في ذكرى ميلاده... تعرفوا على أقوى معارك طه حسين الفكرية

في ذكرى ميلاده... تعرفوا على أقوى معارك طه حسين الفكرية

اليوم في 15 نوفمبر، ذكرى ميلاد عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، الذي توفي عام 1973، عن عمر ناهز 83 عاماً. وفي هذه المناسبة، نسلط الضوء على بعض من أهم المعارك الفكرية التي خاضها، والتي لا تزال أصداؤها حاضرة في اهتماماتنا الثقافية، ومحافلنا الفكرية حتى يومنا هذا.

في الشعر الجاهلي: معركة طه حسين الكبرى

عام 1926، نشر طه حسين كتاب بعنوان "في الشعر الجاهلي"، فيه عرض لنظريته، التي ترى أن غالبية الشعر العربي الجاهلي الذي وصلنا، كتب بعد الإسلام وليس قبله. وأن الشعراء الجاهليين المعروفين والمشهورين، من أمثال عنترة بن شداد العبسي، وامرؤ القيس، ما هم إلا محض أساطير زائفة، ولم يوجد لهم أي وجود تاريخي حقيقي.

كما أن حسين في هذا الكتاب، قد أعلن استخدامه لمنهجية نقدية، لم يعتد العقل الإسلامي تقبلها. فقد جاء في أول كتابه إنه سيسلك في هذا البحث منهج ديكارت، الذي يطالب الباحث بأن يتجرد من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن ينسى عواطفه القومية والدينية. وقام حسين باستخدام تلك المنهجية في نقد بعض القصص التي وردت في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الصحيحة، مثل تشكيكه في قصة انتقال إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى الحجاز، وفي وجود بعض الأساطير المرتبطة بأصل الرسول. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في قوله: "ولأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون من صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن يكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة بني مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية".

وأحدثت تلك الآراء جدلاً كبيراً في الأوساط الأكاديمية والثقافية، بمجرد نشرها. فكان أول من عارض طه حسين بخصوصها، هو واحد من طلبته في الجامعة، محمود محمد شاكر.

كان شاكر من الطلبة المقربين جداً للأستاذ طه حسين، بل إن شاكر يروي أن طه حسين، هو الذي أقنعه بالالتحاق بكلية الآداب، وأفاده كثيراً في النجاح في اختبارات اللغة الفرنسية.

بدأت الأزمة بين الطالب والأستاذ، عندما قام طه حسين بعرض آراء كتابه أثناء المحاضرة. يقول شاكر إن الآراء التي قال بها أستاذه، لم تكن سوى ترديد واقتباس عن أقوال المستشرق مارجيليوث. لذلك، فإن شاكر اعترض على أستاذه وأعلن عن نسبة تلك الأقوال للمستشرق الإنجليزي، فكان رد فعل حسين عنيفاً وغاضباً إلى أقصى حد، حتى أن شاكر اتخذ قراراً نهائياً بترك الجامعة.

أما خارج أسوار الجامعة، فبمجرد أن انتشر الكتاب وتناقلته أيادي المثقفين المصريين، وجّهت موجة هائلة من الاعتراضات ضده، وضد صاحبه. فقام الأديب مصطفى صادق الرافعي، بكتابة عدد من المقالات للرد على مزاعم طه حسين، ثم تم تجميع تلك المقالات في كتاب باسم "تحت راية القرآن".

وقد ورد في الكتاب اتهام الرافعي لحسين، بكونه مشابهاً للشيعة في اتهامهم لصحابة الرسول، كما وصف كتاب "في الشعر الجاهلي"، بأنه "كتاب سخيف".

أقوال جاهزة

شارك غردبعض من أبرز معارك طه حسين المثيرة للاهتمام... عميد الأدب العربي كان يحب المناكفات

وسرعان ما دخل الأزهر ورجاله على خط المواجهة، فقام شيخ الأزهر محمد الخضر حسين، بتأليف كتاب بعنوان "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، وقام بنقد نظريات طه حسين وتبيان خطئها وزيفها.

وشكّل الأزهر لجنة من العلماء لمراجعة الكتاب، خلصت في النهاية، بحسب ما ورد في كتاب تحت راية القرآن للرافعي، إلى أن "الكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه". ولم يكتف معارضو طه حسين بذلك، بل أقيم ضده عدد من الدعاوى القضائية، التي برئ منها في نهاية المطاف، فتم إعادة نشر الكتاب بعد منعه، ولكن تحت مسمى جديد وهو "في الأدب الجاهلي".

معركة التغريب والتحديث

عُرف عن طه حسين ميله لمسايرة الحضارة الغربية، ودعوته الصريحة للأخذ والاقتداء بالمناهج والطرق الدراسية والتعليمية الأوروبية.

ففي كتابه عن مستقبل الثقافة، يعلن طه حسين عن وجهة نظره بوضوح، عندما يقول يجب أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يُحمد منها وما يُعاب.

تلك الدعوة التي تواترت في كتب ومؤلفات عميد الأدب العربي، أثارت الكثير من الاعتراضات والانتقادات. ويذكر الدكتور إبراهيم عوض في كتابه "معركة الشعر الجاهلي بين الرافعي وطه حسين"، أن طه حسين كان "أداة أوروبية استعمارية، غرضه توهين عرى الإسلام".

كما أن الرافعي اعتاد أن يلقب طه حسين متهكماً بـ"أبي مارغريت" و"أبي ألبرت"، تعريضاً بانتماءاته الفكرية الوثيقة الصلة بالغرب.

وينقل إبراهيم عوض قصة غريبة عن طه حسين على لسان سكرتيره الشخصي، وهي أن حسين أثناء إقامته في فرنسا وعند اتمام مراسيم زواجه من الفرنسية سوزان بريسو، تعمّد لاعتناق النصرانية، وكان ذلك في كنيسة إحدى القرى الفرنسية. لكن عوض لا يؤكد تلك القصة، ولا يقطع بصحتها.

ومن أهم "الاتهامات" التي وجهت لحسين، أنه كان وثيق الصلة بالعديد من الشخصيات المسيحية، منهم القس الكاثوليكي عم زوجته سوزان، والذي اعتاد طه حسين على وصفه بكونه "أحب الناس إلى قلبه"، والمستشرق الإنجليزي مرجيليوث والمستشرق الفرنسي لويس ماسينون.

معركة الشيخ بخيت

في رمضان عام 1955، نشر مقال لأحد مدرسي الأزهر، يدعى الشيخ عبد الحميد بخيت في جريدة الأخبار. وقد ورد في المقال رأي الشيخ الأزهري في إباحة إفطار رمضان إذا أحس الصائم بأي تعب أو جهد أو مشقة، وكان دليل الشيخ في فتواه الآيات القرآنية التي ترى ضرورة عدم تحميل الإنسان فوق ما يستطيع.

وكرد فعل على هذا المقال، قام الأزهر بنشر مقال آخر على صفحات الجريدة نفسها، ليبين خطأ الشيخ في فتواه، وأعلن الأزهر عن عزمه فتح تحقيق مع الشيخ بخيت وعن نقله من وظيفته.

ورغم كونه في ذلك الوقت موجوداً في فرنسا، إلا أن عميد الأدب العربي لم يكن ليفوت تلك الفرصة السانحة للدخول في معركة جديدة ضد أعدائه وخصومه التقليديين. فنشر مقالاً بعنوان "ما الخطأ؟"، انتقد فيه جمود الأزهر، وعدم قدرته على التجديد والاجتهاد ومواكبة العصر، كما أعلن عن رأيه في ضرورة عدم تعريض الشيخ بخيت للعقاب.

وأمام ذلك الوضع الحرج، قام الشيخ عبد الحميد بخيت بالتراجع عن موقفه، وأعلن عن خطئه وتخليه عن الأفكار التي نشرها في مقالته السابقة. ولكن رغم ذلك فقد تم التحقيق معه ثم نقله إلى إحدى الوظائف الكتابية.

وقد تطورت الأحداث بعد ذلك بسرعة كبيرة، فمن باريس أرسل طه حسين مقالاً يعترض فيه على نتائج ذلك التحقيق، فأدى ذلك إلى حدوث تراشق فكري بين الفريق المؤيد للأزهر وأفكاره التقليدية من جهة، والفريق الآخر المؤيد لطه حسين ومنهجه التنويري التجديدي من جهة أخرى.

واستمرت تلك المعركة قائمة لعدة شهور، حتى استطاع الشيخ بخيت أن يرجع مرة أخرى لوظيفته الأساسية، بعد أن رفع قضية أمام القضاء الإداري، فحكمت المحكمة بإبطال قرار شيخ الأزهر ورجوع الشيخ بخيت لوظيفة التدريس.

 

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

كلمات مفتاحية
ثقافة

التعليقات

المقال التالي