"دويلة الحريم" في مصر كما رأتها رحالة إنجليزية

"دويلة الحريم" في مصر كما رأتها رحالة إنجليزية

لطالما مثّل "الحرملك" فضولاً لدى كثير من المؤرخين، في ظل ما اتسم به من غموض وأسرار، لعبت دوراً في تحريك بعض الأحداث التاريخية. وفي القرن التاسع عشر، وتحديداً مع تولي محمد علي حكم مصر، كان هناك ما يعرف بالحريم العالي. وهو مكان تعيش فيه النساء التابعات للولاة والنبلاء من الأتراك، وما تبقى من حريم المماليك الذين قضى محمد علي على سلطانهم.

فقد انتقلت كل الأنماط الحياتية التي كان يتسم بها الحرملك في الدولة العثمانية إلى مصر، في عصر محمد علي، عبر قصور النبلاء والباشوات الأتراك، الذين قدموا عائلات وضباطاً في الجيش العثماني، وموظفين في مؤسسات الدولة، ثم استعان بهم محمد علي لبناء الجيش والدولة. وشرع بعضهم في الإقامة الدائمة في مصر، بعد أن حصلوا على مساحات من الأراضي عام 1830. فتعلموا العربية وتصاهروا مع المصريين، وأقاموا القصور والدور في القاهرة والإسكندرية.

كان نظام الحريم العالي موجوداً في قصور الأسرة العلوية، وفي قصر أسرة محمد علي أيضاً. وفي بيوت الأعيان المصريين، كان هناك عدد قليل من الجواري، ولم يكن لديهم نظام يشبه نظام الحريم العالي.

وقد استطاعت الرحالة الإنجليزية صوفيا بول، أخت المستشرق إدوارد لين، أن تخترق هذا العالم السري، من خلال زيارة قصور الأسرة العلوية، والنبلاء والباشوات، وتنقل خباياه في كتابها "حريم محمد علي باشا"، الذي ترجمته إلى العربية الدكتورة عزة كرارة. تضمن الكتاب رسائل أرسلتها لصديقة وهمية، اشتمل على وصف دقيق لما يدور داخل هذا العالم في الفترة بين يوليو 1842 ومارس 1846.

السيدة الأولى

كان النظام الذي يحكم حريم العظماء والأثرياء أشبه بدويلة صغيرة، لها حكامها وموظفوها. والشخص الذي يشغل أعلى منصب بعد رب البيت مباشرة، هو السيدة الأولى، التي يطلق عليها عادة "الهانم" أو الأصح "الخانم"، وهذا اللقب معناه الحرفي "مولاي"، ولا عجب في ذلك، فبعض النساء يُكرمن بألقاب الرجال دلالة على الاحترام الزائد. في مقدمة من تستحق هذا اللقب، من تكون ذات صلة رحم بالحاكم، ونسميها "السلطانة"، ومن نسائه اللاتي أنجبن له ذرية. وتحظى بهذا اللقب أيضاً زوجات الوزير الأعظم، وتُكرم به زوجات عظماء رجالات الدولة، وأحياناً نساء مَن هم دونهم في المرتبة.

تعتبر والدة رب الأسرة سيدة الحريم الأولى، وإن لم تكن على قيد الحياة فتتخذ أخته أو إخوته الصدارة، تتبعهن في المرتبة زوجته المفضلة. ومسألة الأولوية بين زوجات رجل واحد، تُنظم بطريقة معينة. فالزوجة الأولى للرجل، إذا أنجبت منه تحتفظ بمرتبتها العليا على أي زوجة أخرى تليها، وإن لم تنجب، تتنحى لأخرى أكثر حظاً منها، وبالتالي تستحق محبةً أكثر وتكريماً. وتندرج مراتب الزوجات التاليات حسب إيثار الزوج لهن.

قلعة حصينة

كل زوجة في الطبقات العليا لها جناحها المنفصل وأتباعها، خصوصاً أن مظاهر الغيرة قد تظهر بين الزوجات، كما أنه ليس من المستبعد لدى عظماء القوم أن تنفرد كل زوجة بقصر مستقل. لكن سواء في منزل واحد كبير، أم في عدة مساكن أصغر حجماً، فإن حريم النبيل يشمل البيت كله أو معظمه، ويحاط عادة بأسوار شاهقة للحديقة تصل في ارتفاعها إلى علو المساكن المجاورة. وبهذه الطريقة يُحصن حريم النبيل التركي لمنع اقتحام أي زائر غير مشروع، اللّهم إلا إذا استعان بسلم خاص، لتسلق السور العالي، أو إذا تسلل إلى الداخل بطريقة أخرى.

وإذا اضطر أحد الرجال أن يدخل الحرملك، ليأتي بشيء ثقيل يصعب على النساء حمله، فهو يعلن عن قدومه وهو في الممر، بأن يردد عدة مرات بصوت مسموع "يا ساتر" و"دستور". عدا هذه المناسبات، لا يقترب أي رجل من مكان الحريم، باستثناء السقا (حامل المياه)، فالرجال شديدو الحرص على تجنب الحريم. وكذلك تحرص النساء على إخفاء وجوههن.

أقوال جاهزة

شارك غردنظرة إلى داخل حرملك في عصر محمد علي، عبر عينَيْ الرحالة الإنجليزية صوفيا بول التي استطاعت أن تخترق هذا العالم السري

شارك غردالسلطانة، الجواري، المكائد… أسرار الحرملك خلال حكم محمد علي في مصر لا تختلف بشيء عما نعرفه عن عهود السلطنة العثمانية

الصرامة التي تحكم الحريم قد تمنع رب البيت من الدخول إلى حريمه لعدة أيام، إذا وُضع بأمر من زوجته أو زوجاته، زوج من البابوج (زوج من الحذاء بدون رقبة)، على عتبة الباب من الخارج، دلالة على أن هناك زائرات بالداخل. وقد يضيق الزوج إذا تعددت مرات الإقصاء فيمنع الاستقبال المستمر للزائرات، وله مطلق الحرية في ذلك، ولكنه سيجلب على نفسه متاعب لا حد لها مع زوجاته.

يحرس المدخل الخارجي للحريم بوّاب، والداخلي أغوات، ويمتد خلف المدخل الثاني ساتر الحريم، وهو عبارة عن مجموعة من الجواري.

مكائد الخادمات

لم يكن بالإمكان الحفاظ على وقار حريم كبير حينها دون استخدام "العبيد"، فمثل هذا الحريم يتطلب وجود حراس من الذكور، والقانون يحتم أن يكون هؤلاء من الخصيان. كما يلزم وجود تابعات من النساء، وقد أثبتت التجارب، بحسب كتاب الرحالة، أنهن إذا كن خادمات من الأحرار، فكثيراً ما يحدثن انشقاقاً في الأسرة كلها، بل قد يفقد بعضهم حياته بسبب مكائد أولئك الخادمات.

Harem_Scene

الجواري السود والبيض

تشرح صوفيا بول أن في الغرف الأمامية للجناح الداخلي توجد الجواري ذوات البشرة الداكنة، اللواتي يقمن بالخدمات الوضيعة في الحريم، وبعد اجتياز الغرف الخارجية، تتقدم الجواري البيض، اللواتي يستقبلن الضيوف ويحملن قناني من الفضة، فيها ماء معطر للرش، ومباخر فضية تتدلى من سلاسل، والقهوة والنراجيل والشربات والحلوى.

بين الجواري البيض الفائقات الجمال، كما تصف الكاتبة، توجد من هن أرفع مرتبة من الأخريات، يتنقلن بين الأرجاء، ويشرفن على الترتيبات الخاصة بالحريم. ويسود المرح بين هؤلاء السجينات الحسناوات، مع أنهن يمنعن تماماً من أي اختلاط بفرد من الجنس الآخر، ما عدا سيدهن وأقرب أقاربه. أما إذا حاول أي رجل غريب اجتياز المدخل الأول، فإن الموت يكون غالباً جزاء تهوره لحظة اكتشاف أمره.

الزوجات والجواري في القصور، يعاملهن الزوج والسيد عادةً بعطف ولين. ويبدو أن حال الجواري أفضل من الزوجات، فأولئك في خوف دائم من الطلاق، في حين أن بيع جارية قضت في الأسرة فترة طويلة، يعتبر مهيناً، إلا في حالة الضائقة المالية. أما إذا أنجبت من السيد طفلاً، اعترف أنه من صلبه، فإن بيعها يكون مُخلاً بالأعراف.

harem

زواج الجواري

كثيرات من الجواري ممن انتزعن بقسوة من آبائهن في سن مبكرة يجدن في المشترين آباء وأمهات يعطفون عليهم. ملبسهن وغذاؤهن عادة جيدان ويتمتعون بدرجة عالية من الإلفة والدلال. وإذا حسن سلوك الجارية فكثيراً ما يزوجها سيدها من شخص محترم، وقد تقام لها حفلة زفاف رائعة.

وفي كثير من الأحيان، يزوج نبيل من الأعيان عدداً من جواريه، وأحياناً من محظياته، في يوم واحد لأزواج من اختياره، وقد يحدث أن تتألم جارية من هذا التصرف المتعنت، وتفضل البقاء في المنزل الذي تعودت عليه، ولكن عادةً يكون زواجاً من هذا القبيل مدعاة فخر لها.

ترتدي الجارية يوم زفافها أفخم الثياب، وتفُرش أرض الحرملك الذي تنتمي إليه بالشيلان الكشمرية، والأقمشة المقصبة (منسوجة بخيوط الذهب والفضة) لتمشي فوقها، كما تُستأجر المغنيات والراقصات لهذه المناسبة، وتحيط بالعروس فتيات يحملن المباخر وينثرن العطور.

التسيب الخُلقي

ترى الكاتبة أن الأفكار التي تسود لدى كثيرين في أوروبا عن التسيب الخُلقي في الحريم خاطئة. صحيح أن للسيدة الرئيسية سلطة كبيرة، قد تسيء استعمالها، لكن جواريها يقعن تحت مراقبة صارمة. كما أن النظام الذي ترضخ له الفتيات الصغيرات السن في الحريم الشرقي، لا يمكن أن يقارن إلا بما يتبع في الأديرة. وأي انحراف عن قوانين الحشمة المطلقة، ينتج عنه عقاب فادح كثيراً ما يقود إلى القضاء على المذنبة بالموت.

اهتمامات الحريم

قليلات من النساء من كنّ يقرأن أو يكتبن، وأهم ما يشغل الحريم هو التطريز باستخدام إطار مستطيل، يرتكز على أربع قوائم، والإشراف على المطبخ والجواري والخدم عموماً. وكثيراً ما تقوم سيدات رفيعات المكانة، بإعداد بعض أنواع المأكولات المفضلة بأنفسهن. وقد جرت العادة أن تعد السيدات أنواع الشراب المختلفة.

وتطريز الحريم آية في الجمال، يبدو فيه ذوق خاص يشبه إلى حد كبير، الزخارف المنمقة في العمارة العربية. لكن جمالها الفريد يكمن في الألوان المستخدمة والأحجار الكريمة التي تتخلله، خصوصاً الماس واللؤلؤ والزمرد والياقوت.

وقد تقضي كثير من سيدات الحريم وقتهن مع النرجيلة وتبادل النوادر التافهة والنميمة.

شهوانية الأبناء

من المألوف إذا كان هناك صبي لطيف ذكي يبشر سلوكه وحديثه بمستقبل باهر، لا يكاد يصل إلى الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره، وعقله لا يزال نقياً لا تشوبه شائبة، أن ينهال حريم والده عليه بالحديث عن الزواج. وتلح والدته بالذات بضرورة المبادرة بعقد قرانه، وبطبيعة الحال يوافق الصبي، وتبهره فكرة الرجولة التي تسمح له باقتناء حريم خاص به، ويتم الزواج. وفي الحال، ينحط ويتغير طبعه، فيصبح أنانياً وشهوانياً، وتُبذل كل المحاولات من وسائل الترف والرفاهية والمغريات لضمان اهتمامه الكلي بحريمه.

وفي بعض الحالات، وبعد انقضاء عدة سنوات، قد يفيق الضحية ليصبح زوجاً صالحاً، ولكن أحياناً يظل طوال حياته عبداً للشهوات الجامحة.

لا يمكن تصور التغير في القدرات الذهنية التى تتبع هذا، إذ سرعان ما نجد بعض الصبية المتقدي العقل، يتحولون إلى أشخاص أغبياء وحمقى، ولا يتحقق الأمل في الرجل الذي كان يرجى من الصبي.

أحقاد الأبناء

هناك سبب رئيسي للتعاسة داخل الحريم، هو عدم الوفاق والترابط بين الأطفال في الحريم الذي يضم العديد من الأمهات. فبالرغم من انفراد كل زوجة بجناح خاص، إلا أن أبناء الأمهات المختلفات لا يكونون منفصلين. هم يتقابلون في الصالونات العامة، وفي الحدائق والأفنية والساحات، ومع الزمن ينمو معهم شجار الأطفال، ويتحول إلى منازعات جدية بين الشباب، ويزداد الحقد والغيرة، إذا حدث تفضيل في ما بينهم أو بين أمهاتهم، فينقلب إلى كراهية مميتة وينتظرون الفرصة للانتقام بعضهم من بعض.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي