسرح الساقية للعرائس. تقول: "عجبني شكل الموسيقيين جداً، والجو بشكل عام، وطبعاً صوت "الست" روعة، لكن للأسف العروسة مش بتعوضني عن حرماننا من قيمة أم كلثوم".

تضيف: "حاولت أتخيل نفسي في حفلٍ حقيقي للست وإيه (ما هو) إحساس الناس زمان لما يسمعوا الأغنية لأول مرة، أكيد كانوا منبهرين بالكلمات ووصفها لحالات الحب المختلفة".

يا قمر ليلي. يا ظل نهاري. يا حبي. يا أيامي الهنية

قولها ليه قولها للطير. للشجر. للناس. لكل الدنيا. قول الحب نعمة

مش خطية

مي خطاب، إحدى عاشقات "كوكب الشرق" أيضاً، تقول إنها رغم استمتاعها بحفلات الساقية للعرائس، فإن العرائس من المفترض أن يكبر حجمها أكثر، لتعطيك شعوراً مقارباً لما كان عليه حال المستمعين الذين كانوا يجلسون أمام أم كلثوم.

يا رب

تفضل حلاوة سلام أول لقا في إيدينا 

وفرح أول ميعاد منقاد شومع حوالينا

ويفوت علينا الزمان يفرش أمانه علينا

يا رب

يرد خلفها الشباب بصوت جهور: يارب.

لا عمر كاس الفراق المر يسقينا

ولا يعرف الحزن مطرحنا ولا يجينا

وغير مشوع الفرح ما تشوف ليالينا

يا رب

وهنا تختم الأغنية، يُسدل الستار على وقع تصفيق الجميع، ليعلن الصوت الداخلي انتهاء الوصلة الأولى، ويجب الانتظار 15 دقيقة لتبدأ الوصلة الثانية.

أحمد أبو درويش

صحفي وباحث يكتب في الإسلام السياسي والثقافة

التعليقات

المقال التالي