مناظرة رئاسية بين شجرة الدر والمستعصم العباسي

مناظرة رئاسية بين شجرة الدر والمستعصم العباسي

بالرغم من أن المرشحَيْن الرئاسيين في الولايات المتحدة الأميركية لا يحظيان بترحيب الرأي العام في الشرق الأوسط، بسبب سياستهما الخارجية البالغة الخطورة على العالمين العربي والإسلامي، إلا أن هناك تفضيلاً عاماً لمرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون على منافسها الجمهوري دونالد ترامب، وفق مبدأ "أخف الضررين"، إذ يتميز ترامب بخطاب عنصري كريه، ليس فقط إزاء العرب والمسلمين، بل إزاء عدة فئات وشرائح من المجتمع الأميركي والعالمي، ما أدى إلى حدوث نفورٍ كبيرٍ منه داخل أميركا وخارجها.

واستقطبت كلينتون كل الهويات التي همشها المرشح الجمهوري، مستخدمةً خطاباً أكثر عقلانية وانفتاحاً نحو الجميع. واستطاعت الحصول على قبول تفضيلي، حتى عند أكثر الفئات العربية محافظةً وتشدداً إزاء استلام المرأة للمناصب القيادية. ولعل هذا التفضيل الاضطراري للمرأة السياسية على الرجل العدواني، يعتبر تحدياً لنمط تفكير شريحة ليست بقليلة في العالم العربي المعاصر.

وفي الوقت الذي تعيش فيه المنطقة نزعة ثورية تحررية على مختلف المستويات، وفي ظل الإخفاقات السياسية المتتالية التي يتحمل مسؤوليتها رجال في مختلف المناصب، يبدو السؤال التالي ضرورياً: لماذا لا تزال المرأة في الدول العربية مبعدة عن المشاركة الفاعلة في المناصب العليا إلا من خلال الرابط العائلي مع رجل سياسي، يستطيع أن يضمن لها مقعداً بغض النظر إذا كانت مؤهلة أو غير مؤهلة للمنصب؟ ولماذا أعلى منصب يُمكن أن تحلم به هو استلام حقيبة وزارية غير سيادية، تُقدم غالباً كديكور من أجل إثبات حداثة الدولة؟

نظرة سريعة على نماذج النساء القياديات في الشرق الأوسط قديماً (والعالم عموماً)، تفيدنا أن الرجل الحاكم كان يمهّد، غالباً عن غير قصد، للمرأة، الأم أو الزوجة أو الابنة، أن تكون بموضع سياسي نافذ من خلال المساحة التي تقدمها لها حياته السياسية. ما يتيح لها الاحتكاك بالناس من مختلف المستويات ومراقبة سير الأمور عن كثب. لكن كونها قريبة لفلان لم يكن وحده مبرراً كافياً لتحوز رضا الناس أو المعنيين باتباعها وتسليمها المركز القيادي، بل إن الكفاءة والمهارات الاستثنائية كانتا شرطاً ضرورياً للعب الأدوار الصعبة، وتعويض فقدان شرط "الذكورة" المفترض تقليدياً في الأهلية للحكم.

أقوال جاهزة

شارك غردالكفاءة والخبرة هما اللتان جعلتا "شجرة الدر" تتدرج من جارية إلى حاكمة على العرش ومؤسسة لحكم المماليك في مصر!

شارك غردلقد أفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة: الملكة شجرة الدر نموذجاً

هذه الكفاءة هي التي جعلت "شجرة الدر" تتدرج من جارية إلى حاكمة على العرش ومؤسسة لحكم المماليك في مصر في القرن الثالث عشر الميلادي.

تتفق المصادر التاريخية أن شجرة الدر كانت جارية بديعة الجمال، ذات دهاء ورأي وعقل. واختلف المؤرخون في أصلها، فمنهم من قال إنها خوارزمية أو أرمينية أو شركسية، ومنهم من رجّح أنها كانت تركية. لا نعرف كيف حازها الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، لكن الأكيد أنه عشقها أثناء سيطرته على مناطق شمال العراق/شرق تركيا. ولم يصلنا شيء عن نشأتها، لكنها برعت بتعلّم اللغة العربية قراءةً وكتابةً بإتقان، كما كانت شهمة وفاعلة للخير. وحين توفي الملك الكامل أثناء حكمه لمصر، استلم مكانه ابنه السلطان العادل أبو بكر بن أيوب، لكن لم يلقَ قبولاً من بعض الأمراء، أولهم أخوه الصالح نجم الدين. ولما قرر الأخير الذهاب إلى مصر لتسوية الأمور، أُلقي عليه القبض في الكرك، وحُبس في قلعتها عدة أشهر ومعه حاشيته وشجرة الدر، التي كانت حاملاً فأسقطت، "وقاست مع الصالح تلك الأهوال والمحن". ثم أُطلق سراحه وتخلص من أخيه وتسلطن على مصر، وكانت شجرة الدر محبةً له مساندة إياه في كل تلك الظروف.

كان الصالح نجم الدين، كلما خرج إلى حربٍ أو سفرٍ، سلمها تدبير الأمور إلى حين عودته، كما كان يستشيرها كثيراً في شؤون الحكم. ولم يكن ذلك ضعفاً منه، بل كان ملكاً مهيباً وقوراً ذا سطوة وفصاحة، إنما كان كثير التقدير للكفاءة والمواهب، فحظيت عنده بمنزلة رفيعة وجعلها موضع ثقته لقدرتها الفائقة في حسن الإدارة. وأعتقها وتزوجها حين أنجبت له ابنه خليل، الذي ما لبث أن توفي طفلاً. وبالرغم من أن الملك الصالح كان كردي الأصل، فقد فضّل شراء المماليك الأتراك، فشكّل معظم عسكره في مصر منهم، وأعتقهم وجعل بعضهم أمراء له بحسب كفاءتهم.

ولما مرض الملك، صارت زوجته تقرأ له الكتب والرسائل التي تصله، ثم يُملي عليها أجوبته، فتكتبها بخط حسن، ما أتاح لها الاطلاع على جميع الأمور، وبناء علاقة ثقة مع أرباب الدولة. وكانت المنطقة تمر بأصعب الظروف التاريخية، إذ كان الاجتياح التتري قادماً من الشرق، والعدوان الصليبي قادماً من الغرب ومسيطراً على عدة مناطق متفرقة من بلاد الشام إلى منطقة دمياط المصرية. فجعل الملك الصالح يحصّن المنصورة للإيقاع بالصليبيين، إذا حاولوا التوجه إلى القاهرة، لكن المنيّة عاجلته بأصعب الأوقات.

حكمة شجرة الدر

تصرفت شجرة الدر بحكمة كبيرة، إذ أخفت الخبر وقالت إنه مريض لا يقابل أحداً، ثم صارت الحاكم الفعلي، وجعلت تصدر القرارات وتمضي عليها بتوقيع يشبه توقيع الملك، حفاظاً على الأمن ومعنويات الجيش المواجه للصليبيين. ثم أخبرت كبير الوزراء وقائد الجيش بالأمر، ووافقت على خطة وضعاها لهزيمة الصليبيين، وهذا ما حدث في الانتصار الساحق لمصر على الحملة الصليبية السابعة في معركة المنصورة.

لو عاد المستعصم العباسي وشجرة الدر واجتمعا في مناظرة رئاسية اليوم، هل يختار العرب لحكمهم رجلاً ذا نسب عالٍ بضعفه يدمر البلد، أم امرأة متواضعة النسب بكفاءة تعمر بلد؟

وكان الملك الصالح قد توفي دون أن يستخلف، فقررت أن تولي ابنه الباقي توران شاه حفاظاً على النظام والاستقرار، "ولم تدع أحداً يطمع في المُلك لعظمتها في النفوس"، وجمعت الأمراء وقالت لهم: "السلطان يأمركم أن تحلفوا له ثم من بعده لولده الملك المعظم توران شاه المقيم بحصن كيفا". فحلّفت الأمراء والأجناد والكبراء بالعسكر على ذلك وأرسلت إليه ليستلم الحكم. فلما أتى لم يقدّر موقف زوجة أبيه، ولا جهد المماليك عموماً، بل أساء إليهم، واتهمها بسرقة أموال وهددها. كاتبت المماليك بشأنه فاغتالوه، وانتخبوا شجرة الدر ملكة على مصر. "واتفقوا على ولايتها لحسن سيرتها وغزير عقلها وجودة تدبيرها".

ويبدو أن الأيوبيين الأكراد والأقوام التي شكّلت ما يُعرف بالمماليك (المنتمين أصلاً للمنطقة الممتدة من جنوب غرب روسيا إلى البلقان، كالشركس والأتراك والأرمن)، تبنوا ثقافة جندرية مرنة في ظل الاختلاط العرقي والثقافي الهائل. ولأنهم عاشوا التجربة نفسها التي عاشتها شجرة الدر، إذ كانوا رقيقاً ثم تحرروا واستعربوا وتثقفوا بالإسلام وترقّوا وأصبحوا أمراء بكفاءتهم، فكانوا يقدّرون قيم المساواة والكفاءة.

صُكّت العملات باسم شجرة الدر، وراحت توزع الأعطيات والأموال وأنشأت المدرسة الصالحية عن روح زوجها، وصار يُخطب لها بالمساجد ويُنادى بالدعاء: "واحفظ اللهم ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين أم خليل المستعصمية (نسبةً إلى الخليفة المستعصم كإثبات ولاء)، صاحبة السلطان الملك الصالح".

إلا أن ذلك لم يرُق للخليفة المستعصم العباسي في بغداد، الذي يمثل السلالة الهاشمية ويُضفي الشرعية الروحية على الحكام المسلمين خصوصاً من غير العرب. فكتب للمماليك: "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم، فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً". رافق ذلك تحريض من القاضي الفقيه العز بن عبد السلام، الذي عارض استلام امرأة للحكم، رغم مبايعتها من قبل قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز. وقد تكفّلت "سيرة الظاهر بيبرس المملوكية" بالرد على ابن عبد السلام، إذ وضعت جواباً على لسان شجرة الدر قولها: "ليس في القرآن ما يمنع النساء من ولاية المسلمين، ولكنني متنازلة عن الملك مختارة، فولوه من تشاؤون من الرجال".

عادت شجرة الدر إلى الحكم من الباب الخلفي بزواجها من نائبها الضعيف عز الدين أيبك، وبخطة منسّقة مع أمراء المماليك، وإعلانه ملكاً لإرضاء التيار المعترض. ثم حكمت من خلاله طوال فترة حياته وبقيت قراراتها سارية المفعول، إلى أن ملّ سلطتها عليه، وفكّر أن يتخلص منها بالزواج من ابنة حاكم الموصل، فسبقته واغتالته، ثم عرضت على بعض وزرائها نقل صلاحياته إليهم.

العجيب أن المستعصم الذي عارض تولية امرأة، لم يكن الوريث الوحيد وإنما تم ترجيحه من قبل معاوني أبيه، "وآثروه للينه وانقياده ليكون لهم الأمر فأقاموه، ثم ركن المستعصم إلى وزيره مؤيد الدين العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل ولعب بالخليفة كيف أراد". فلم يفلح المستعصم بالحفاظ على بغداد من التتار، بينما أفلحت شجرة الدر بدحر الصليبيين. فلو عاد المستعصم العباسي وشجرة الدر واجتمعا في مناظرة رئاسية للترشح الآن بعد مرور 750 سنة على تجربتهما، فهل يختار العرب لحكمهم رجلاً ذا نسب عالٍ بضعفه يدمر البلد، أم امرأة متواضعة النسب بكفاءة تعمر بلد؟

جمال باكير

كاتب ومخرج ومنتج مهتم بالتراث الحضاري العربي والإسلامي. صدر له رواية أميرات منسيات وكتاب المنادمة والنديم.

التعليقات

المقال التالي