لماذا دافع مفكرون عرب عن نظرية داروين في بدايات القرن الماضي؟

لماذا دافع مفكرون عرب عن نظرية داروين في بدايات القرن الماضي؟

لم يعرف العالم العربي والإسلامي نظرية داروين حول النشوء والارتقاء لأول مرة من ترجمة كتابه "أصل الأنواع" On the Origin of Species، والتي صدرت ترجمة جزئية له بالعربية في عام 1918 وترجمة عربية كاملة له في عام 1964، بل قبل ذلك عن طريق عدد من المسيحيين العرب ممن درسوا الطب في الكلية السورية الإنجيلية، والتي عرفت فيما بعد بالجامعة الأمريكية في بيروت، والذين قدموا النظرية في العديد من المنشورات باللغة العربية بما في ذلك مجلة "المقتطف".

ويبدو أن هؤلاء قد رأوا في نظرية داروين وسيلة مفيدة للترويج لأيديولوجياتهم العلمانية والمادية على أساس علمي، وهو ما استغله آخرون أيضاً، مثل حركة تركيا الفتاة، التي وقف مفكروها الماديون في وجه السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918 م) وأعلنوا تمردهم على الخلافة، وكذلك المصلح والمحدث الإسلامي السيد أحمد خان (1817-1898 م)، والذي عُرفت عنه مواقفه السياسية المؤيدة لبريطانيا، وكان واحداً من أوائل المفكرين المسلمين الذين ساندوا نظرية داروين.

Charles-Darwin

تكشف المقدمة السابقة النظرة "المؤدلجة" للعالم العربي والإسلامي تجاه نظرية التطور منذ نظرتهم الأولى عليها، ويبدو من الصعب على المسلمين في كثير من الأحيان، حتى في عالم اليوم، أن ينظروا إلى نظرية التطور نظرة علمية مجردة، لكي يتمكنوا من الحكم عليها وفقاً لحيثياتها لا وفقاً لأجنداتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية، وهو ما نحاول عرضه عندما نرجع إلى الخلف قليلاً، لنرى ردود فعل مفكرينا المعاصرين حول النظرية.

مؤيدو النظرية

يعتبر شبلي شميل وسلامة موسى وإسماعيل مظهر أبرز من أيدوا نظرية التطور من بين المفكرين والمترجمين العرب، وقد قدم كل منهم إسهاماً مميزاً في ترجمة وشرح النظرية وتبسيطها للقارىء العربي.

الدكتور شبلي شميل

يعد الدكتور شبلي شميل (1853-1917 م) من أوائل المفكرين العرب الذين أيدوا نظرية التطور، وهو أحد خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، وإذا كان داروين قد نشر كتابه "أصل الأنواع" في عام 1859، فإن شميل قد وضع كتابه "شرح بخنر على دارون"، ونشره في عام 1884 بالإسكندرية، أي قبل إصدار الترجمة العربية الأولى لكتاب داروين، كما وضع كتاباً بعنوان "الحقيقة"، نشر في عام 1885، وتضمن ردوداً لإثبات مذهب داروين في النشوء والارتقاء.

وليس صعباً على القارىء لكتابات شبلي شميل أن يلاحظ تأثره وإيمانه العميق بالفكر التطوري، وانعكاس ذلك على فكره الاجتماعي والتربوي والأدبي بشكل عام.

يقول شميل في مقدمة الطبعة الأولى من الجزء الأول من مجموعة أعماله، والتي طبعت بمطبعة المقتطف بمصر سنة 1910، أن "الإنسان لا ينبغي أن يطمع بصلاح حاله إلا بمعرفة الحقائق التي يلزمه أن يسعى إليها جهده، ولا يجب أن يخجل من معرفة أصله أنه حيوان، فالحقيقة لا يخجل من معرفتها إلا الجاهل".

سلامة موسى

آمن الكاتب المصري الراحل سلامة موسى (1887-1958 م) إيماناً راسخاً بنظرية التطور، وقد أخذ على عاتقه تأييد النظرية وتبسيطها ومحاولة إثباتها في العديد من المؤلفات المبسطة، منها ثلاثة كتب هي "نظرية التطور وأصل الإنسان" و"الإنسان قمة التطور" و"مقدمة السوبرمان"، فضلاً عن الكثير من المقالات في الصحف والمجلات.

وأثرت نظرية التطور في سلامة موسى تأثيراً جذرياً، واتسع مفهومه لها ليشمل تطور الفرد والمجتمعات، فكما يقول في مقدمة كتابه الإنسان قمة التطور: "ولسنا نقصد من التأليف عن التطور أن يعرف جمهور القراء حقائق هذه النظرية فحسب؛ لأننا إنما نتوسل بهذه النظرية إلى أن نعمم مزاجاً ذهنياً، واتجاهاً نفسياً، وخطة اجتماعية، نحو التغيير؛ أي: نحو التطور في الشعب وفي الفرد أيضاً".

أقوال جاهزة

شارك غردتعرفوا على أوائل المفكرين المسلمين الذين ساندوا نظرية داروين…

شارك غردفي بدايات القرن الماضي، دافع مفكرون عرب عن نظرية داروين الخاصة بالتطور. نظرة على هذا السجال القديم

وفي مقدمة الطبعة الثانية من كتابه نظرية التطور وأصل الإنسان، يقول موسى: "وكسب آخر كسبناه من هذا المزاج التطوري، هو النظر للمستقبل والجرأة على تخطيطه في حرية تامة من التقاليد والعادات المتحجرة، وأولئك الذين ينفرون من نظرية التطور إنما يفعلون ذلك لإحساس خفي بأن هذه النظرية تحريرية في دلالتها، تفكك الأغلال وتفتح المستقبل للتفكير الجريء".

إسماعيل مظهر

يعرف إسماعيل مظهر (1891-1962 م) بترجمته لكتاب تشارلز داروين "أصل الأنواع" إلى العربية، في عام 1918، وهي الترجمة التي استكملها الجيولوجي د. محمد يوسف حسن (1920-2006 م) بترجمته للفصلين الرابع عشر والخامس عشر من الكتاب بعد وفاة مظهر.

ويرجع ميل إسماعيل مظهر لتبني نظرية التطور إلى دراسته في إنجلترا، مهد النظرية ومنشأ مذهب داروين، خاصة دراسته لعلوم الأحياء التي جعلت من الطبيعي تعرضه للنظرية وتاريخها، في فترة تداخلت أفكار نظرية التطور في معظم الفروع المعرفية والاتجاهات الفكرية على اختلافها.

ويحسب لمظهر أنه كان من أوائل من اهتموا بترجمة كتاب "أصل الأنواع"، وقام بترجمته ترجمة علمية رصينة، ووضع بنفسه ترجمات عربية لمصطلحات علمية كثيرة لم تعرفها اللغة العربية من قبل، وربما كان ذلك من أهم أسباب انضمامه لمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

وتدلل سيرة إسماعيل مظهر على إيمانه بمذهب داروين التطوري، خاصة أنه تفرغ لمدة تزيد عن عشر سنوات من أجل إنهاء مؤلفه "ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء"، والذي يقول في مقدمته: "قضيت ما ينيف على عشر سنوات مكباً كل الإكباب على دراسة مذهب العلامة داروين في النشوء والارتقاء. طالعت زبدة المؤلفات التي كتبها، والتي كتبها غيره من جهابذة علماء القرن الماضي في أصل الأنواع وأصل الإنسان وخرجت من مجمل ذلك بمذكرات وتعليقات، إن أردت أن أخرجها في كتاب لأتمت صفحاته بضعة آلاف صفحة".

والمثير أنه مع اعتقاد إسماعيل مظهر في مذهب داروين، إلا أنه كان باحثاً صادقاً يتحرى الحيادية، مما جعله يوجه نقداً صريحاً لاثنين من المفكرين، هما الدكتور شبلي شميل والسيد جمال الدين الأفغاني، فكما يقول في مقدمة كتابه: "لما كان لأولهما من الأثر في نشر المذهب الدارويني مشبعاً بالرأي المادي، ولما كان لثانيهما من الأثر في العمل على نقض المذهب، قضاء لمعتقده من أن نشر هذا المذهب قد يفسد من طبيعة الشرقيين وتقاليدهم أكثر مما ينفعهم".

المعارضون للنظرية ودعاة التوافق مع الإسلام

يتصدر السيد جمال الدين الأفغاني قائمة معارضي نظرية التطور من بين مفكري الإسلام المعاصرين، وقد كان رفضه قاطعاً للنظرية، مثلما كان الحال مع محمد فريد وجدي، صاحب موسوعة "دائرة معارف القرن العشرين" والأستاذ أنور الجندي. وكان الموقف الرافض لهؤلاء واضحاً على عكس البعض ممن حاولوا التوفيق بين ما قالته النظرية وما ورد في التراث الإسلامي والقرآن الكريم، من أمثال عباس محمود العقاد والشيخ أمين الخولي والشيخ حسين الجسر.

جمال الدين الأفغاني

في كتابه "الرد على الدهريين"، والذي نشر لأول مرة بالفارسية في عام 1878 ثم بالعربية في 1885، شن جمال الدين الأفغاني (1838-1897 م) هجوماً حاداً على نظرية داروين، وحاول تقديمها على أنها مجموعة من الادعاءات غير العلمية المفتقدة للمنطق.

يقول الأفغاني عن داروين: "وقد ألف كتاباً في بيان أن الإنسان كان قرداً، ثم عرض له التنقيح والتهذيب في صورته بالتدريج على تتالي القرون المتطاولة وبتأثير الفواعل الطبيعية الخارجية حتى ارتقى إلى برزخ (أوروان أوتان) ثم ارتقى من تلك الصورة إلى أول مراتب الإنسان.. وعلى زعم دروين هذا يمكن أن يصير البرغوث فيلاً بمرور القرون وكر الدهور وأن ينقلب الفيل برغوثاً كذلك".

وهذا القول يدل على عدم فهم الأفغاني لنظرية داروين بشكل صحيح، وأن هجومه كان مجرد اندفاع عاطفي تجاه كل من يخالفونه في المعتقد والأفكار الفلسفية والاجتماعية والسياسية.

الشيخ حسين الجسر

كان الشيخ اللبناني حسين الجسر (1845-1909 م) من أوائل المفكرين الإسلاميين الذين وضعوا مؤلفاً يتناول نظرية التطور، والذي جاء تحت عنوان "الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقية الشريعة المحمدية"، وعلى الرغم من المقالات التي ضمها الكتاب لشرح طبيعة الخلق المنفرد للمخلوقات الحية، لم يقف الجسر موقفاً معارضاً من نظرية التطور، فقد رأى أن نظرية داروين، في حال إثباتها علمياً، لا يتناقض مع الاعتقاد في وجود الله، وأن الإسلام يمكن التوفيق بينه وبين العقلانية والعلوم الطبيعية، وأنه يمكن تأويل النص القرآني الخاص بالخلق فقط عندما تثبت صحة نظرية داروين علميا بما لا يدع مجالا للشك.

عباس محمود العقاد

من جانبه، دعا المفكر المصري عباس محمود العقاد (1889-1964 م) إلى عدم الاستناد إلى القرآن الكريم في إنكار مذهب التطور. يقول العقاد في الجزء الرابع من "موسوعة عباس محمود العقاد الإسلامية" إن "الذين أنكروا مذهب التطور يحق لهم أن ينكروه من عند أنفسهم، لأنهم لم يطمئنوا إلى براهينه ودعاواه، ولكنهم لا يجوز لهم أن ينكروه استناداً إلى القرآن الكريم، لأنهم لا يملكون أن يفسروا خلق السلالة الآدمية من الطين على نحو واحد يمنعون ما عداه، وكل ما يجوز لهم أن يوجبوا الإيمان بأن الله تعالى سوى الطين وبث فيه روح الحياة، فصنع منه السلالة التي نشأ منها آدم عليه السلام، فأما أن يحتموا كيفية التسوية، وكيفية النفخ، وكيفية خلق السلالة والزمن الذي خلقت فيه، فهو ادعاء على القرآن، لا يقبل منهم على وجه من وجوه النفي أو الإثبات".

التعليقات

المقال التالي