القصّة المثيرة لأيقونة الرقص الشرقي تحية كاريوكا

القصّة المثيرة لأيقونة الرقص الشرقي تحية كاريوكا

كان الشارع الذي تجري فيه بدوية غريباً، وطويلاً كأنه بلا نهاية، تدلت من سمائه القناديل والأضواء. وعلى جانبيه يسير الناس في زحام، ثم راحت توسع لنفسها طريقاً وهي تجري وأصوات الموسيقى تلاحقها أينما ذهبت. ظلت تجري وتجري والأضواء تخطف بصرها، ثم ها هو الصوت الجميل يأتيها من بعيد.

تسرع بدوية في عدوها أكثر. إن سعاد محاسن تغني هناك، صوتها ينساب إلى أذنَيّ الصبية فترتجف بالنشوة. ها هي جاءت إلى القاهرة، وها هي سعاد محاسن تغني والناس يصفقون، ومن خلف سعاد محاسن يلمحها الطبال وهو يعزف فوق طبلته، يبتسم، وتسرع يداه بدقات "الشارلستون"، ويغادر مكانه ليقابل بدوية. تلتقي نظرات سعاد بنظرات بدوية، وترى الصغيرة الوجه الأبيض المكتنز وهو يبتسم بسماحة. قالت سعاد محاسن: "مين؟! تحية؟ إنت جيتي؟!”.

منذ غادرت المدرسة لم ينادها أحد باسم "تحية"، كان هذا هو اسمها في المدرسة فقط: تحية. تلتفت إلى حيث كان كراوية الطبال ينادي، ويدق على الطبلة "ارقصي... ارقصي!". وترقص بدوية، ويطول شعرها أمتاراً، وسعاد محاسن تضحك وتضحك... وبدوية ترقص وترقص. الأضواء تملأ الدنيا، والضحكات، والمكان فسيح، واسع، واسع، أوسع من البيت الكبير، ومن البحيرة التي تمتد حتى الأفق عند شاطئ الإسماعيلية... وتلتفت بدوية فجأة نحو الباب، فتتوقف، وتبتسم، ثم تصرخ: "أمه”!

Tahiya

إنه الحلم الذي طالما رأته بدوية محمد علي النيداني في منامها، خلال فترة صباها، أثناء تعذيبها وحبسها في بيت شقيقها الأكبر أحمد النيداني. كان الحلم بمثابة تعبير عن ثنائية الخوف والرجاء بداخلها، حيث الرغبة في الهرب إلى الرقص في شارع عماد الدين والتخلص من تعذيب أخيها لها، والخوف من الفضيحة حين ترقص في مجتمع شرقي محافظ، بحسب ما جاء في مذكراتها التي كتبها صالح مرسي في ستينيات القرن العشرين.

في 22 فبراير من عام 1919، ولدت بدوية في مدينة الإسماعيلية لأب "مراكبي"، يسافر بسفينته إلى جدة ويعود مرة كل سنة، ويتجاوز عمره 60 عاماً، وأم شابة هي فاطمة الزهراء" تصغره بأربعين عاماً، هي السابعة بين زوجاته اللواتي كن يمتن بعد فترات بسيطة من الزواج. 

أقوال جاهزة

شارك غردتحية كاريوكا التي تزوجت 14 مرة، ناضلت ودخلت السجن، استخدمت الحذاء ضد من يهينها... وقدمت للعالم أجمل ما في الرقص الشرقي

شارك غردالفتاة التي كانت تحلم بالرقص والهرب من ظلم أخيها، أصبحت أهم راقصة في مصر، ولا تنافسها في ذلك إلا سامية جمال

في مجتمع الربع الأول من القرن العشرين ذي النزعة الصوفية، كانت عائلة الأم تسمى بأسماء آل بيت نبي الإسلام، كما أن الجدة كانت قد قررت أن تسمي المولود الجديد باسم السيد البدوي، تيمناً بصاحب المقام الكبير الموجود في مدينة طنطا، ودار هذا الحوار بين الجدة والأب:

- ناوي تسمي المولود إيه؟

- كان المعلم علي النيداني يعلم رغبة أمه في تسمية المولود باسم السيد البدوي، فسألها: "إيش قولك انتي يا امه؟".

- قالت: "بدوية...".

- فقال المعلم علي:

"وحياة النبى دي تبقى تحية يا امه!"، هكذا حكى صالح مرسي كيف استقر رأي الأم والابن معاً، على أن يصبح اسم الطفلة التي ولدت منذ يومين "بدوية تحية”!

مات الأب والطفلة بالكاد تستطيع الكلام، ليأخذها شقيقها الأكبر أحمد النيداني لتقيم في بيته. بعد فترة أخرجها أخوها من مدرسة الراهبات التي التحقت بها، لعلمه بذهابها إلى الكنيسة، وجعلها خادمة له ولزوجته وأولاده. ذات مرة ذهبت الصبية إلى زفاف في الإسماعيلية كانت تحييه سعاد محاسن، ورقصت أمامها، فأعجبت سعاد برقصها وطلبت منها أن تأتي إليها في شارع عماد الدين في القاهرة كي تحترف الرقص. وهنا كانت الطامة الكبرى، إذ علم أخوها بذهابها إلى الحفل ورقصها، فحبسها وكبل قدميها بالأصفاد، وأذاقها من العذاب ألواناً. حاولت الهرب أكثر من مرة إلى أقاربها في الإسماعيلية والدقهلية، إلا أن أخاها الأكبر كان يعثر عليها ويعيدها إلى منزله ويزيد في جرعات التعذيب.

Tahiya-Abdel-Wahab

في إحدى الليالي استطاعت الهرب من المنزل، ولكن هذه المرة إلى القاهرة التي لم تكن تعرف فيها شيئاً سوى شارع عماد الدين "حيث المسارح والكازينوهات" وسعاد محاسن، بحسب المذكرات.

البدايات قد تؤثر على النهايات إن لم تكن هي المسبب الرئيسي لها. وكما يقولون إن الضربة التي لا تقسم الظهر تقويه؛ فالعذاب الذي عانته بدوية في نشأتها تحول إلى جموح وانطلاق، بعدما انفك القيد.

Tahiya-Karyoka

وصلت بدوية تحية إلى شارع عماد الدين، وبعد التنقل بين أكثر من كازينو استقرت في فرقة بديعة مصابني المسرحية، لتكون انطلاقتها الحقيقية. في كازينو بديعة قابلت كبار الشعراء والمثقفين والصحفيين كأحمد رامي وإبراهيم ناجي والشيخ عبدالعزيز البشري، وغيرهم... لكن أهم من قابلته بالنسبة لها، كان الفنان سليمان نجيب، رئيس دار الأوبرا حينها. تقول تحية في مذكراتها: "أقنعني بضرورة تعلم اللغات الأجنبية ومبادئ البروتوكول الأرستقراطية، وبالفعل تمكنت من الإنجليزية والفرنسية وأجدت الموسيقى والباليه وكل ما يلزم الفن من أدوات. كذلك شجّعني على إنشاء مكتبة ضخمة في بيتي، ملأها لي بالكتب والروايات من الأدب العالمي لشكسبير وموليير ودوستويفسكي، ومن الأدب العربي لتوفيق الحكيم وطه حسين ومحمد تيمور وغيرهم.

عام 1940 كان حاسماً في حياة بدوية محمد (اسمها الفني حينها)، إذ تحول اسمها إلى "تحية كاريوكا"، بعدما برعت في رقصة كاريوكا البرازيلية، والتي كانت تؤديها في الليلة 3 مرات من شدة إعجاب الجمهور بها، حتى صارت الرقصة جزءاً من اسمها. تقول الناقدة سناء البيسي، إن آخر عهدها باسم تحية محمد كان عندما شاركت في بطولة "أجنحة الصحراء"، أول إنتاج وإخراج لأحمد سالم وبطولة حسين صدقي وراقية إبراهيم.‏

الفتاة التي كانت تحلم بالرقص والهرب من ظلم أخيها، أصبحت أهم راقصة في مصر، ولا تنافسها في ذلك إلا سامية جمال. إلا أن الكثيرين فضلوها على سامية جمال، لإجادتها الرقص في مساحات صغيرة. يقول الناقد الفني طارق الشناوي: "تحية تستطيع الرقص في سنتيمترات، أما سامية، فلا تستطيع أن تؤدي إلا في مساحة واسعة".

لم يقتصر الأمر فقط على الرقص، بل انطلقت تحية أيضاً إلى عالم السينما والمسرح، حيث قدمت نحو 300 فيلم - بحسب الناقدة سناء البيسي - منها "شباب امرأة” و"أم العروسة"، و”سمارة”. كذلك كونت فرقة مسرحية قدمت من خلالها حوالي 18 مسرحية مع زوجها فايز حلاوة. لكن دور "شفاعات" في "شباب امرأة" كان أكثر أدوارها ألقاً وتميزاً. يرى طارق الشناوي أن دور "شفاعات" سيظل نموذجاً للقياس عليه حين تخطوا أي ممثلة لأداء دور بنت البلد الجريئة التي تستطيع فعل أي شيء في سبيل إرضاء نفسها، حتى ولو طلبت علاقة جنسية غير مشروعة.

الفتاة التي ولدت لأب تزوج 6 مرات قبل أمها، تزوجت هي الأخرى 14 مرة، أولهم أنطوان عيسى، ابن شقيقة بديعة مصابني، وفي نفس العام تزوجت محمد سلطان باشا، أحد أكبر أثرياء مصر، وتوالت الزيجات، فارتبطت بكل من المخرج فطين عبدالوهاب، ضابط أمريكي يدعى ليفي، أشهر إسلامه كي يتزوجها، الفنان أحمد سالم، حسين عاكف، الطيار الخاص لملك مصر فاروق الأول، الفنان رشدي أباظة، البكباشي مصطفى كمال صدقي، الشاب الثري عبدالمنعم الخادم، البكباشي الطبيب حسن حسين، المطرب محرم فؤاد، أحمد صبري ذوالفقار، الكاتب المسرحي فايز حلاوة، وأخيراً، المخرج حسن عبدالسلام.

تقول رجاء الجداوي إن فايز حلاوة كان يحظى بمكانة كبيرة في قلب خالتها حتى النهاية، لدرجة أنها وجدت خاتم زواجهما في مكان كانت تحتفظ فيه تحية بمقتنياتها الثمينة، وذلك بعد وفاتها.

تحية المناضلة

كاريوكا التي اشتهر عمها حسن النيداني بخطف جنود الاحتلال وقتلهم على الخازوق في الإسماعيلية، كان لها باع كبير مع السياسة؛ فهي التي خبأت الضابط محمد أنور السادات في بيتها، أثناء اتهامه بقتل أمين باشا عثمان، والتجسس لصالح النازيين. وكانت عضواً في أكثر من تنظيم شيوعي كـ”حدوتو". وهي التي أحرجت الملك فاروق، حين كان حاضراً في كازينو الأوبرج، وبعد أدائها رقصة قالت: "مكانك مش هنا يا ملك... مكانك في القصر"، ليغادر الرجل المكان في حرج. أيدت تحية ثورة 23 يوليو عام 1952، لكنها سجنت لمدة مئة يوم عام 1954، مع زوجها الضابط مصطفى كمال صدقي، عضو حرس السرايا الملكية قبل الثورة، وتم القبض عليهما بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم. وقالت بعدها "راح فاروق وجه فواريق"، مشيرةً إلى أن أداء ضباط يوليو يشبه أداء الملك الذي خلعوه. تحية ساعدت الفدائيين ضد الاحتلال الانجليزي وهرّبت لهم السلاح، كذلك تدربت على حمل السلاح للمشاركة في المقاومة أثناء العدوان الثلاثي عام 1956.

Tahya

تحية وسلاحها: الحذاء

رغم المجد والمركز الفني المرموق الذي حققته تحية، كان حذاؤها دائماً قريباً من يدها، تستخدمه متى احتاجت إليه ضد كل من تشعر أنه أهانها، وكأن عقدة الإهانة التي شعرت بها في صغرها ظلت تلاحقها، وفي المقابل كانت تقابلها هي بقسوة.

هناك 4 وقائع شهيرة، استخدمت تحية فيها الحذاء. أولاها كانت أثناء عملها في كازينو بديعة مصابني، حين رفعت حذاءها في وجه النبيل حسن بن الأميرة عين الحياة من الأسرة المالكة، وذلك بعد أن جذبها وهي ترقص، في استخفاف بها، ما تسبب في قرار الملك فؤاد الأول بمنع النبلاء والأمراء من زيارة ما وصفه بالأماكن السوقية التي يتردد عليها أبناء الشعب العاديين. الواقعة الثانية كانت في مهرجان كان في فرنسا، وذلك بعد أن استفزتها الفنانة الأمريكية ذات الميول الصهيونية سوزان هيوارد، بالحديث بشكل مهين عن العرب، فما كان منها إلا أن وجهت لها السباب والشتائم وأهانتها أشد إهانة، فتدخل النجم الأمريكي داني كاي للدفاع عن زميلته ففوجئ بحذاء كاريوكا في وجهه، فتراجع.


سافرت كاريوكا مع زوجها رشدي أباظة إلى بيروت، وأثناء إقامتهما هناك ضبطته بملهى ليلي في وضع حميم مع صديقته الفرنسية آني بارينه، فرفعت حذاءها وجذبتها من شعرها ولقنتها درساً قاسياً، وطلبت من رشدي أباظة الطلاق. الواقعة الرابعة الخاصة بالحذاء، كانت في فندق سميراميس على نيل القاهرة، وكان الضحية سيناتور في الكونغرس الأميركي. كان عدد من الفنانين مدعواً لحفل ضم مسؤولين مصريين وأميركيين، وطلب السيناتور الفنانة فاتن حمامة للرقص فرفضت، فجذبها من يدها عنوة، فما كان من تحية إلا أن خلعت حذاءها وانهالت عليه ضرباً، ويحكي هذا الموقف سمير صبري الذي كان شاهداً عليه.

الفتاة التي كان ابن أخيها يُهرّب لها الحلوى في السر، أثناء حبس أخيها أحمد النيداني لها وتعذيبها في منزله بالإسماعيلية، كانت سخية جداً على الفقراء حين كبرت. تقول رجاء الجداوي: "كانت سخية على المحتاجين، وكان في منزلها مكان مخصص للفقراء، يأكلون ويشربون ويسألونها عن حوائجهم. كما أنها تبنت طفلة قبيل موتها، وتولت الفنانة فيفي عبده تربيتها بعد ذلك".

ارتدت بدوية تحية الحجاب في أواخر أيامها، وأدت فريضة الحج أكثر من مرة، كما حُكي أنها كانت ملازمة للشيخ محمد متولي الشعراوي، أحد أشهر مشايخ الإسلام في مصر، حتى توفيت في 20 سبتمبر عام 1999.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي