رسائل الحب في التاريخ: متعة أدبيّة أم "فضيحة"؟

رسائل الحب في التاريخ: متعة أدبيّة أم "فضيحة"؟

تقول الرواية إن شاباً فقيراً، وبعد هجر حبيبته له، كان يأتي كل يوم لينتحب أمام تمثال القديس فالنتاين طالباً منه المساعدة ليستردّ حبيبته. ظلّ على هذه الحال طوال أشهر ولسان حاله أمام التمثال يقول "يا شفيع المحبين، أعد لي حبيبتي". مع الوقت تعب القديس منه، فنطق التمثال قائلاً "يا بني أرجوك امض من هنا، لا تكلمني أنا... اذهب واكتب لها رسالة".

هي الرسالة التي اكتسبت، وقبل ثورة الاتصالات وتعدّد الوسائط، أهمية قصوى بين المحبين، وغيّرت مصائر علاقات كثيرة، بين رسالة وصلت في أوانها لتمنع الحبيب من ارتكاب قرار ظالم، وبين رسالة هدأت من لوعة الفراق، وأخرى لم تصل في وقتها أو أخفاها طرف ثالث فأبعد الأحباء عن بعضهم البعض.

احتفت كتب التاريخ بها، وكذلك الروايات والسينما. أما الأدباء والشعراء والفلاسفة فحمّلوها بعداً مقدساً، جعلها تضطلع بكشف مكنوناتهم الأكثر حميميّة. بعضهم تبادلها مع أفراد من العائلة أو الأصدقاء وبعضهم الآخر بعثها إلى المحبوب. رسائل غيّرت وجه التاريخ والأدب عندما أبصرت النور، وأخرى بقيت في الظلّ لتحتفظ بمفهوم الرسالة الأوّلي: الرسالة ملك المرسل والمرسل إليه حصراً.

اكتسبت رسائل المشاهير لبعضهم البعض، أو لطرف آخر أهمية بالغة، وأغنى نشرها مكتبات الأدب والسياسة على مدار الأزمنة. فعندما اطلع العالم، على سبيل المثال، على رسائل القائد العسكري الفرنسي نابليون بونابرت لزوجته جوزفين، اكتشف وجهاً آخر للعسكري الجبار، هو وجه الرجل المحب الذي يقول "لم أمض يوماً واحداً دون أن أحبك، ولا ليلة واحدة دون أن أعانق طيفك"، ثم يطلب منها "جوزفين لا تغسلي أعضاءك الحميمة فأنا قادم".

غادة السمان... بين أنسي وغسان

مؤخراً، نشرت غادة السمان رسائل الكاتب اللبناني الراحل أنسي الحاج لها.

أثارت الرسائل موجة جدل بين ساخط على السمان ومدافع عنها، وهكذا عاد إلى الواجهة السؤال عن الحق في نشر رسائل شخص ما بعد موته ودون إذنه، وما هو الحدّ الفاصل بين مشاركة المتعة الأدبيّة وبين الخصوصيّة في هذه الحالة؟

يرى المدافعون عن نظرية النشر أن الرسالة عند خروجها من يد صاحبها، يفقد الأخير ملكيته لها. ومهما حوت الرسالة من خصوصيات، فهي لا تعني شيئاً لجهة الملكية، ولا بدّ للمرسل أن يكون واعياً لهذا الأمر قبل إقدامه على إرسالها.

كما أن الرسائل لم تتجاوز كلام الحب والشهوة والرغبة، وهي تعني أصحابها، وبالتالي يرى المدافعون عن غادة أنها لم تشوه صورة الأديب، لأنه في النهاية إنسان ويحق له أن يحب كيفما شاء ومن شاء. واستعاد هؤلاء الكلام عن هذا "التابو" في مجتمعاتنا العربيّة الذي يجعلنا نقدّس المشاهير ونرفض المساس بالصورة التي رسمناها لهم ورؤيتهم في حالة ضعف ناتجة عن الحب، تصيب أي منا بشكل طبيعي.

أقوال جاهزة

شارك غردغادة السمان تحدث ضجة من جديد: نشر رسائل أنسي الحاج من دون رسائلها يكرس صورة الفتاة المرغوبة التي تسعى وراءها أسماء كبيرة

شارك غرد"لا أحد يتحمل الحقيقة"... جملة لأنسي الحج تفسر هذا الربط الدائم بين رسائل الحب والشهوة و"الفضيحة" في العالم العربي

والجدير ذكره، أن رسائل أنسي الحاج فيها كلام عن ذاته وضعفه وحاجاته أكثر ما فيها كلام عن حب خالص للسمان. فنراه يقول في أحدها "لا، لستِ مجرد خشبة إنقاذ بالنسبة لي. عندما أقول أنا بحاجة عظيمة إليكِ فمعناه أنني، كذلك، بحاجة إلى من يكون بحاجة، عظيمة، وربما أعظم بكثير من حاجتي، إليّ... إن لجوئي إليكِ ليس لجوء إنسان إلى شيء، بل لجوء إنسان إلى إنسان آخر. إنه رغبة في الارتباط. وإذا كنتُ أريد أن أتخطى وضعي فيكِ فإنني أريد، كذلك، أن تتخطّي وضعكِ فيّ. ليس مثلي من يدرك معنى الكلمات يا غادة: معناها العميق، الحقيقي، الثقيل، المُلزِم، والمحرِّر أيضاً. ليس مثلي من يدرك معنى صرخة: أحبك".

في المقابل، انتقد كثر "أنانيّة" السمان، التي تجعلها تنشر القصة من طرف واحد، أي رسائل أنسي لها حصراً. ويعيبون عليها استغلالها لأسماء كبيرة من أجل تلميع صورتها في عالم الأدب، فأنسي أرسل لها هذه الرسائل منذ أكثر من أربعين عاماً. هؤلاء استعادوا تجربة السمان السابقة مع رسائل غسان كنفاني التي تسبب نشرها بأذى كبير لعائلته وخدش صورة "المثقف الثوري" التي عمل بجهد من أجل تكريسها. تقول السمان إنها أحبت غسان أيضاً، لكنها لم تنشر رسائلها له، وبقي الأمر محصوراً بصورتها كفتاة مرغوبة وأسماء كبيرة تسعى وراءها.

غادة ليست وحدها

ما زالت قصة الحب ومعه الرسائل المتبادلة عبر القارات بين مي زيادة وجبران خليل جبران حاضرة حتى اليوم، على الرغم من أنهما لم يلتقيا أبداً طيلة 19 عاماً، وهي مدة تبادلهما الرسائل. الأخيرة جمعتها الكاتبة سلمى الحفار الكزبري في كتاب حمل عنوان "الشعلة الزرقاء". تقول مي في إحدى الرسائل "ما معنى هذا الذي أكتبه؟ لا أعرف ماذا أعني به! ولكني أعرف أنك "محبوبي"، وأني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير". فيرد عليها جبران "عزيزتي الآنسة مي. منذ كتبت إليك حتى الآن وأنت في خاطري. لقد صرفت الساعات الطوال مفكراً بكِ مخاطباً إياك مستجوباً خفاياك مستقصياً أسرارك. والعجيب أنني شعرت مرات عديدة بوجود ذاتك الأثيرية في هذا المكتب ترقب حركاتي وتكلمني وتحاورني وتبدي رأيها في مآتيَّ وأعمالي". طيلة 19 عاماً، وهي مدة المراسلة بينهما، لم يلتق جبران ومي ولا مرة واحدة، وقد توقفت الرسائل بينهما في العام 1931، عند وفاة جبران. وقد خرج الاثنان من الدنيا عازبين.

تكتسب الرسائل التي تنشر بعد موت أصحابها أهمية في التعرف على حقيقة الشخص، وتعتبر ذات أهمية كبيرة حتى لو لم تواز أعماله الأدبية الأخرى جودة. في المقابل، نجد رسائل أخرى مكتوبة بعمق وحرفة، تجعلنا نتخيّل صاحبها وهو يرى أنها منشورة على الملأ، وفي ذلك تكمن تلك الرغبة الدفينة في سعي الإنسان للخلود.

من يرسم صورة الراحل؟

اشتهر ملك إنجلترا هنري الثامن بقصة تنازله عن العرش من أجل الأميركية ويليس سبمبسون التي أحبها، وقد كتب لها في إحدى الرسائل يستعطفها ألا تطيل غيابها "أنا وقلبي ملك يديك، أتوسل ألا تجعلي غيابك يُنقص من جذور عواطفك نحوي". أما الروائي الروسي فيودور دستويفسكي، فكتب بشكل سري إلى أخيه، رسائل خاصة تعبر عن تفاصيل وقائع حياته الفقيرة قائلاً "لا أملك كوبيكا واحداً لكتابة رسالة"، ويضيف "إنني أفضّل أن أسجن خمسة عشر عاماً، شرط أن أحتفظ بقلمي في يدي... أنا مسكون بالخوف من أن يُصاب حبي الأول للعمل بالفتور، قبل انطلاقه على الورق".

وما زالت الفتاة التي كتب لها الموسيقار بيتهوفن هذه الرسالة في العام 1812 مجهولة، وقال فيها "يا إلهي، فلننظر إلى جمال الطبيعة ونُريح قلوبنا بما يجب أن يكون، فالحب يتطلب كل شيء، وهذا عادل جداً، وبالتالي فأنا لك وأنت لي، فأنا قلبي مليء بالعديد من الأشياء التي أريد أن أقولها لك. فابتهجي، وتذكري أنك حقيقتي، وكنزي، فكلي لك". وكتب إرنست همنغواي لمارلين ديتريش في العام 1951 يقول "لا يمكنني أن أبوح بما أشعر به في كل مرة أضع ذراعيّ حولك، فأنا أشعر وكأنني في البيت، ربما ليس هناك الكثير من الأشياء التي نفعلها، ولكننا دائماً نشعر بالبهجة ونلقي النكات معاً".

التاريخ حافل برسائل وقصص كثيرة، بينما يبقى لافتاً ارتباط العديد من الرسائل في العالم العربي، خاصة تلك التي تكشف الحب والشهوة، بـ"الفضيحة" أكثر من أي شيء آخر. كتب أنسي الحاج يقول في أحد خواطره "مَن يتحمَّل الحقيقة؟ لماذا البحث عنها، لماذا الحقيقة ولا أحد - ابتداءً من الطفل و"حقائق" الحياة، وانتهاءً بالمريض وحكْم موته، مروراً بالعاشق وحقائق محبوبه بين العيوب الجسديّة والخيانة - لا أحد، يتحمّل الحقيقة". هذه الحقيقة تصبح أحياناً خفيفة لدرجة لا تُحتمل.

لا يمكن لأحد أن يُبرّئ غادة ولا أن يلومها. هكذا هو الحب، ومعه الأدب، اللذان يحملان قوة العالم وضعفه في كفة واحدة، ويضيع بينهما الحد الفاصل بين الممكن والمشتهى، بين الحقيقة والخيال. أما الأهم، في هذه الحالة، فهو حصولها بعد موت طرف ما، فيصبح السؤال عن صورة الراحل التي حاول صقلها خلال حياته، وعن تلك الإضافات التي تستجد بعدما فقد القدرة على التحكم بهذه الصورة. عندها، من يمكن أن يملك الحق في اتخاذ قرار بشأن الصورة الأكثر صلاحية لتكريسها له؟ لا أحد.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
الحب العالم العربي

التعليقات

المقال التالي