"أنصاف أنبياء" سبقوا نبي الإسلام في الجزيرة العربية

"أنصاف أنبياء" سبقوا نبي الإسلام في الجزيرة العربية

النبي اصطلاحاً رجل ينبئ عن الله. هو أيضاً رجل يهدم التقاليد الموروثة والأعراف والمعتقدات السائدة ويأتي بتقاليد وأعراف ومعتقدات جديدة. فهل عرف العرب أنبياء قبل النبي محمد؟ أو أنصاف أنبياء؟

وإذا كان النبي يهدم ويبني، فإنه يمكن اعتبار أن "نصف النبي" هو الذي يهدم فقط أو يبني دون أن يهدم. والنبي هو المصلح الذي ينجح في ما يرمي إليه، أما "نصف النبي" فهو المصلح الذي لا يصل إلى مبتغاه.

"نبي ضيّعه قومه"

هو "خالد بن سنان العبسيّ". وُلد قبل عام الفيل بخمسين عاماً. ورد في السيرة الحلبية أنه حين قدم وفد بني عبس على النبي محمد سألهم عن خالد وهل له عقب، فأخبروه أن لا عقب له وأنه كانت له ابنة فانقرضت، فأنشأ يحدث أصحابه عنه وقال: أنه نبي ضيّعه قومه.

عن معجزاته، قال ابن الأثير إن ناراً ظهرت بأرض العرب في "حرّة أشجع" (مكان بين مكة والمدينة) وكادوا يعبدونها ويدينون بالمجوسية فأخذ خالد عصاه ودخلها ففرقها وهو يقول: "بدّاً بدّا، كل هدي مؤدّى، لأدخلنّها وهي تلظّى، ولأخرجنّ منها وثيابي تندى". فطفئت وهو في وسطها.

دعا خالد إلى نبذ الأصنام والخمر والربا. قيل في مواضع أخرى أنه كان يدعو الناس إلى دين عيسى وقيل أنه كان على ملّة إبراهيم. ويضيف ابن كثير في البداية والنهاية: "الأشبه أنه كان رجلاً صالحاً له أحوال وكرامات". وفي حديث عن النبي محمد إنه قال لابنة خالد حين وفدت عليه "مرحباً بابنة أخي".

المشككون في أخبار خالد كثر كرواتها. يبقى أنه كان رجلاً دعا إلى بعض ما دعا إليه النبي العربي. حاول هدم عبادة الأوثان وإبعاد الناس عن الخمر والربا... ولكن لم تكتمل نبوّته.

زيد بن عمرو بن نفيل

هو ابن عمّ خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطّاب بن نفيل. كان الخطّاب عمّه يعاتبه على فراق دين قومه وآذاه وأخرجه إلى أعلى مكة حيث نزل حراء، ووكل به شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم وقال لهم: "لا تتركوه يدخل مكة"، فكان لا يدخلها إلا سراً منهم، فإذا علموا بذلك آتوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتبعه أحد منهم، كما ورد في السيرة النبوية لابن هشام.

عاب زيد كل ما ذُبح لغير الله ونهى عن أكله. وفي السيرة الحلبية أنه كان يقول لقريش: "الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم تذبحونها على غير اسم الله!".

أقوال جاهزة

شارك غردخالد بن سنان العبسي، زيد بن عمرو بن نفيل، قس بن ساعدة الأيادي، وأمية بن أبي الصلت... سبقوا النبي في الدعوة إلى بعض ما دعا إليه الإسلام

شارك غردالمنتصر هو الذي يكتب التاريخ... لذلك لا يحدثنا التاريخ كثيراً عن "أنصاف أنبياء" سبقوا نبيّ الإسلام في شبه الجزيرة العربية

اعتزل زيد الأوثان والذبائح التي تُذبح لها ونهى عن وأد البنات وذكروا أنه كان يحيي الموءودة، وإذا أراد أحدهم أن يئد ابنته أخذها من أبيها وكفلها.

حدّث ابن اسحق عن هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: "رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخاً كبيراً مسنداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بن عمرو بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحتيه". توفي قبل مبعث النبيّ الذي قال عنه لابنه سعيد أنه يبعث يوم القيامة أمّة وحده.

وقد نُسبت إليه أيضاً قصيدة شهيرة تقول:

أرباً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور

عزلت اللات والعزى جميعاً/ كذلك يفعل الجلد الصبور

فلا عزى أدين ولا ابنتيها/ ولا صنمي بني عمرو أزور

ولا غنماً أدين وكان رباً/ لنا في في الدهر إذ حلمي يسير

عجبت في الليالي معجباً/ توفي الأيام يعرفها البصير

بأن الله قد أفنى رجالاً/ كثيراً كان شأنهم الفجور

وأبقى آخرين ببر قوم/ فيربل منهم الطفل الصغير

وبينا المرء يعثر ثاب يوماً/ كما تروح الغصن المطير

ولكن أعبد الرحمن ربي/ ليغفر ذنبي الرب الغفور

فتقوى الله ربكم احفظوها/ متى ما تحفظوها لا تبوروا

ترى الأبرار دارهم جنان/ وللكفار حامية سعير

وخزي في الحياة وأن يموتوا/ يلاقوا ما تضيق به الصدور

قسّ بن ساعدة الأيادي

"زيد بن عمرو ليس الوحيد الذي يبعث أمّة وحده". قال النبي عبارته هذه عن قسّ بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك من بني أياد أيضاً، كما في السيرة النبوية. وقيل أنه قال عنه: "يحشر أمّة وحده".

قس من كبار خطباء العرب وحكمائهم. لم يعبد الأوثان. قيل كان أسقف نجران وقيل كان على دين إبراهيم. كان يحضر سوق عكاظ ويخطب في الزهد والتخويف وتوفي قبل نحو 22 سنة من الهجرة.

في تاريخ الأدب العربي للدكتور عمر فروخ إن رسول الله رأى قسّ يخطب في سوق عكاظ ويقول: "يا أيها الناس اسمعوا وعوا وإذا وعيتم فانتفعوا إنه من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت مطر ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمهات وأحياء وأموات جمع وأشتات وآيات وأرض ذات رتاج، وبحار ذات أمواج ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا أقسم قس قسماً لا حانث فيه ولا آثماً إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه ونبياً قد حان حينه وأظلكم أوانه فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه".

ثم قال: "تباً لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية يا معشر إياد أين الآباء والأجداد وأين ثمود وعاد وأين الفراعنة الشداد أين من بنى وشيد وزخرف ونجد وغره المال والولد أين من بغى وطغى وجمع فأوعى وقال أنا ربكم الأعلى ألم يكونوا أكثر منكم أموالاً وأطول منكم آجالاً وأبعد منكم آمالاً طحنهم الثرى بكلكله ومزقهم بتطاوله فتلك عظامهم بالية وبيوتهم خاوية عمرتها الذئاب العاوية كلا بل هو الله الواحد المعبود ليس والد ولا مولود".

ونلاحظ أن قسّاً في هذه الخطبة تحدّث عن إله واحد لم يلد ولم يولد وذلك قبل المبعث النبويّ.

أميّة بن أبي الصّلت

هو "أميّة بن أبي الصّلت بن أبي ربيعة بن عوف" من ثقيف من أهل الطائف. حرّم الخمر ونبذ عبادة الأوثان. وهو أول من جعل في أول الكتب عبارة "باسمك اللهم" فكتبتها قريش. واعتقد بوجود الله من غير أن يكون له فروض معينة في العبادة.

كاد يسلم لما جاء الإسلام ولكن موقف قومه ثقيف من الإسلام أملى عليه العداء للرسول والمسلمين وقيل أن ذلك كان بعد معركة بدر ومقتل خاليه عتبة وشيبة ابني ربيعة. توفي أميّة في السنة السابعة أو الثامنة للهجرة قبل فتح الطائف وجاءت الأخبار أنه التقى النبي وتحاور معه وأبى أن يسلم. وقيل أنه مات على دين إبراهيم.

لأميّة شعر كثير ضاع القسم الأوفر منه. يقول معروف الرصافي في كتابه "الشخصية المحمدية" أن في شعره ألفاظ وتعابير قرآنية وكان مهتماً بيوم البعث والحساب والجنة والنار والملائكة والعرش فكان يكثر من ذكرها بأشعاره وأسجاعه.

ومن دعوته أو من شعره هذه القصيدة التي ذُكر أن النبي أنشدها:

مَجّدوا الله فهو للمجد أهلٌ

ربّنا في السماءِ أمسى كبيرا

ذلك المنشىء الحجارة والموتى

وأحياهُمُ وكان قديرا

الأعلى الذي سبق النا

س وسوَّى فوق السماءِ سريرا

رجعاً لا يناله بصر النا

 س ترى دونه الملائك سورا

وفي هذه القصيدة كلام جديد لم نألفه في الشعر الجاهلي عن العرش والملائكة وغيره.

لم يأتِ أنصاف الأنبياء بنبأ من السماء. لم يتحدثوا عن وحي ولا عن رسالة. ثاروا على معتقدات رأوها واهية كانت سائدة في عصرهم. هدموها أو حاولوا هدمها. لم يوفقوا في البناء، ولكن كان لهم شرف المحاولة.

أخبارهم وأخبار عصرهم قليلة نادرة. يصدقها البعض ويشكك فيها البعض الآخر قائلاً إنها منحولة أو من وضع بعض المختصين في العصور الإسلامية اللاحقة المختلفة. لا تجد إلا تلك الخطبة لـ"قسّ بن ساعدة" في بطون الكتب. الكثير من شعر أميّة ضاع. تكاد لا تعثر على خبر عن "خالد بن سنان" إلا في كتب السيرة وهي لا تتجاوز الخبرين أو الثلاثة.

المنتصر هو الذي يكتب التاريخ. أما الذي لا ينتصر فتلتهم الكثبان أخباره. التاريخ يكتبه الأنبياء. التاريخ لا يحمي أنصاف الأنبياء.

كاتب وشاعر لبناني.

كلمات مفتاحية
الإسلام ثقافة

التعليقات

المقال التالي