تلحين القرآن وترتيل الغناء: الاشتباك المبهر بين القرآن والموسيقى

تلحين القرآن وترتيل الغناء: الاشتباك المبهر بين القرآن والموسيقى

كتاب "وصف مصر" الذي وضعه علماء صحبوا الحملة الفرنسية التي احتلت مصر عام 1798، لفت إلى انبهار الفرنسيين بالموسيقى التي لمسوها في القرآن والآذان، حتى أنهم كتبوا الآذان على نوتة موسيقية.

وقال الكتاب إن هذا الاشتباك بين القرآن والموسيقى خرج من مشكاة واحدة، ألا وهي كتاتيب مصر (مكاتب تحفيظ القرآن)، التي أنتجت حفظة للقرآن يقرؤونه على المقامات الموسيقية، كما أنتجت ملحنين ومطربين يحفظون القرآن ويرتلونه.

القرآن له موسيقى ويُقرأ على مقاماتها الصوتية، فتجد المشايخ كما المطربين والموسيقيين، يستعملون مقام “الصبا” في الآيات التي تحتوي على حزن، و”النهاوند” حين يتعرضون لآيات بها حب واشتياق، أما “العجم” فيستخدم لمناجاة واستشعار بالهيبة، و”البيات” للعراقة والأصالة والحديث عن مباهاة، و”السيكا” لإظهار الفرحة والسرور، و”الحجاز” للحنين والشوق والتأمل، أما “الرست” فيستخدمه القراء لإظهار عضلات صوتهم التطريبية، والبارع عليه هم أصحاب الصوت القوي، وأخيراً “الكرد” للتعبير عن العذاب والحرقة والألم، بحسب الشيخ أحمد مصطفى، خبير الأصوات والمقامات الصوتية، ونجل الشيخ مصطفى إسماعيل، قارئ القرآن المصري الشهير.

الشيوخ أول الملحنين والمطربين

يقول خبير الأصوات أحمد مصطفى إن الرعيل الأول من الملحنين والمطربين المصريين كانوا شيوخاً كأبي العلا محمد، سلامة حجازي، محمد القصبجي، سيد درويش، محمد عثمان... وغيرهم، وجميعهم تربوا في الكتاتيب التي كان مشايخها في الغالب يعرفون المقامات الموسيقية، بل كانوا منشدين أيضاً.

ثنائية القرآن والموسيقى دفعت بعض خريجي الكتاتيب إلى التفكير في تلحين القرآن، ومنهم:

زكريا أحمد

الموسيقار الشيخ زكريا أحمد، الذي حفظ القرآن في الكتاب، والتحق بالأزهر لإكمال دراسته، اقترح تلحين القرآن دون آلات موسيقية، بهدف حفظ تلك المقامات من الضياع أو من النسيان بموت روادها، لكن الأزهر قابل الأمر بالرفض آنذاك، بحسب ما ذكره صبري أبو المجد في موسوعة أعلام العرب.

محمد عبد الوهاب

موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، نشأ في كتّاب (مسجد سيدي الشعراني)، وكان أبوه هو الشيخ محمد أبو عيسى، مؤذن المسجد ومقيم الشعائر به، بحسب كتاب “محمد عبد الوهاب – حياته وفنه” لرتيبة الحفني... وكان عبد الوهاب يقرأ القرآن باقتدار ويرتله.

عبد الوهاب كان يرغب في تلحين القرآن الكريم. يقول الكاتب الشهير أنيس منصور، في مقال منشور بجريدة الشرق الأوسط اللندنية: “كان الموسيقار محمد عبد الوهاب يعتز بأنه من أحفاد الشيخ الشعراني الصوفي الشهير، أبي المواهب الإمام عبد الوهاب علي الشعراني. وقد فكر عبد الوهاب في تلحين بعض آيات القرآن. وأسمعنا تلحينه لآيات من سورة الرحمن. وسألنا هل يمكن مصاحبة اللحن بموسيقى هادئة... وأسمعنا، ولكنه ونحن أيضاً ترددنا في ذلك. وقد حاول عبد الوهاب وأراد أن يلتفت أحد إلى ذلك في تقليد الآذان في إحدى أغانيه. والتفت إليها الناس. ولكنهم لم يذهبوا إلى أبعد من أنه حاول أن يؤذّن. ولكن أحداً لا يقدر على أن يقول إن عبد الوهاب يحاول أن يلحن القرآن".

وفي تحقيق أجرته مجلة المصور عام 1970، قال عبد الوهاب: “من يتدبر كلام الله ويدرسه ويفكر فى مدى تعبير تلاوته أو تجويده حالياً عن معانيه، يلاحظ أن الآيات متباينة وسريعة الانتقال من معنى شامل إلى معنى آخر شامل أيضاً. وأن الآيات فيها تتابع فى التعبير المتباين عن الرحمة والزجر والغفران والعذاب والوعد والوعيد، وتقدم صوراً شديدة الجاذبية للنار والجنة والإيمان والكفر.

وأضاف: “تدبر القرآن إذاً هو منطلقي إلى فكرة تلحينه، وهو أيضاً شفيعي ودليلي والنجم الهادي الذى يلهمني فكرتي. وأنا أعرف سلفاً أن كلمة مثل التلحين تثير مخاوف الكثيرين، وكفيلة بأن تصدم مشاعرهم، إذ ربما يقترن في أذهانهم التلحين المتواتر للكلام العادي بما يتنافر مع جلال القرآن، وربما ظن آخرون أن التلحين هو الأداء بفرقة موسيقية أو البعد عن الدراسة الوافية للنطق في القرآن”.

رياض السنباطي

رياض السنباطي، يراه البعض أفضل من لحن القصيدة العربية، وتعد رائعته “الأطلال”، التي لحنها لأم كلثوم، أحد أهم 100 عمل سيمفوني في العالم خلال القرن العشرين، بحسب استفتاء لصحيفة لوموند الفرنسية أجرته عام 2000.

السنباطي هو ابن الكتّاب وابن القرآن، فقد كان والده شيخاً قارئاً للقرآن ومنشداً دينياً، ومنه تعلم أصول الموسيقى، فكان يذهب إلى كتاب القرية ويعود ليمسك بالعود الخاص بوالده في بيته، كما أخبرنا كتاب “الأغاني بعد الأصفهاني”، لمحمد سليم غيث.

أقوال جاهزة

شارك غردالقرآن له موسيقى أخاذة، وهذا ما دفع مطربين وملحنين كبار مثل محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي إلى الرغبة في تلحينه

شارك غردبين المطربين الذين رغبوا في تلحين القرآن، والشيوخ الذين استخدموا الموسيقى في ترتيلهم.. وقفة انبهار أمام الموسيقى التي يحملها القرآن

وفي التحقيق الذي أجرته مجلة المصور عن تلحين القرآن، قال السنباطي، إنه يوافق على الفكرة ولكن بشروط، ضمنها ألا يقدم على هذا العمل إلا هو وعبد الوهاب، لأنهما عايشا المشايخ الرواد الذين قرؤوا القرآن بصوت عذب ومنضبط على المقامات الصوتية، وتعلما منهم، كمحمد رفعت، طه الفشني، علي محمود، ويوسف البهتيمي.

تلاوات بصوت مشاهير الغناء

ورغم شهرتهم الكاسحة في الغناء والموسيقى، كانوا يحبون قراءة القرآن مرتلاً. وهذه قراءة بصوت محمد عبد الوهاب:

سيدة الغناء العربي أم كلثوم أيضاً كان والدها إماماً لمسجد قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية في مصر، وأرسلها إلى الكتاب وهي طفلة لتحفظ القرآن، وبالفعل حفظت الكثير منه، وتعلمت من والدها الشيخ أصول الإنشاد والغناء، وعندما كبرت كانت تقرأ القرآن بترتيل منضبط:

كذلك كانت تتلقى النصائح من الشيخ مصطفى إسماعيل، وأحضرته معها إلى إحدى بروفات أغانيها، ليعلق على أدائها:

الموسيقار، الشيخ سيد مكاوي، بدوره، تربى في الكتاب وحفظ القرآن، وامتهن ذلك، بالقراءة والآذان في مسجدي “أبو طبل” و”الحنفي” بحي الناصرية في القاهرة. يصفه الناقد محمد بو ذينة في كتابه “الموسوعة الموسيقية”، بآخر شيوخ الموسيقى العربية، والذي تشعر في صوته وألحانه بمزج بين القرآن والغناء.

شيوخ أفادتهم الموسيقى

على الناحية الأخرى، فإن بعض القرّاء في مصر تخرجوا أيضاً من الكتاب واحترفوا قراءة القرآن لكنهم لم ينسوا الموسيقى، بل استخدموها لتطريب قراءتهم وجعلها أكثر وقعاً على النفوس. ومن هؤلاء:

محمد رفعت

الشيخ محمد رفعت، المولود عام 1882، صاحب أقدم تسجيلات للقرآن الكريم في الإذاعة المصرية، والتي افتتحت بصوته عام 1934، والملقب بـ”قيثارة السماء”، كان يقرأ على المقامات الصوتية (الموسيقية)، ويجيدها.

يقول حفيده المهندس إبراهيم رفعت، إن جده كان مستمعاً جيداً للموسيقى الشرقية بل والغربية الكلاسيكية، مشيراً إلى أن مكتبته كان بها سيمفونيات موزارت وباخ وشوبان وبيتهوفن وتشايكوفسكي وغيرهم، ولا تزال الأسطوانات الخاصة بها موجودة إلى الآن.

الشيخ محمد رفعت حفظ القرآن الكريم وهو في سن الخامسة، وهو من خريجي كتّاب مسجد فاضل باشا بدرب الجماميز في حي السيدة زينب بالقاهرة، ودرس علم القراءات وعلم التفسير ثم المقامات الموسيقية على أيدي شيوخ عصره، بحسب حفيده المهندس إبراهيم.

وهذه قراءة على مقام الحجاز لآية من سورة مريم:

مصطفى إسماعيل

في كتّاب قرية ميت غزال بمركز السنطة في محافظة الغربية بمصر، ولد الشيخ مصطفى إسماعيل عام 1905، وهو أحد أهم من قرؤوا على المقامات الموسيقية، فلم يكن فقط يقرأ على المقامات الثمانية الأساسية (صبا، نهاوند، عجم، بياتي، سيكا، حجاز، رست، كرد)، ولكن أيضاً على المقامات الفرعية، والتي وصلت إلى 19 مقاماً، بحسب ابنه أحمد مصطفى، الذي يؤكد أن محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وأم كلثوم كانوا شديدي الانبهار به، بل ويتعلمون منه، لافتاً إلى أن شهرته جعلته قارئ الملك فاروق الخاص.

ويضيف أحمد أن بيت والده كان به آلات موسيقية، وكانت والدته تعزف على البيانو.

عبد الباسط عبد الصمد

في كتاب قرية المراعزة بمركز أرمنت في محافظة قنا، جنوب مصر، ولد الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد عام 1927، وبها حفظ القرآن الكريم، وتعلم قراءاته السبع، حتى اعتمد في الإذاعة عام 1951، ولقب بـ”الحنجرة الذهبية” و”موسيقى السماء”.

قرأ القرآن في عشرات المدن والدول، من الغرب إلى الشرق، من أميركا إلى آسيا مروراً بأوروبا، وقرأ في الحرمين المكي والمدني وكذلك في المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي قبل الاحتلال الإسرائيلي.

خبير الأصوات طه عبد الوهاب يؤكد أن عبد الباسط كان يقرأ على المقامات الموسيقية، بالإضافة إلى أنه كان يعزف على آلة العود، وهو الأمر الذي جعله من أقرب الأصوات القرآنية القريبة إلى قلوب المستمعين، لأن المقامات تضفي الأحاسيس التي يفترض أن تعبر عنها الآيات، فتجد المستمع حتى ولو كان لا يفهم تفسير الآية إلا أنه يستشعر معناها، بفعل المقام الحزين أو السعيد الذي يقرأ عليه الشيخ.

محمود علي البنا

الشيخ محمود علي البنا، هو أحد روافد الكتّاب أيضاً، ولد بقرية شبرا باص التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية في مصر عام 1926، وتعلم في كتاب القرية وحفظ القرآن الكريم. ويروي خبير الأصوات طه عبد الوهاب أن البنا التقى بالشيخ درويش الحريري، أحد أهم المنشدين في مصر عام 1946، وتعلم منه المقامات الموسيقية وأتقنها، وجعلت تلاوته مدرسة قرآنية موسيقية تستحق الدراسة.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

كلمات مفتاحية
#bestof_R22 فن

التعليقات

المقال التالي