السينما التونسية: عري الجسد لخدمة قضايا اجتماعية؟

السينما التونسية: عري الجسد لخدمة قضايا اجتماعية؟

حلفاوين، صمت القصور، موسم الرجال، قوايل الرمان، السدّ، خشخاش... أسماء لأفلام تونسية أحدثت ضجة في الساحة الثقافية في تونس وخارجها، لجرأتها الشديدة في تناول بعض المواضيع وتوظيفها العري لخدمة الموضوع.

يمكن لمشاهد السينما التونسية أن يرى نساء عاريات في الحمّام أو في مشهد جنسي، أو فتاة تمارس العادة السرّية. يعلل بعض النقاد والمخرجين هذا بأنه في إطار التوظيف الفني، بينما يذهب آخرون إلى أن هذا مفروض من الشريك الأجنبي في الإنتاج، الذي عادة يكون أوروبياً، وفرنسياً خصوصاً. يفرض هذا الشريك نظرة استشراقية تبحث عن تعرية المرأة الشرقية وإبراز مفاتنها للعموم، أما آخرون فيعتبرون أن هذا يدخل في إطار بعض العقد الجنسية التي يعاني منها الكاتب والمخرج، باعتبار أننا أمام تجارب سينما المؤلف.

انتقدت الصحافة التونسية بحدّة بعض الأفلام التونسية وأسمتها سينما الجسد والحمّام. وكثيراً ما عرضت بعض الأفلام التونسية على شاشة القناة الحكومية المحلية، بعد أن يعبث بها مقص الرقيب ويقتطع المشاهد التي تصنف "مخلة بالأخلاق".

كيف تناولت السينما التونسية الجسد في أفلامها وما هي رمزياته وتمثلاته؟ وهل فعلاً السينما التونسية هي سينما تركز على الإثارة من دون طرح موضوع أساسي أو قضية هامة؟

اعتبر سمير الزغبي في كتابه "جماليات السينما" أن السينما التونسية هي في الأصل سينما لواقع كوني ومعالجة لظاهرة إنسانية باتباع نهج متحرر من أسلوب توقع سرد الأحداث، "هي سينما للصورة والحركة".

أقوال جاهزة

شارك غردفي السينما التونسية نساء عاريات في الحمام أو في مشهد جنسي، أو فتاة تمارس العادة السرية.. هل يخدم العري القضايا الاجتماعية؟

شارك غردتعتبر السينما التونسية رائدة مقارنة بالسينما العربية، من خلال جرأة مواضيعها، ولعله من الظلم وصفها بالسينما الجنسية

لم يكن الجسد في السينما التونسية جسداً من دون مضامين فلسفية، تطرح قضايا شديدة الأهمية، تمس الإنسان في عمق وجوده، بحسب الزغبي، الذي يشير إلى أن السينما التونسية خارج المكان والزمان المحليين لتكون سينما القضية أكثر منها سينما الإثارة.

"الدواحة"

في فيلم الدواحة، عالجت المخرجة التونسية رجاء العماري قضية تحرّر المرأة من خلال حكاية ثلاث نساء، أم وابنتيها يعشن في قصر مهجور انقطعن عن العالم الخارجي بخيار من الأم، التي حاصرت ابنتيها الشابة والأخرى المراهقة ومراقبتهما. ربما نستعيد من خلال شخصية الأم سلطة الثقافة التقليدية، التي تحاول سجن المرأة ومحاصرتها خوفاً من العار.

لا نرى العالم الخارجي في الفيلم إلا في مشاهد قليلة أثناء خروج الأم أو الابنة الكبرى لبيع بعض المنسوجات لتدبير مصاريف البيت. في القصر المهجور الذي شكل عالم النساء الثلاث، العالم الأنثوي دون رجل يشكل خطراً عليهن، رغم وعي الابنة الكبرى بجسدها، التي كانت تكتشف المتعة في فضاء الحمام من خلال ممارستها العادة السرية.

في ما بعد، تكتشف الفتاة المراهقة الرجل والجسد والجنس، من خلال مراقبة صاحب القصر وصديقته يمارسان الجنس واحتكاكها بعد ذلك بصديقة صاحب القصر، التي سجنت بأمر من الأم وبعد اكتشافها وجود النساء في القبو.

وحين حرضت سلمى الجامعية المتحررة عيشة المراهقة على الخروج إلى العالم الخارجي، يتغيّر مسار الفيلم كلياً لتقتل المراهقة أختها الكبرى، بعد وفاة الوالدة، وتخرج للمرة الأولى إلى شارع الحبيب بورقيبة بفستانها الأبيض الملطخ بالدم، ربما كأنه ليس قتلاً مادياً بقدر ما كان قتلاً معنوياً لقيم الخضوع والاستكانة للثقافة الذكورية، التي كانت تمثلها كل من الأم والابنة الكبرى.

تضمن فيلم الدواحة صوراً مثقلة بالدلالات الرمزية إلى قضايا حارقة، ما زالت تحظى بالاهتمام إلى اليوم، حول قضايا تحرر النساء من خلال نماذج نسائية مختلفة، وظف فيها الجسد والجنس من دون إثارة للغرائز، بل لمعالجة القضية سينمائياً. قد يعود هذا إلى اعتبار أن الصورة تقول أكثر بكثير مما تقوله الكلمة، وتفوقها في ما تضمنه من وحي على حد تعبير "نيكولاي كيار مونتيه" في كتابه الوسيط السينمائي.

"بنت فاميليا"

اشتغل النوري بوزيد في فيلمه "بنت فاميليا" على قضية اغتصاب الزوجة، وهو مفهوم لا يحظى بالاهتمام في الشرق، إذ تجبر الزوجة على ممارسة الجنس مع زوجها في كل وقت ومتى شاء، لتكون هذه الممارسات أحياناً بمثابة عملية اغتصاب.

الفيلم الذي صور عملية الاغتصاب هذه وعجز الزوجة عن التعبير عن مشاعرها وإحساسها بالظلم حتى إلى أقرب صديقاتها، اعتبر في ذلك الوقت ثورة في التعبير، وفي ضرب المحرمات الفكرية والدينية والاجتماعية.

أفلام النوري بوزيد

يعتبر المخرج النوري بوزيد الأبرز في تجاوز الخطوط الحمراء في السينما التونسية. فمن فيلمه ريح السدّ، أول أفلامه الطويلة، الذي تناول قضية اغتصاب الأطفال الذكور، وتأثير ذلك على نفسيتهم في سن الشباب ونظرة المجتمع إليهم، مروراً بفيلمه صفايح من ذهب، الذي تناول انتهاك حرمة الجسد البشري عند التعذيب في مراكز الإيقاف والسجون، وما يتعرض له المعتقلون من طرق للتعذيب تصل حتى الاغتصاب عبر إدخال عصا في دبر المعتقل. هذا الفيلم، الذي أنتج سنة 1989 وتعرض لمضايقات كبرى ومنع قبل عرضه، اعتبر بداية موجة جديدة في السينما التونسية، تراوح بين الواقعية الجديدة الإيطالية، وأفلام الموجة الجديدة الفرنسية.

وقد قاد النوري بوزيد هذا الخط السينمائي، وساهم، علاوة على أفلامه، في كتابة سيناريو وأغنية البداية لفيلم صمت القصور للمخرجة مفيدة التلاتلي. وتعرّض لقضية اغتصاب الخادمات والحياة الجنسية في العائلات الأرستقراطية في عهد البايات.

كما ساهم النوري في سيناريو "حلفاوين"، الذي يعرف أيضاً "بعصفور سطح" للمخرج فريد بوغدير، وهو الفيلم الأكثر مبيعاً ومشاهدة في تونس. وقد تناول بناء الذاكرة الجنسية لمراهق يحاول اكتشاف الجسد، ومفهوم المتعة من خلال زيارته لحمّام النساء، ومحاولة مضاجعة الخادمة في البيت والتلصص على علاقات الجنسية للكبار، عبر التنقل على أسطح المنازل في المدينة العتيقة بتونس.

جيل المخرجين الشباب

وقد ظهر جيل جديد من الشباب في السينما التونسية، وإن كانت غالبية تجاربهم ليست بعمق تجارب حقبتي الثمانينات والتسعينات. لكننا يمكن أن ننصف "الجيلاني السعدي" من خلال فيلميه "خرمة" و"عرس الذيب"، وقد تناول الأخير تجربة الجسد وافتراقه عن الروح والإحساس من خلال مشاهد صادمة للحياة الجنسية لعاملة جنس. وكان الفيلم معبراً للغاية رغم الضغوط الرقابية التي تعرّض لها.

تعتبر السينما التونسية رائدة مقارنة بالسينما العربية، من خلال جرأة الطرح، وتماسك الموضوع. ولعله من الظلم وصفها بالسينما الجنسية.

خولة الفرشيشي

كاتبة تونسية وباحثة جامعية في علوم التراث. تشتغل على الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف تونسية وعربية.

كلمات مفتاحية
السينما تونس

التعليقات

المقال التالي