ما الذي يقوله مترجم Game of Thrones إلى العربية؟

ما الذي يقوله مترجم Game of Thrones إلى العربية؟

عرش شَكَّلته مئات السيوف المصهورة، وأطراف متحاربة تتصارع على نيله، فيما يتصدى رجال حرس الليل لهجمات "المُشاة البيض" شمالاً، وتنطلق "أم التنانين" صوب العاصمة جنوباً لتدكها دكّاً وتسترجع مُلْكَ أجدادها، ويتحالف عشرات اللوردات ويخون بعضهم بعضاً لاقتطاف ممالك صغيرة لأنفسهم في خضم الصراع.

إنها الأجواء الساحرة لسباعية "أغنية الجليد والنار"، التي تحوَّل أوَّل أجزائها إلى اسم أحد أكثر المسلسلات شعبيةً في التاريخ: "لعبة العروش".

منذ بدء عرض المسلسل عام 2011، تحول إلى ظاهرة حقيقية، وتصدَّر قائمة المشاهدات بملايين المتابعين حول العالم، وأصبح علامة بارزة في تاريخ الإنتاج الدرامي. نجاح سحري يرجع فضله إلى المؤلف جورج ر.ر مارتن، الذي خطَّ عالماً محكماً متشعباً عبر سباعيته الروائية "أغنية الجليد والنار"، التي صدر منها حتى الآن "لعبة العروش"، و"صدام الملوك"، و"عاصفة السيوف"، و"وليمة للغربان"، و"رقصة مع التنانين"، فيما ينتظر القراء صدور آخر جزئين: "رياح الشتاء"، و"حُلمٌ بالربيع".

وفي 2015 فازت دار التنوير بحق ترجمة السباعية إلى اللغة العربية، وبالفعل تُرجم منها أول جزئين، واضطلع بهذه المهمة المترجم هشام فهمي، أحد أهم المترجمين المصريين الشباب اليوم، والذي اصطحبنا في جولة بكواليس عملية الترجمة لأحد أعظم الأعمال الأدبية في العالم حاليّاً.

صورة-1 لعبة العروش بتوقيع المؤلف جورج ر.ر مارتن

لعبة العروش بين المسلسل والروايات

يقول هشام فهمي لرصيف22 إن مسلسل "لعبة العروش" لخَّص الأحداث الأساسية لسلسلة "أغنية الجليد والنار"، وحذف عشرات الشخصيات والأحداث، بل محاور كاملة من الخط الدرامي، ورغم هذا الاختصار فإنه ساعد على انتشار الروايات وذيوع صيتها، وبعد إنتاجه ترجمت إلى عدة لغات جديدة منها التركية والنرويجية، ثم اللغة العربية التي كانت الرقم 40 في قائمة الترجمات.

وشهد الجزء الأول من الرواية "لعبة العروش" نجاحاً كبيراً في العالم العربي، ويفسر هشام فهمي ذلك بأن سلسلة "أغنية الجليد والنار" كتبت بلغةٍ سهلة وممتعة، لم تتكلف التعقيد أو تنحدر نحو الاستسهال، كما يبدو من تشعب الأحداث ودقة التفاصيل أن المؤلف قضى وقتاً طويلاً في عالمه قبل أن يشرع في نقله إلى الورق، فجاءت الحبكة مترابطة والأحداث غاية في الجاذبية.

ولفت إلى أن استمتاعه هو شخصيّاً بالعمل ساعده كثيراً أثناء ترجمته إلى اللغة العربية.

"لعبة العروش" بالعربية

وقبل أيام من انطلاق الجزء الثاني "صدام الملوك" في الأسواق العربية، يقول هشام فهمي: "اللغة العربية كانت مناسبة للغاية للنص، لثرائها بمصطلحات الحروب والفروسية والقتال، واحتوائها على مترادفات عدة للكلمة نفسها، وهو ما يخدم أي مترجم ماهر يتقن عمله".

وأضاف: "أرى أنها زادت النص الأصلي ثراءً ببلاغتها ودقتها، كما ساعدتني على التعبير عن اختلاف أساليب الحديث من شخصية لأخرى، وخلق طريقة مميزة لأحاديث النبلاء، تختلف عن العامة والجهلاء، وكذلك عن الفرسان والمحاربين".

ورغم ثراء اللغة العربية، فإن "المترجم" واجه عدداً من الصعوبات بداية من "لعبة العروش"، لأن الرواية تضم كثيراً من المصطلحات الحربية المتعلقة بالعصور الوسطى، ومصطلحات أخرى اصطنعها المؤلف، وكلها لا نظير لها في العربية، وكان الجزء الأول هو الأصعب في ترجمته، لأنه وضع أساسات هذا العالم.

فواجهت فهمي مشكلة ترجمة أسماء الأماكن الكثيرة في الرواية، ورغم أن القاعدة تقول إن الأسماء لا تترجم، فإن بعض الكلمات مثل "The Rock"، بدت سخيفة عند كتابتها بالأحرف العربية "الروك"، فاضطر لتعريبها إلى "الصخرة"، كما أن أسماء القرى والأنهار شمالاً حملت طابع البرد والثلوج بشكل شبه شعري، فيما كانت معالم الجنوب تشير إلى الربيع والاخضرار والدفء، فكان لا بد من ترجمتها لنقل الإحساس العام بعوالم الرواية.

وبجانب هذا، راعى فهمي عدم تغريب القارئ عن الكلمات التي يعرفها من المسلسل، فترك أسماء "وينترفيل" و"كاسترلي روك" و"كينغز لاندينغ" كما هي.

أمَّا في الجزء الثاني "صدام الملوك" فقد واجه المترجم مشكلة أخرى مع أسماء السفن القديمة، فاضطر لتعريبها نظراً لعدم وجودها في لغتنا من الأساس، في ظل عدم اختلاط العرب بالثقافات التي أنتجتها، كالفايكنغ وشعوب شمال أوروبا.

أقوال جاهزة

شارك غردمترجم Game of Thrones: النسخة العربية زادت الرواية ثراءً وجمالاً...

شارك غرداللغة العربية كانت مناسبة جداً لترجمة Game of Thrones، لثرائها بمصطلحات الحروب والفروسية والقتال...

يقول فهمي: "واجهتني كلمة "Cog" مثلاً، وهي السفن الكبيرة ذات الشراع المربع الواحد، ولمَّا لم أجد مقابلاً لها قمت بتعريبها، وأصبحت "كوغ" وجمعها "أكواغ"، على وزن "كوخ" و"أكواخ"، وهو ما استعنت فيه بصديقي الروائي محمد عبد القهار لنقرره".

وفيما تميز الجزء الأول من "لعبة العروش" بالثقل ورسم تفاصيل العالم بدقة، وتوضيح الأماكن وعلاقات الأشخاص، يقول هشام فهمي إن الجزء الثاني "صدام الملوك" سيحمل أحداثاً مهمة جدّاً وصادمة، ورغم بطء إيقاعه النسبي فإن التفاصيل الكثيرة فيه ستمهد للجزء الثالث "عاصفة السيوف"، وهو الكتاب الأكبر حجماً في السلسلة والأكثر ثراءً بالأحداث.

خلف كواليس الترجمة

مرَّت ترجمتا كتاب "لعبة العروش" ثم "صدام الملوك" بمراحل عدة لتخرجا بهذا الشكل، فبجانب ترجمته للروايات، استعان المترجم هشام فهمي بالمترجمة ندى الأبحر المتخصصة في الشعر، لتترجم الأغنيات الكثيرة التي تتضمّنها الملحمة اعتباراً من الكتاب الثاني، كما وفرت ملاحظات محرر دار التنوير، وهو الروائي محمد ربيع، العديد من الحلول الذكية والتعبيرات الأفضل، وكذلك فعلت المراجعات النهائية للناشر حسن ياغي، ولكن يوجد أبطال آخرون خلف الستار.

يقول هشام فهمي: "من دروس أستاذنا صالح علماني أن على المترجم الاختفاء من النص، وإن كان سيظهر أحياناً رغماً عنه بتعبيرات تمتُّ لبيئته الثقافية. لهذا قررت أن أُظهر هذه التعبيرات بوعيي الكامل. لم أستخدمها حرفيّاً طبعاً، بل حاكيت بعض التراكيب وغيَّرت بعضها الآخر، ووظفتها لخدمة النص لتضيف إليه ولا تتنافر معه، وهكذا اشتملت ترجمتي على تعبيرات أصولها من القرآن، وأدب نجيب محفوظ، ويحيى حقي، ورضوى عاشور، وأشعار حافظ إبراهيم ونزار قباني، وبعض تعبيرات الدكتور أحمد خالد توفيق، بل حتى أغنيات عمرو دياب".

ورغم جهوده الكبيرة في إنجاز الكتابين الأولين، إلا أن عملاً أدبيّاً بهذه الضخامة يسبب للمترجم هاجساً ملحّاً طوال الوقت، خشية أن يُقصِّر في ترجمته بغير وعي، وهو ما حدث في الجزء الأول فعلاً. يقول فهمي: "في "لعبة العروش" ترجمت لقب الملك روبرت إلى "روبرت المغتصب"، إلا أنني وجدت فيما بعد أن "روبرت الغاصب" كان ليصبح أدق، فتداركت الأمر في الكتاب الثاني، وأتمنى أن يسامحني القارئ على هذا".

وردّاً على بعض من عارضوا "أغنية الجليد والنار" لاحتوائها على مشاهد إباحية عديدة، كالتي اشتهر بها المسلسل، يقول هشام فهمي: "المشاهد الموجودة بالرواية أقل بكثير من المسلسل، وعلى كل حال لم أتدخل فيها بالحذف أو التغيير مراعاة لما يسمى "التقاليد"، فإما أن أترجم النص كاملاً أو أتركه كاملاً".

لعبة العروش رواية أنقذت مترجمها

وعن شعوره نحو "أغنية الجليد والنار" يقول هشام فهمي: "أنقذتني "لعبة العروش" من حالة اكتئاب شديدة عندما قرأتها أول مرة، وعندما ترجمتها دفعتني لمطالعة أعمال أدبية عظيمة لأطور لغتي، وأضافت إلى معجمي مصطلحات لغوية كثيرة، وذكَّرتني بأخرى كاد النسيان يطويها، كما جعلتني أحقق حلمي بالعمل على سلسلة فانتازية كاملة، لأتحدى نفسي من ناحية، ومن ناحية أخرى لأستغل شهرة المسلسل لخدمة مشواري في الترجمة، وهذا شيء مباح ومشروع".

صورة-5 توقيع المترجم على النسخة العربية، يشكر فيه المؤلف على روايته التي أنقذته من الاكتئاب

ونظراً لطول الروايات، سيرتبط فهمي بالمشروع لمدة 5 سنوات على الأقل حتى ينجز ترجمتها، ما يجعل الأمر يبدو وكأنه "مشروع العمر"، لكنه علَّق على هذا قائلاً: "ملحمة "أغنية الجليد والنار" قد تكون أهم ما أنجزت حتى الآن، لكنها ليست أهم شيء سأفعله، فلدي مشاريع أخرى كبيرة".

وعن سلبيات ترجمة عمل بهذه الضخامة يقول: "تستهلك ترجمة "أغنية الجليد والنار" وقتاً طويلاً للغاية، فأنا أعمل بين 12 و15 ساعة يوميّاً، لمدة 6 أشهر، وهذا يحرمني من ترجمة كتب أخرى، كما أنني صرت معروفاً بـ"مترجم لعبة العروش" عند قطاع كبير من الشباب، برغم أعمالي الأخرى الممة، مثل "الناجي الأخير" لتشاك بولانيك، و"فرانكنشتاين" لماري شيلي، و"الهوبيت لتولكين، وكتابي "المترجم 1 و2"، وهما يضمان قصصاً قصيرة مميزة من الأدب العالمي".

صورة-7

هوجم المترجم لفترة طويلة بسبب ارتفاع سعر الكتاب، وهو ما قال إنه أمر يحدده سعر الدولار وتكاليف الطباعة، وليست بيد المترجم التدخل فيه إطلاقاً/ كما علق هشام فهمي على غضب بعض القراء من إصدار الجزء الواحد للرواية في مجلدين، قائلاً: "فعلنا هذا لراحة القارئ، الذي سيعجز عن حمل كتاب من 1000 صفحة ليقرأه في المواصلات أو على الشاطئ، كما أن اللغات الأخرى فعلت الأمر نفسه، وصدرت ترجمة "لعبة العروش" في 3 أجزاء باللغة الإيطالية، وكذلك الهولندية، ويراوح عدد مجلدات كل جزء بين 2 و4 في اليابانية والفرنسية والألمانية".

التعليقات

المقال التالي