الألغاز في تراثنا: أداة تشويق وإثارة... ودهاء

الألغاز في تراثنا: أداة تشويق وإثارة... ودهاء

اللغز سؤال لاختبار الذكاء مكتوب في قالب مجازي، هدفه الكشف عن الجانب الخفي من ذكاء الإنسان. والتراث الإسلامي يزخر بنماذج وصور عديدة للألغاز التي قيلت في مواقف بعينها. في كتابه "الألغاز الشعبية في محافظة الدقهلية"، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يستعرض الباحث التراثي محمد أبو العلا، صوراً من الألغاز التي ترددت عبر مراحل التاريخ الإسلامي.

الرسول: الأحاديث الملغّزة

استخدم الرسول أسلوب اللغز في بعض أحاديثه، لجذب انتباه الصحابة للكلام الذي سيلقيه، فقد بدأ الكثير منها بقوله: أتدرون من كذا؟ أو ما تقولون في كذا؟

من بين الأحاديث التي استخدم فيها الرسول أسلوب اللغز، ما ورد عن عبد الله بن عمر، عن قول الرسول إن "من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟، قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، فقالوا حدثنا يا رسول الله ما هي؟ قال: النخلة".

ويذكر الباحث لغزاً استطاع الرسول حله بعدما عجز الصحابة عنه. فروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وجدنا رجلين، رجلاً من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط. فأما القرشي فأفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا فعل ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: كم القوم؟ فقال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم، فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم فأبى، ثم إن النبي سأله كم ينحرون من الجُرُز؟ فقال: عشراً لكل يوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ألف، لكل جزور مائة وتبِعها".

علي بن أبي طالب: الألغاز الفقهية

أوضح أبو العلا أن هناك نوعاً من الألغاز الفقهية التي تضمنتها كتب التراث، مشيراً إلى أن علي بن أبي طالب استخدم منهج التحايل، لحل لغز فقهي: "جيء برجل حلف فقال: امرأته طالق ثلاثاً إن لم يطأها في شهر رمضان نهاراً، فقال علي: تسافر بها ثم لتجامعها نهاراً".

المعضلة هنا تكمن في أن الرجل حلف أن تطلق امرأته ثلاثاً، وهو طلاق لا رجعة فيه إن لم يطأها في شهر رمضان نهاراً. فاستخدم علي بن أبي طالب رخصة الإفطار التي منحها الله للمسافر، ليسافر، وما دام سافر، فإنه يحل له كل ما للمفطر من حقوق.

معاوية بن أبي سفيان: ألغاز ملك الروم

ويحوي التراث الإسلامي ألغازاً وجهت إلى حُكام المسلمين من قبل آخرين، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، الذي أرسل له ملك الروم بقارورة، فقال: ابعث إليّ فيها من كل شيء حي، فبعث بها إلى ابن عباس، فقال تُملأ له ماء. فلما ورد به على ملك الروم، قال أخاه: ما أدهاه. فقيل لابن عباس: كيف اخترت ذلك؟ قال: يقول الله "وجعلنا من الماء كل شيء حي".

وروي أيضاً عن محاولة اختبار هرقل ملك الروم لمعاوية، فكتب إليه يسأله عن الشيء ولا شيء، وعن دين لا يقبل الله غيره، وعن مفتاح للصلاة، وعن غرس الجنة، وعن صلاة كل شيء، وعن أربعة فيهم الروح ولم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وعن رجل لا أم له، وعن قبر جرى بصاحبه، وعن قوس قزح ما هو، وعن بقعة طلعت عليها الشمس مرة واحدة ولا تطلع عليها قبلها ولا بعدها، وعن شجرة نبتت بغير ماء، وعن شيء تنفس ولا روح له، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد، وعن البرق والرعد وصوته، وعن المحو الذي في القمر. وقيل لمعاوية، متى أخطأت في شيء من ذلك سقطت من عينه، فاكتب إلى ابن عباس يخبرك عن هذه المسائل، فكتب إليه فأجابه.

بقية القصة طويلة، لكننا سنعرض بعض الإجابات. فأجاب ابن عباس بأن الشيء الذي لا شيء هو الماء، والأربعة الذين لم يركضوا فى رحم النساء فهم آدم وحواء، وناقة صالح وكبش إسماعيل، أما الرجل الذي لا أب له فهو المسيح، والرجل الذي لا أم له، فهو آدم عليه السلام.

الشيفرة اللغزية: طوق النجاة

اللغز المشفّر نوع من الألغاز التي زخرت بها كتب التراث الإسلامي. أوضح الباحث أن الشيفرة اللغزية، معناها يكون مغلقاً حتى على حاملها. ولا يملك مفتاح الحل سوى شخصين فقط هما المرسل والمستقبل، وتكون في جميع الأحيان هي السبيل الوحيد لخلاص الفرد أو الأمة.

ولعل من أغرب الحكايات التي تضمنت هذا النوع من الألغاز، حكاية طاهر بن عبد الله، التي وردت في كتاب "أخبار الظرّاف والمتماجنين"، فكان الأسلوب المشفّر سبباً في خلاصه ونجاته.

والقصة: "غضب المأمون على طاهر بن عبد الله، وأراد طاهر أن يقصده، فورد كتاب له من صديق له ليس فيه إلا السلام، وفي حاشيته: يا موسى! فجعل يتأمله ولا يعلم معنى ذلك، وكانت له جارية فطنة، قالت: إنه يقول "يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك" سورة القصص آية 20.

ومن هذا القبيل ما أورده أبو علي بن القاسم القالي البغدادي في كتابه "الأمالي"، من أن رجلاً من بني العنبر، كان أسيراً في ديار بكر بن وائل، فسألهم رسولاً إلى قومه، فقالوا له: لا ترسل إلا بحضرتنا، لأنهم كانوا إذا أزمعوا غزو قومه فخافوا أن ينذر عليهم، فجيء له بعبد أسود فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إني عاقل، فقال له: ما أراك عاقلاً. ثم قال له ما هذا؟ وأشار بيده إلى الليل، فقال هذا الليل، فقال أراك عاقلاً، ثم ملأ كفيه من الرمل فقال: كم هذا؟ فقال: لا أدرى وإنه لكثير، فقال: أيهما أكثر النجوم أم النيران؟ فقال: كل كثير، فقال أبلغ قومي التحية وقل لهم ليكرموا فلاناً، يعني أسيراً كان في أيديهم من بكر بن وائل، فإن قومه لي مكرمون. وقل لهم إن العرفج قد أدبى، وقد شكّت النساء، ومُرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معكم حيساً، واسألوا الحارث عن خبري.

فلما أدى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جُن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء، ولا جملاً أصهب، ثم سرّحوا العبد ودعوا الحارث وقصوا عليه القصة، فقال لهم: قد أنذركم".

أما قوله: قد أدبى العرفج، فإنه يعني أن الرجال قد استلأموا، أي لبسوا الدروع، وقوله: شكّت النساء، أي اتخذن الشّكاء للسفر. وقوله: ناقتي الحمراء، أي ارتحلوا عن الدهناء، واركبوا الصمّان وهو الجمل الأصهب.

ويتبين من هذه القصة، أن الشيفرة التي أرسلها الأسير، كانت سبباً في نجاة قومه بفضل ذكائه وذكاء الحارث، الذي استقبل الشيفرة وفك رموزها.

وأورد الكتاب قصة تراثية، تضمنت شيفرة لغزية، إذ يحكى أن ملكاً عزم على غزو عدو له، فأرسل جاسوساً له، فُقبض عليه. وأمروه أن يكتب رسالة إلى الملك يذكر له أنه وجد القوم ضعفاء، ويطمعه فيهم ويزين له غزوهم، فكتب: أما بعد فقد أحطت علماً بالقوم وأصبحت مستريحاً من السعي في تعرف أحوالهم، وإني قد استضعُفُهم بالنسبة إليكم، وقد كنت أعهد من أخلاق المهلة في الأمور، والنظر في العاقبة، ولكن هذا ليس وقت النظير في العاقبة، فقد تحققت من أنكم الفئة الغالبة بإذن الله، وقد رأيت من أحوال القوم ما يطيب به قلب الملك، نصحت فدع ريبك ودع مهلك، والسلام".

صحت عزائمهم على الخروج، ولكن الملك تنبه لذلك وفسره أرباب دولته على أنه حذرهم. فقوله: أصبحت مستريحاً من السعي، يعني أنه محبوس، وقوله: استضعفهم بالنسبة إليكم، يعني أنهم ضعفنا لكثرتهم. وقوله: إنكم الفئة الغالبة بإذن الله، يشير إلى قوله تعالى "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله". وقوله: ورأيت من أحوال القوم ما يطيب به قلب الملك فعند تأمل ما بعده نجد أنه يعني بالقلب العكس، لأن الجملة الآتية مما يوهم بذلك، وعند قلب جملة نصحت فدع ريبك ودع مهلك، نحصل على: كلهم عدو كبير عد فتحصن".

القصص الملغّزة: هارون الرشيد والجارية

في التراث الإسلامي أيضاً كثير من الحكايات التي تنطوي على لغزٍ، يظل غامضاً حتى نهاية القصة، ليمثل عاملاً مهماً من عوامل التشويق وإثارة الذهن، فيصنع حالة من الترقب، طلباً لمعرفة حل اللغز، الذي لا ينكشف إلا بعد تصاعد الأحداث.

في كتاب "الأذكياء"، أورد ابن الجوزي قصة ملغّزة جاء فيها: قال عيسى بن محمد الطوماري سمعت أبا عمرو محمد بن يوسف القاضي يقول: اعتل أبي علةً شهوراً فانتبه ذات ليلة فدعا بي وبإخوتي وقال لنا: رأيت في النوم كأن قائلاً يقول: كل لا واشرب لا فإنك تبرأ، فلم ندر تفسيره وكان بباب الشام رجل يُعرف بأبي علي الخياط حسن المعرفة بعبارة الرؤيا، فجئنا به فقص عليه المنام، فقال: ما أعرف تفسيره، ولكني أقرأ كل ليلة نصف القرآن فأخلوني الليلة حتى أقرأ رسمي وأتفكر.

فلما كان من الغد، جاءنا فقال: مررتُ على هذه الآية "لا شرقية ولا غربية" فنظرت إلى "لا" وهي تردد فيها، اسقوه زيتاً وأطعموه زيتاً، ففعلنا وكان سبب عافيته.

وهناك قصة طويلة مختصرها أن جارية اضطر صاحبها لبيعها إلى هارون الرشيد، لأنه كان يمر بأزمة مالية شديدة، فأراد الرشيد أن يختبرها بعدما أخبرته أنها تحسن جميع العلوم. استدعى كبار العلماء في مختلف الفروع وكانت تجيب كل واحد منهم بفصاحة، ثم تطرح على العالم الذي يمتحنها بعض الأسئلة. إذا عجز عن إجابة أحدها، تشترط عليه أن تجيبه مقابل أن يخلع عنه ثيابه، ويسلمها إليها اعترافاً بهزيمته أمامها. وهكذا انتهت جميع جلساتهم معها بأن خلع كل واحد منهم ثيابه.

وطرحت الجارية على الطبيب لغزاً محيراً، وسألته: "ما تقول في شيء يشبه الأرض استدارة، ويواري عن العيون فقاره، قليل القيمة والقدر، ضيق الصدر والنحر، مقيد وهو غير آبق، موثوق وهو غير سارق، مطعون لا في القتال مجروح لا في النضال، يأكل الدهر مرة ويشرب الماء كثرة، وتارة يضرب من غير جناية ويستخدم من غير كفاية، مجموع بعد تفرقه متواضع لا من تملقه، حامل لا لولد في بطنه، مائل لا يسند إلى ركنه، يغتسل فيتطهر ويصلي فيتغير، يجامع بلا ذكر ويصارع بلا حذر، يريح ويستريح ويعد فلا يصيح، أكرم من النديم وأبعد من الحميم، يفارق زوجته ليلاً ويعانقها نهاراً، مسكنه الأطراف في مساكن الأشراف".

سكت الطبيب ولم يجب بشيء، لكنه شهد أمام هارون الرشيد بأنها أعلم منه، ونزع ما عليه من ثياب وسلمها إليها، وخرج هارباً من المجلس. فسألها الرشيد عن حل اللغز، فأجابته بأن الحل هو الزرار والعروة، فأعجب بها ودفع ثمنها إلى صاحبها. وبلغ من إعجابه بها أن سألها أن تتمنى عليه شيئاً فتمنت عليه أن يردها إلى صاحبها، فردها هارون إليه، بعد أن أعطاها خمسة آلاف دينار، تقديراً لوفائها لصاحبها الذي تزوجها بعد ذلك.

محمد شعبان

صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

كلمات مفتاحية
الإسلام التراث

التعليقات

المقال التالي