حرب افتراضية في مصر بسبب "ولاد المرة"!

حرب افتراضية في مصر بسبب "ولاد المرة"!

لم يصل كتاب "ولاد المرة" إلى المكتبات المصرية، ولم يدخل المطبعة بعد. لكن ما إن أعلنت الكاتبة والمذيعة المصرية ياسمين الخطيب أنه سيكون عنوان كتابها الجديد، حتى بدأت على وسائل التواصل الاجتماعي حرب افتراضية غير منطقية بطلها مجرد عنوان، وطرفاها فريقان، أحدهما مؤيد والآخر معارض، وبينهما تاهت قضايا مهمة كان أولى بالمصريين مناقشتها.

في شهر أغسطس من العام الماضي، نشرت ياسمين الخطيب مقالًا على موقع التحرير بعنوان "كل الرجال أبناء مرة" تناولت فيه موقفاً شاهدته، وهو معركة بين شخصين، سببها أن أحدهما قال للآخر "يا ابن فتحية". طرحت الخطيب في مقالها عدّة أسئلة، منها "لماذا يعتبر المصريون خصوصًا والعرب عمومًا أن النداء باسم الأم تحقير؟"، و"لماذا يعتبرون إعلان اسم المرأة، سواء كانت أماً أو زوجة، شيئاً شبه مُحرم"، وبينت تعجبها من أن التحقير عند المصريين يكون أعظم، إذا قال أحدهم لآخر «يابن المرة»، وكأن الأنوثة سبة لوالدته!". وبالرغم من أن المقال لفت النظر إلى أزمة حقيقية في المجتمع المصري تتعلق بنظرته للمرأة، لكنه لم يحقّق تأثيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي عند نشره. إلا أن الجدل الحقيقي حدث حين قررت السيدة المصرية القادمة من أسرة يعمل أغلبها في مجال الطباعة والنشر أن تجمع مقالاتها في كتاب واحد، واختارت روح هذا المقال ليكون العنوان الأساسي لكتابها "ولاد المرة" الذي لم تعلن بعد موعد طرحه في الأسواق.

أقوال جاهزة

شارك غردجدل حول عنوان كتاب ياسمين الخطيب بين من اعتبروه شتيمة ومن يدافعون عن حقها في عنونة كتابها كما تريد

شارك غردرأى بعض المعلقين أنّ الخطيب تستغل شكلها للترويج لكتابها، في حين اعتبر آخرون الهدوم عليها ذكورياً

جدل قبل الطبع

لم تكتب الخطيب على حسابها الرسمي على فيسبوك والذي يتابعها من خلاله أكثر من 282 ألفاً، أي معلومات تتعلق بكتابها الجديد. اكتفت بالاسم كوسيلة للتسويق وإثارة حالة من الجدل، ولم يخيب جمهورها ظنّها. واندلعت حرب بين من يرى في الإسم "إهانة لعادات وتقاليد المجتمع المتدين بطبعه"، على حد تعبير نسبة كبيرة من المؤيدين لها، وبين من يرى الأمر باعتباره "حرية تعبير وليس من حق أي إنسان أن يضع حدودًا لإبداعها". لكن الحرب الدائرة في العالم الافتراضي، بينت أن الكثير من المصريين يختارون قضايا غير مهمة ليشغلوا أنفسهم بها، وبينت أيضًا أن شريحة كبيرة منهم حائرة حتى الآن في وضع تعريف واضح للمجتمع الذي تعيش فيه، هل هو مجتمع متعدد يحوي أفكاراً متنوعة، أم مجتمع "متدين بطبعه" يرفض الخروج عن النص.

كتبت مستخدمة مصرية على فيسبوك "هناك عشرات الكتب بعناوين مستفزة في السوق، لكن حين تختار كاتبة لكتابها عنواناً مستفزّاً، تصير هدفاً سهلاً للشتم، والتساؤل عن سرّ نجاحها وشهرتها. إن لم يعجبك الكتاب، لا تشتره، وإن لم يعجبك العنوان، اعترض عليه، وإن لم تعجيك شخصية الكاتبة وتريد أن تنتقدها لأنّك ترى أنّها جميلة وواعية لأنوثتها، وأنت كعربي تستفزك السيدة الواعية لأنوثتها، وتريد أن تدفنها، انتقدها، ولكن لا داعي للخوض في الأعراض، والتجريح في السمعة، والشتم". لكن كاتباً آخر اعتبر أن الأمر قضية حياة أو موت بالنسبة له، فكتب: "كاتبة أقل من العادية، أحد أهم مؤهلاتها وشهرتها ودخولها المجال الصحفي أو الإعلامي هو أنها جميلة أو "مزة"، فحين نعترض على الإسم الركيك "ولاد المرة" لكتابها القادم، نصبح ذكوريين ونضطهد المرأة... أي شيء يتم عرضه على أي جمهور فمن حق الجمهور أن يقول رأيه في العمل وفي صانع العمل".

خدش حياء؟

ردت ياسمين على الجدل الذي حققه عنوان كتابها بمنشور على حسابها الرسمي على فيسبوك اعتبرت فيه أن "الذين هاجموني من خارج الوسط الثقافي بدعوى خدش الحياء، لا لوم عليهم، فهؤلاء يعدّون كتاباً مثل (نواضر الأيك في معرفة النـ*ـك) للإمام السيوطي، واحداً من أقيم كتب التراث، وتخدش حياءهم كلمة "مرة"، وقد رفع القلم عن المجنون حتى يعقل، والذين استغلوا أزمة الكتاب للخوض في عرضي، لا يستحقون الإلتفات، أما المهاجمون من داخل الوسط الثقافي، أولئك الذين غضوا الطرف عن كتاب لبلال فضل، عنوانه "ما فعله العيان بالميت"، وفيلم لتامر حبيب باسم "واحد صحيح"، ودافعوا باستماتة عن رواية أحمد ناجي التي احتوت عبارات جنسية صريحة -وبالعامية المصرية- لنصرة حرية التعبير التي لا يعرفون منها إلا نطقها، بينما استحلوا عرضي، واتهموني بضعف الموهبة، لا لشيء سوى أني "مرة"، لهؤلاء أقول، كل كلمة كتبتموها عني، هي بصقة على وجوهكم أنتم، ونقطة نور في صحيفتي... عار عليكم". كما رفضت الخطيب أي اتهامات تعتبر أن عنوان كتابها ركيك مؤكدة أن كلمة مرة أصلها اللغوي مرأة، وهي مؤنث مرء، ويشار بها إلى السيدة الناضجة الكاملة.

سبق أن استخدمت الخطيب عناوين مثيرة للجدل كأداة لتسويق كتبها ذات المحتوى الخفيف. فبعد ثورة يناير أصدرت كتاب "قليل البخت يلاقي الدقن في الثورة"، وهو عبارة عن مجموعة مقالات عن صعود تيار الإسلام السياسي بعد الثورة. ونشرت أيضًا كتاب "هي الحالة إيه" وهو مجموعة مقالات خفيفة عن فيسبوك... ولها كتابان آخران هما "كنت في رابعة" عن اعتصام رابعة العدوية الشهير الذي فضته الحكومة المصرية بعد إسقاط الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان محمد مرسي، وكتاب "التاريخ الدموي" تستعرض فيه تاريخ الاضطهاد الذي تعرضت له خمس فرق إسلامية خرجت من عباءة الإسلام وكونت ديانات أو مذاهب خاصة بها.

درست ياسمين الخطيب الفن التشكيلي بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ولها بعض المعارض الفنية، وكتبت مقالات في عدة صحف، منها الأحرار والوطن والتحرير. وشاركت المذيع المثير للجدل تامر أمين تقديم حلقة أسبوعية من برنامجه "من الآخر" الذي كان يعرض على فضائية "روتانا مصرية"، ووقتذاك كانت الحلقات التي تجمعهما معًا تتحول إلى نكات على وسائل التواصل الاجتماعي.

يوم السبت الماضي قضت محكمة جنايات القاهرة، بتأييد حكم منع عدد من النشطاء والحقوقيين من التصرف في أموالهم فيما يعرف إعلاميًا بقضية التمويل الأجنبي، منظمات حقوقية عدة داخل مصر وخارجها اعتبرت أن الأمر كارثة ويبين أن النظام المصري قرر غلق المجال الحقوقي خصوصًا المنظمات التي تكشف فساد أو قضايا تعذيب في مصر... لكن الحكم لم ينل أي اهتمام يذكر، إذ كانت حرب "ولاد المرة" مستعرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي