حكايات أولياء مصريين كتبت من أجلهم أغانٍ تخلدهم

حكايات أولياء مصريين كتبت من أجلهم أغانٍ تخلدهم

تختصر الأغنية الشعبية الأزمنة والأمكنة، وتنقل الأحداث عبر الأجيال المتعاقبة. هكذا الحال في حكايات الأولياء، التي تجافي العقل والمنطق، ورغم ذلك يتناقلها العامة والمريدون، عبر أغانٍ صنعوها حباً فيهم، وتخليداً لذكراهم وأساطيرهم.

في كتابه "تحت القبة شيخ"، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يستعرض الدكتور إبراهيم عبد العليم حنفي، حكايات 8 أولياء بمدينة الفيوم، من خلال عدد من الأغاني الشعبية التي يرددها زوار مقاماتهم.

مريم، الصوفية المسلمة والقديسة المسيحية

كانت مريم فتاة جميلة، عُرفت بصفاء النفس ومحبة الناس، تحب مجالسة الصوفية، حتى أصبحت مريدة ثم شيخة لطريقة صوفية.

يا بنت يا مدلعة      يا بنت يا مشخلعة

بحبك يا حلوة      عجبي ما دام قلب قلبي محب

كانت النساء يجلسن حولها في حلقات الذكر الصوفي، ويطلبن منها أن تمسح بيديها على رؤوسهن، لينجبن ذكوراً، أو منهن من يردن الشفاء من العقم، فتدعو لهن وتستجاب دعوتها.

ويُحكى أن سيدة زارت مقامها في الفيوم، وطلبت في دعوتها أن تستجيب الشيخة مريم لطلبها في الإنجاب، وما إن نامت السيدة حتى رأت الشيخة في ثياب بيضاء، تمسك سكيناً، وبيدها تفاحة، شقتها نصفين وأخذت نصفاً، وتركت الآخر للسيدة، وبشرتها بانقطاع الدورة الشهرية منها إيذاناً بالحمل والإنجاب، فأنجبت المرأة. وبعد ذلك تكرر الحلم لأكثر من سيدة.

يا طاهرة يللي شقيتي التفاحة       تعالي وشقيها

وفك العقدة وفك الربطة              واخلفي عليّ بالولد أو بالبت

وتطلع بنت جميلة                     وحياة سيدنا هاتي البركة

وقد لعب اسم مريم دوراً في اعتقاد المجتمع بها، فنسبها المسيحيون إليهم، واعتقد بعض المسلمين أنها شيخة مسلمة صوفية، وبمرور الزمن اعتبرها العامة قديسة. يزور مقامها المسيحيون والمسلمون يوم مولدها، يوم شم النسيم، موعد خصوبة الأرض الزراعية. يؤدون الطقوس، ويصنعون الخبز، ويوزعونه مرددين هذه الأغنية:

زرعنا القمح وقلعنا الزرع       وانت البيضاوية

احنا وانت ع الزراعية       يا مريم بنت الأكابر

والله لاخبز لك عيش فاخر        وانت البيضاوية

يا ام الشال اخضر وحرير         ه ه ه هاي

لاعملك حمام وفطير         طيري يا شايلة الفلاحة

زرعنا القمح وقلعنا الزرع       وانت البيضاوية

أبو خلف أبو قرعة، الولي السكير

يقع مقامه في منطقة منشأة الفيوم، وهو ولي قضاء الحاجة. ارتبطت حكاياته بالخصوبة والنماء. ويحكى أنه كان شاباً قوي البنيان، عاش منعزلاً عن الناس في مكان مقامه الآن، معتزلاً النساء. يؤمن مريدوه بأنه كان يهذي بكلام يتوقع حدوثه في المستقبل، وإذا دعا لمريض بالشفاء تستجاب دعوته، وإذا مر بامرأة عاقر وضحك لها، قد يرزقها الله مولوداً. ثم جاء لقبه "أبو خلف" من هذه الكرامات التي يسميها العامة أحياناً الخلف.

أقوال جاهزة

شارك غردحكايات أولياء تجافي العقل والمنطق، ورغم ذلك يتناقلها العامة والمريدون عبر أغانٍ صنعوها حباً فيهم

شارك غرد"يا بنت يا مدلعة... يا بنت يا مشخلعة" مطلع أغنية لولية صالحة اعتبرها المسلمون شيخة صوفية، واعتبرها المسيحيون قديسة

اسم "أبو قرعة" جاء من إسرافه الشديد وعدم مبالاته بما ينفق ويأكل. فيوصف المبذر عادةً بـ"قرعة" أو "أبو قرعة"، أو ربما لأنه كان يشرب الماء في نصف ثمرة القرع.

يا أولياء الله الصالحين     أمانة عليكم أنتم رايحين فين

فيه رجال منكم بيطيروا    ورجال لسا قاعدين

وناس بتمشي شمال     وأبطال بتمشي يمين

القضب (القطب الصوفي) قاعد وبعد شوية     مش عارف رايح فين

قلت يا رب نولني واخلف     على بالعقل الرزين

القضب قالي الحب في القلب     مش في العقل يا حزين

قولي يا عم أبو خلف     تنصحنا أصلنا نايمين

قالي يا مريدي الأولياء     كرامات ولا تسأل وتكون من النادمين

جاد الحق، ساجن أبيه

كان جاد الحق قوي البدن، تقياً عُرف بصلاحه، وقدرته على التحدث بلسان بليغ. كان لا يخشى فى الحق لومة لائم، فاتصف بالعدل، لذا جاء لقبه حاملاً قدرته على إظهار الحقيقة التي تغيب عن المجتمع.

رأى أباه يستل سكيناً وينقض على جاره ويقتله، ثم يهرب سريعاً إلى داره. وبرغم أن لا شهود على الحادثة، جمع أهل المنطقة صباحاً، وقص عليهم ما شاهده، وذهب إلى القضاة، وقص عليهم ما رآه، والناس وراءه يهتفون "جاء الحق يا جاد الحق".

بكتب كلام بالقلم لما القلم اشتكى

بكتب حقائق الناس القلم سابني واترمى

شهد القلم على صاحبه بالحقيقة وبكى

قلم الحقايق ظهر وقلم الظالم اختفى

فهم علم النبي إن الحقيقة لازم تنحكى

شهد جاد الحق على أبوه وفي السجن اترمى

وقاله ليه يا بويا تقتل ما دام الحق ظاهر

قاله يا قلم غلطت وكنت قاتل ماهر

رد عليه السلطان إن ربنا قادر

كانت هذه القصة سبباً فى توجه أصحاب المظالم والمظلومين إلى مقامه، غرب مدينة الفيوم، يطالبونه بإظهار الحقيقة. وهذا يظهر في الأغنية التي يرددونها عند كنس المقام. فيقوم المتضرر من السرقة أو السحر بهذا الطقس، اعتقاداً منه بأن التراب المتطاير سيدخل فى عيون الظالمين له، والظالم سيسرع لرد ما أخذه أو يعترف به.

كنست على الظالم ترابك

كنست ووقفت على بابك

اعميه بترابك

ظلمني وعذبني

خليني أشوف فيه يوم

ياللي جبت الحق في يوم

أبو الحارس، البطل المحارب بربع جسد

يسود الاعتقاد في قرية "فيدمين"، شمال غرب الفيوم، حيث يقع مقامه، بأن الولي يتفقد القرية ليلاً فيمنع الظلم، ويعاقب الباغين. ويجري يميناً ويساراً، ممتطياً جواده، ليحمي المنطقة من أي سوء، لذلك أطلقوا عليه اسم "أبو الحارس".

كان "أبو الحارس" فارساً محارباً، أبلى بلاءً حسناً في الحروب، حتى أنه في إحداها فقد ثلاثة أرباع جسده، ولم يعرف بالضبط اسم هذه الحروب. أما الربع المتبقي من جسده، فطار به قاطعاً الفيافي والصحراوات، حتى نزل به إلى القرية، وعندئذ راح يطوف بالبلدة والناس وراءه يهتفون ويهللون في فرح.

واختلف المسلمون والمسيحيون على نسبه، فاعتبره المجتمع شيخاً مرة، وقديساً مسيحياً مرة أخرى. ويزور مقامه المسلمون والمسيحيون، ويؤدون طقوساً مرتبطة بقصة طوافه بالبلدة، فيركبون الجياد ويتسابقون ويفرون في سباق يسمى "المرماح".

وهناك أغنية يرددها زائرو مقامه وتروي حكايت:

فضل سيدي أبو الحارس ينط

وكان بفرسه بس رجله جات

أصاد العدو وقف وفات

عدى بحور ياما ومسافات

عيني على اللي انكوى بربع الجسد

طار وباقي الجسد فات

صاحب الكرامات تسوى فدادين

اللي حارب علشان الدين

صلوا على نبينا المختار

أبو الحارس لف الميادين

رجع الواد لأمه في ساعتين

واللي يطلب منه ينزل سعادتين

وادي مقامه ينور جنيتن

صلوا على نبينا الزين

سيد حابس الوحش، قاهر الجن

يعتقد الناس أن هذا الولي يسيطر على الجان ويعذبه ويطرده، واسمه الشيخ محمد. لكن المجتمع لقبه بـ"حابس الوحش" مستنداً إلى حكاياته، التي تظهر قوته وسيطرته على الجان، خصوصاً ذلك الجني الذي كان يهدد أمن المنطقة التي كان فيها "درب الطباخين". فكان أهلها كلما زرعوا محصولاً ونضج وحان وقت حصاده، وجدوه محترقاً تشتعل فيه النيران، فهبوا إلى الولي يستغيثون به ويطلبون عونه، وجاءت كرامته التي تظهر قدرته. إذ قيّد الجني وأنزل جام غضبه بربطه ثم رميه ثلاث مرات من أعلى الربوة، وأخذ يفقأ عينه ليتدحرج، وبذلك نما الزرع، وظلت المنطقة آمنة هادئة. وشاع بين أهالي المنطقة إقامة حلقات الذكر عند مقامه، ليحضر الجان، ويسيطر الولي عليه ويعذبه، معتقدين أنه يخشى دائماً ذكر اسم الولي.

يا سيد حابس الوحش

يا للي رميت الوحش الكاسر

ارم وحش حبيبك

اللي جالك وداس في الخرم بتاعك

بِركة الشيخ رجب، المياه المباركة

بركة الشيخ رجب، عبارة عن بئر يقترب قطرها من المترين، وتوجد جوار المقابر، شمال منطقة الطباخية. ويعتقد العامة أن ماءها يشفي الأمراض التي تصيب الإنسان، سواء كانت جسدية أو عصبية، كما يعتقد أن مائها يهلك الجان في الأجساد.

ويحكي مريدو الشيخ رجب أنه غاب ثلاثة أيام عن الأنظار، وإذا بالفلاحين يبحثون عنه لأمر جلل حدث له، وهو أن مياه الري قد نضبت والأرض جفت. وعندما وجدوه توسلوا له أن يدعو لهم بالنماء، فتبسم ضاحكاً ووضع يده على الأرض، وتمتم بكلمات، وقام بحركات وهاج وماج، فإذا بالأرض قد انفجرت وانشقت بعين ماء متدفق.

منذ ذلك الحين، أصبح العامة يستحمون بهذه المياه للشفاء من الأمراض. وكل من أصابه مس من الجن، يذهب إلى البئر، خصوصاً أن هناك من يعتقد أن الشيخ رجب يسكن فيها.

يا مية يا جارية

اشفي بحق سيدي الشيخ رجب

وطلع اللي جوايا بره واكفيه يا مية شره

ورطبي جسمي يا مية يا جارية

وهناك أغنية أخرى تقول:

مية الشيخ رجب تضمك

وتهدي اللي فيك

واللي عايش جو منك تطلعه وتشفيك

ان مستخبي تجيبه

وإن كان بيطير تجيبه

تطهر جسمك وبدنك

بحق سيدي الشيخ رجب

علي الروبي، حامي الفيوم

يمثل الولى علي الروبي للمجتمع الفيومي البطولة والخلاص والعدل. وله مقام يقع في حي علي الروبي، ومن حكاياته أنه استطاع أن يمنع البلاء عن المنطقة في الحرب العالمية الثانية عام 1945، عندما ألقيت قنبلة على مدينة الفيوم، فاستطاع أن يحول مسارها من قلب المدينة إلى قلب ترعة.

ويُروى أن الروبي قيّد اللصوص، الذين اعتادوا سرقة الماشية من منطقة الطباخين.

يا حامي أنا منك محب

أنا قصدت بابك يا بطل مدحت بقلب

سيدي لما يحضر يكون المريد طب

وهناك حكاية أخرى ترتبط بسيدة فقدت طفلها، الذي لم يتجاوز عمره ثلاث سنوات، وظلت تبحث عنه لمدة عام أو أكثر، فزارت الولي وراحت تكرر الزيارات كل عام في ذكرى مولده السنوي وتتوسل إليه، وإذا هي شاخصة ببصرها أعلى المقام فتجد ابنها يمد يديه إليها فتأخذه بشوق ولهفة.

وربما كانت هذه القصة سبباً في طقس يمارسه العامة، وهو ثقب الأذن اليمنى للطفل الذكر، حتى يحول عيون الحاسدين إلى القرط الذهبي المعلق فيه، ليكون فداءً من قوى الحسد. وعند أداء هذا الطقس تطلب الأم من الولي حماية ابنها عبر هذه الأغنية:

آدي الإبرة وأدي الفتلة

ندخلها في عين الحاسدة

أصل الحاسدة على الباب

والباب مقفول

بركة الروبي تعميها كده على طول

الولي أبو الحمل، حامل الأحمال والهموم

عُرف الولي أبو الحمل بقدرته على التحمل والصبر على المشقة والجوع، وحمل هموم مجتمعه. لذا كان العامة يترددون عليه للشكوى من المظالم والهموم، فيزيلها عن كاهلهم.

وقد عاش "أبو الحمل" في فترة حكم المماليك، وشهد بطشهم في إقليم الفيوم، وكان يدعو عليهم فتزلزل قصورهم تحت أقدامهم. وعندما استمر المماليك في طغيانهم، هب إليه مجتمعه يطلب نجدته، فأخذ يرفع التراب عالياً، ويتمتم بكلمات، ثم غرق بعدها في صمت. وما هي إلا برهة من الوقت، حتى سمع قصوراً تتصدع وجنوداً يصرخون من الإعياء، ويتخبطون يميناً ويساراً، ولم يستطيعوا تحمل ما بهم فقرروا الرحيل عن المنطقة، بحسب الرواية المتداولة.

والهم زادني ويقول اه اه ياني

وقفت على المقام اللي جاني جاني

على باب سيدي حمال الهموم الشوق رماني

سندت ظهرى اللي انكسر من الشيل

وشكيت دمعي لسيدي يشيل

زيح الهم والغم ده عمره طويل

اللي مع أبو الحمل، عمر حمله ما يميل

ويتردد الناس على مقام أبو الحمل، في منطقة الطباخين، يطلبون منه أن يساعدهم في حمل همومهم، وأن يبعد كل ما هو ضار عنهم وهم ينشدون:

على باب أبو الحمل       تركت حملي وحالي

حضرني البطل      وكان الكشف مجاني

أنا قلت أمانة يا بطل      توصف دوا لحالي

رجع علي بالشَربة      لقيت الحمل في ثواني

محمد شعبان

صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

التعليقات

المقال التالي