رواية إسرائيلية: المسيح كان يهودياً ويهوذا لم يخنه

رواية إسرائيلية: المسيح كان يهودياً ويهوذا لم يخنه

لا يكف عاموس عوز عن إثارة الجدل. الكاتب الإسرائيلي "الذي يحبّ إسرائيل كثيراً" يستعرض "حبه العميق لواحد من أعظم اليهود في التاريخ: يسوع المسيح". بالنسبة لعوز المسيح هو "اليهودي" الذي ساعده خلال سنوات عيشه في الكيبوتز، وسحره بـ"شعره وحس فكاهته ورحمته وعطفه وبساطته".

في روايته الجديدة "يهوذا"، يبدو عوز من جهة أخرى كمن يحرّر تلميذ المسيح الذي خانه، يهوذا، من المسؤولية باعتباره لم يخن المسيح، بل كان رجلاً أعماه الإيمان وقضمه اليأس، ففعل ما فعله تحت تأثير العشق وإيماناً منه بالمعجزة.

بعد عشر سنوات على آخر رواية له، يستعيد عاموس في روايته الجديدة موقعه المفضل في تلك المساحة الوسطية. هو الكاتب الذي وجد على جدران منزل والديه وهو في سن المراهقة، رسالة تصفه بـ"الخائن السافل" بسبب آرائه الطفولية آنذاك غير المتماشية مع خطاب الاحتلال السائد، وهو الروائي المعروف في أوروبا بـ"المتمرّد"، يتحرك دائماً في تلك المساحة الوسطية. يرى فيه البعض جرأة نقدية في مواجهته لإسرائيل لجهة طرح حل الدولتين ورفض الاستيطان، ويرى آخرون طروحاته بمثابة تمييع لحقائق تساوي بين الضحية والجلاد، لا سيما أنه "يحب إسرائيل كثيراً".

نعود إلى الرواية، فقد أثارت طريقة احتفائه بالمسيح فيها صدمة كبيرة، ليس فقط لأنه يهودي إسرائيلي، بل لأنه حارب - وبشدة - في كتاباته دور الاضطهاد المسيحي في دفع اليهودي للبحث عن وطن له. ولكن أياً يكن الغضب الذي يكنه عوز ضدّ مسيحيي أوروبا، يبقى المسيح نفسه لدى عوز مثار إعجاب عميق. حتى لو، كما يضيف عوز، "لا نتوافق المسيح وأنا على العديد من الأمور - كأي شخصين إسرائيليين".

"قبلة يهوذا للمسيح... بريئة"

يتجول عوز في لندن اليوم لتسويق "يهوذا"، بعدما تمت ترجمتها إلى الإنكليزية من النسخة العبرية التي تحمل عنوان "إنجيل يهوذا". يعترف عوز، في حديثه مع صحيفة الغارديان البريطانية، أنه في سن السادسة عشرة كان مأخوذاً بالعهد الجديد، ويقول "كنت أعلم أنه إذا لم أقرأ الأناجيل، فلن أتمكن من الوصول إلى فنون عصر النهضة أو كتب دوستويفسكي أو موسيقى باخ. وعليه، في المساء عندما يخرج الصبيان للتسلية، وأصبح وحيداً، كنت أنكب سراً على قراءتها... ولقد وجدت راحتي مع المسيح".

بالنسبة لمعظم معاصري عوز، يُعتبر العهد الجديد مساحة محرمة، مقصداً يخاف "اليهود الجيدون" الاقتراب منه. لكن لم يكن هذا حال عوز، لا سيما أن ثمة من سبقه من العائلة لذلك. عمه الأكبر جوزف كلاوزنر هو أحد أبرز مؤرخي إسرائيل الذي اختار التعمق في المسوغات التاريخية للحركة الصهيونية. وهو صاحب كتاب "يسوع الناصرة" في العام 1921، الذي ادعى فيه أن المسيح يهودي. وقد تبنى عوز النظرية قائلاً "ولد المسيح يهودياً ومات يهودياً… لم تطأ قدمه كنيسة، بل كان يزور الكنيس اليهودي”.

أقوال جاهزة

شارك غردلا يكف عاموس عوز عن إثارة الجدل. الكاتب "الذي يحب إسرائيل كثيراً" يستعرض "حبه العميق لواحد من أعظم اليهود في التاريخ: يسوع المسيح”

لكن وبقدر تأثر عوز بشخصية المسيح، فقد أغضبته الروايات المتداولة عن يهوذا. بنظره هي روايات "مفرغة من معناها وقبيحة"، ولو أنه قد توفر مدقق موثوق به بالأناجيل المكتوبة، لكانت الروايات مختلفة. في هذا الإطار، يشكك في ما قيل عن قبول يهوذا الإسخريوطي، الرجل الغني، بـ30 قطعة من الفضة فقط ثمناً للخيانة. المبلغ معقول في تلك الفترة لكنه لا يشكل حافزاً للخيانة لا سيما لرجل ميسور كيهوذا. حتى القبلة التي يُتهم يهوذا بطبعها على خد المسيح كعلامة لمعرفته، يعتبر عوز أنها سخيفة لأن قصة المعجزة كانت قد انتشرت في تلك الفترة، والجميع كان يعرف المسيح. وهنا يحمل عوز الرواية المسيحية المعتمدة لخيانة يهوذا مسؤولية أنهار من الدماء سفكت، وأجيال كثيرة تربت على الحقد والكراهية، وصولاً إلى محاكم التفتيش والمجازر وربما الهولوكوست. في الرواية الدينية الرائجة يهوذا هو الخائن، لكن ليست هذه لمشكلة فحسب، فالكلمة لغوياً ترتبط مباشرة بـكلمة "اليهودي"، ومن الصعب الفصل بين الاثنين، وعليه تعتبر قصة يهوذا "تشرنوبيل المعاداة للسامية في العالم".

"الخيانة.. وسام شرف"

في رواية عوز ثلاث شخصيات رئيسية، يتحدث الكاتب على لسان إحداها قائلاً إن يهوذا كان الأكثر إيماناً بالمسيح، أكثر من المسيح نفسه. لقد كان "أول مسيحي. آخر مسيحي. المسيحي الوحيد". يرى عوز نفسه هنا امتداداً ليهوذا، فالاثنان يتشاركان التهمة نفسها: الخيانة والظلم نفسه.

لا يصنف الكاتب الإسرائيلي الخيانة في إطار سلبي دائماً، فهي قد تلاحق أولئك المتقدمين على زمنهم أصحاب الأفكار الجريئة. يعتبر هذه التهمة أشبه بوسام. لا يصنف نفسه من دعاة السلام، لكنه طالب بعيش الفلسطينيين والإسرائيليين جنباً إلى جنب في دولتين. يرى نفسه في الخندق مع أمثال ابراهام لنكولن والضباط الذين تآمروا لقتل هتلر وأنور السادات وميخائيل غورباتشوف وشيمون بيريز (صديقه) وصولاً إلى مؤسس إسرائيل ديفيد بن غوريون. تتحكم هذه النظرية بالعديد من خيوط روايته، الخيانة تهمة تلاحق دعاة التغيير، حتى لو ظلوا يدافعون عن القضية نفسها لكنهم وجدوا سبلاً جديدة للدفاع. يقول عوز لصحيفة الغارديان إنه لا يزال يحب إسرائيل كثيراً لأنها ما زالت تمتلك الهدف والذاكرة، لكنها لم تعد تعجبه بسبب سياساتها وتراجع حقوق الإنسان فيها وقمع الفلسطينيين.

الحب والظلام

عُرف عوز بتلك الحميمية التي تطبع مجمل رواياته. يغوص بذكاء في تفاصيل الماضي، وبقدرة كبيرة على نقل الوجع والظلم والأسى بشكل مغر وساحر. لكن هذه الصفات في أدبه هي تحديداً ما يخيف منتقديه. يقولون إن الجمالية التي يقدم فيها عوز ماضيه في إسرائيل هي من الخبث لدرجة تغيب فيها الذاكرة الفلسطينية. ومن الذكاء لدرجة تصبح فيها مطالبة عوز بدولة للفلسطينيين كمنّة منه وليست حقاً لهم.

في روايته الشهيرة "قصة عن الحب والظلام"، يروي عوز طفولته في فلسطين وخصوصاً قصة أمه التي وصلت إليها من أوكرانيا هرباً من الإبادة، وظلّ الرعب يسكنها إلى أن وضعت حدا لحياتها وهي في الـ38 من العمر. في الرواية يقول إنه "قتل" والده بعد انتحار والدته، فغيّر اسمه من كلاوزنر إلى عوز وذهب ليعيش في الكيبوتز. باختصار، حاول أن يقدم الأسطورة الصهيونيّة لنشوء إسرائيل في قالب مثالي حميمي منزّه، وهذه هي الخطورة بحسب منتقديه.

في "يهوذا"، يتبع عوز الأسلوب نفسه. يصنع شخصياته بدقة متناهية ثم يحرّرها لتتكلم وتتحرك بشكل مستقل، وهنا يصبح كمجرّد رسول ينقل كلام الشخصيات. يقارب عوز المواضيع الشائكة بين المسيحيين واليهود بشكل شخصي وحميمي يحرر الدين والسياسة من تلك البرودة القاتلة. يرى البعض في ذلك جرأة وتميزاً، بينما يرى الآخرون خبثاً، فكيف للأدب أن يكتب التاريخ؟ وإن حصل، فهل يمكن لإسرائيلي أو أوروبي أن يحتفي بكاتب فلسطيني بالشكل نفسه الذي يحتفي به مثقفون عرب وأوروبيون بعوز الأديب والفنان "المتنوّر"؟

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي