اشكال وألوان الأغنية الوطنية المصرية تاريخياً

اشكال وألوان الأغنية الوطنية المصرية تاريخياً

ظلت الأغنية الوطنية منذ عهد الاحتلال البريطاني حتى يومنا هذا، وثيقة فنية تؤرخ للتغييرات السياسية والاجتماعية، التي مرت بها مصر، خلال نهايات القرن 19 وبدايات القرن الـ20. كان لوجود الفرق المسرحية الخاصة دور كبير في انتشار هذا النوع من الأغاني، التي كانت تقدم في قالب المسرح الغنائي، خصوصاً الأغنية السياسية التي تناهض الاحتلال البريطاني وتدعو إلى الاستقلال.

تؤرخ د. ياسمين فراج، أستاذة الموسيقى في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون لبدايات ظهور الأغنية السياسية في عصرنا الحديث، من خلال دور "عشنا وشفنا"، الذي لحنه وغناه المطرب عبده الحامولي. أما كلمات الأغنية، فمختلف عليها، إذ تنسب تارة إلى الشاعر محمود سامي البارودي، وتارة أخرى إلى الشاعرين اسماعيل صبري ومحمد درويش. واختلفت المصادر حول الملحن، فبعضها ذكر أنه عبده الحامولي والبعض قال محمد عثمان.

ترتبط الأغنية بواقعة اعتقال الشاعر محمود سامي البارودي، بعد أن كتب قصيدة يناهض بها الحكم العثماني. وحين أفرج عنه، عتب على بعض المؤلفين عدم ذكرهم لهذا الحدث في أشعارهم، فقدم بعدها الحامولي دور "عشنا وشفنا"، الذي اعتُبر أول أغنية سياسية في نهايات القرن الـ19. تقول كلمات الأغنية:

عشنا وشفنا سنين

شربنا الضنى والأنين

غيرنا تملك وصال

كده العدل يا منصفين؟

هجرني من غير سبب

بأني أنول الأرب

وصدق الم عاهدة شرف

وعصره بفضله اعترف

زمان الهنا والأمان

ومن عاش يشوف العجب

توضح فراج أن هناك أنواع مختلفة من الأغاني الوطنية. هناك تلك القومية المباشرة، التي تحث المصريين على التمسك بقوميتهم، كأغنية "أنا المصري" وأغنية "قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك". وهناك الأغاني الحماسية، التي تدعم موقفاً أو حالة شعبية، مثل نشيد "بلادي بلادي"، واغنية "مصريتنا قوميتنا حماها الله".

في عهد الملك فاروق، ظهرت مجموعة من الأغاني من خلال المسرح الغنائي، وسجل بعضها على أسطوانات مثل أغنية "كنت في الجيش"، وهي قصيدة غناها الشيخ سلامة حجازي في إحدى المسرحيات. بالإضافة إلى منيرة المهدية، التي قدمت أغاني سياسية كثيرة في مسرحياتها، موجهة إلى الاحتلال الإنجليزي.

استخدام الرمز في الأغنية السياسية

الأغاني السياسية انتشرت إلى حد جعل قوات الاحتلال الإنجليزي تفرض نوعاً من الرقابة على ما يقدم. فاعتقلت كل من يقدم أغاني تناهضها بشكل مباشر، وأغلقت عدداً من المسارح. لذا بدأ الفنانون في تقديم أغنيات ظاهرها عاطفي، وباطنها معانيه سياسية.

أقوال جاهزة

شارك غردهل تعرفون ما المقصود بأغنية "العتبة جزاز والسلم نايلو في نايلو" الشهيرة؟ إليكم الإجابة

شارك غردتطور الأغنية الوطنية المصرية من "عشنا وشفنا" أواخر القرن الـ19 إلى أغنية محمد منير "إزاي ترضيلي حبيبتي" في بدايات ثورة يناير

درويش ومنيرة المهدية وحجازي وغيرهم، اتجهوا إلى استخدام الرمز بسبب إدراك الإنجليز لقوة وتأثير الفن على الشعب المصري، والدور الهام الذي يلعبه في حضّ الشعوب على التمرد، خصوصاً بعد ثورة عام 1919، ونفي الزعيم سعد زغلول. إذ قدم الفنان سيد درويش أغنية "يا بلح زغلول" تأليف بديع خيري، عن نفيه.

تقول كلماتها:

زغلول يا بلح يا بلح زغلول

يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول

ماعيتشي أبكي وفيه مدبر مين بس ينكر زغلول يابلح

ياروح بلادك ليه طال بعادك

تعا صون بلادك

سعد وقال لي ربي نصرني

وراجع لوطني

على صعيد آخر، وفي الجزء الأول من الخمسينيات، بدأت المفاوضات مع الملك فاروق على انفصال السودان عن مصر، فقدمت منيرة المهدية أغنية تقول: "اوعى الخرطوم ليضيع منك"، في إشارة إلى الانفصال. لكن المشهد المسرحي الذي تغنت فيه بهذا المقطع، لا يعطي هذا الإيحاء، إذ ظهر على المسرح شخص يمسك بخرطوم المياه يروي به الحديقة.

الناقد الفني طارق الشناوي، قال لرصيف22 إن الأغاني السياسية هي غالباً أعمال تحريضية ضد السلطة، لكن هناك أغاني سياسية لا تستطيع السلطة أن تأخذ من أصحابها موقفاً، لأنها تستخدم التورية.

الشاعر مأمون الشناوي مثلاً، حين كتب أغنية "العتبة جزاز والسلم نايلو في نايلو"، بعد هزيمة عام 1967، كان يسخر فيها من الهزيمة السريعة للجنود، فالعتبة كان يقصد بها سيناء، رغم أن الأغنية لم يذكر فيها أي اسم.

توظيف الأغنية السياسية لدعم ثورة يوليو

تشير فراج إلى اختلاف شكل الأغنية الوطنية بعد ثورة يوليو 1952، فكان القليل منها يرتبط بالتغيير السياسي، ودعم أهداف المشروع القومي واهداف ثورة 1952. وحين قرر الرئيس جمال عبد الناصر تدشين مشروع السد العالي، ظهرت أغان مثل "حكاية شعب". وعندما قام بتأميم القناة، قدم عبد الحليم حافظ أغنية "ضربة كانت من معلم".

بعض الأغاني كانت تمجد شخص الرئيس، وبعضها الآخر تمجد المشروعات التي أنشأها التيار العسكري بعد الملكية، الذي استمر بعد هزيمة عام 1967. وظهرت الكثير من الأغنيات القومية التي تدعو الجيش لمحاربة إسرائيل واسترداد الأرض.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، كان زعيم الأغنية السياسية هو الشيخ إمام، الذي غنّى أشعاراً للشاعر أحمد فؤاد نجم.

ويؤكد الشناوي أن أغاني الشيخ إمام، كانت الأكثر شعبيةً، والأكثر تأثيراً على المصريين، خلال حكم عبد الناصر والسادات. وقدم الثنائي أغاني، معظم كلماتها مباشرة، تتهكم على نظام عبد الناصر والسادات.

الأغنية السياسية وتمجيد الحاكم

أما عن ظاهرة التغني بالحكام، فقالت فراج إن هذا النوع من الأغاني كان موجوداً قبل ثورة 1952 أيضاً. فالملك فاروق مجده الكثير من المطربين في أغانيهم، منهم أم كلثوم وأسمهان وعبد الوهاب وغيرهم.

مصر لها باع طويل من الغناء، الذي وصفته فراج بالتملقي للرؤساء والملوك، وذلك لأسباب سياسية. فالفنان يريد دعماً من القيادة ليبقى محتفظاً بحريته، وكي لا يمنع من الظهور في التلفزيون أو الراديو، أهم وسيلة للتواصل مع الجمهور حينذاك. ووصل الأمر أن قدم مطربون أغنية تحمل اسم الرئيس، مثل أغنية الفنان عبد الحليم حافظ "ناصر ناصر"، التي غناها لعبد الناصر.

هذا النوع من توظيف الفنون لتملق الحاكم كان منتشراً، وكان استثناءً أن لا يغني مطرب للزعيم أو للملك. لكن بعد ظهور الفضائيات والانترنت والسماوات المفتوحة، اختلف الحال.

قال الشناوي إن ارتباط موضوعات الأغاني الوطنية بالتغييرات السياسية قديم. أم كلثوم غنت للملك فؤاد، وللملك فاروق، وغنت أيضاً لعبد الناصر بعد الثورة. هذا لا ينفي أن هناك مطربين غنوا بالفعل لعبد الناصر عن قناعة وحب، فحدث تماهٍ بين الوطن والزعيم، خصوصاً أثناء وجود عبد الناصر في الحكم. أما بعد ذلك، في عهد مبارك، فكان الغناء للحاكم نفاقاً.

أغانٍ حماسية ساهمت في اندلاع ثورة يناير

خلال ثورة يناير، ظهرت مجموعة من الأغاني التي وصفتها فراج بأنها تحرض ضد النظام، وضد الفساد، وتدعو للتغيير والإصلاح. في المقابل، قدم بعض المطربين أغاني تدعم وتدافع عن نظام مبارك. ولعبت الأغنية الوطنية دوراً بالغ الأهمية خلال ثورة يناير، ومن الأغنيات التي أثرت كثيراً في تأجيج مشاعر المصريين، أغنية الفنان محمد منير "ازاي ترضيلي حبيبتي". رغم أنها قدمت قبل الثورة بأيام، إذ سجلها منير قبل حادث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، لكنها ارتبطت بأحداث ثورة يناير. هي أغنية سياسية من الدرجة الأولى، إذا تأملنا مقاطعها التي تقول:

إزاى ترضيلي حبيبتي

أتمعشق اسمك وانتي

عمالة تزيدي في حيرتي وما انتيش حاسة بطيبتي إزاي؟

مش لاقي في عشقك دافع

ولا صدقي في حبك شافع

إزاي أنا رافع راسك وانتي بتحني في راسي إزاي؟

أنا أقدم شارع فيكي

وآمالك م اللي باليكي

أنا طفل اتعلق بيكي في نص السكة وتوهتيه

تباين الأغنية السياسية بين ثورتي يناير ويونيو

قبيل ثورة 30 يونيو، كان الشعب شبه مجمع على رحيل نظام الإخوان، وانتشرت أغنيات مثل "انزل لو بتحب بلدك انزل"، وأغنية "علي وعلي الصوت وادي خوفك بالشلوت"، التي كتبها عمرو قطامش وغناها علي الألفي.

وترى فراج أن هناك فارقاً كبيراً بين الأغاني السياسية الحديثة، والأغاني التي كانت تقدم في السابق، على مستوى الكلمة واللحن والتوزيع. وتقول إنه لا يمكن مقارنة ما كتبه الشاعر أحمد رامي مثلاً بمن يكتبون الآن. وترجع ذلك إلى تدهور مستوى التعليم في مصر، الذي نتج عنه فقر كبير في الثقافة والوعي، فنوعية الأغاني الموجودة حالياً، هي مجرد رد فعل وناتج طبيعي لحالة التردي الثقافي والفني، وتراجع التذوق الفني.

وبرأي الشناوي، يمكن للفنان أن يقدم هذا اللون من الغناء في لحظة وعي ذاتي بما يحدث حوله، ضارباً مثال بعض الفرق المستقلة، مثل اسكندريلا، التي تأسست عام 2000، ثم توقفت، وعادت عام 2005، وأعادت تقديم أعمال غنائية سياسية يمكن اعتبار أنها ممهدة لثورة يناير، ومنها إعادة توزيع أغاني سيد درويش والشيخ إمام. كما غنّت قصائد لصلاح جاهين وفؤاد حداد وأمين حداد وأحمد حداد ونجيب شهاب الدين، وتميم البرغوثي وآخرين.

التعليقات

المقال التالي