العرب يقابلون الفايكينغ

العرب يقابلون الفايكينغ

في القرن التاسع عشر عثر عالم آثار سويدي في بلدة "بريكا" السويدية على خاتم في مقبرة تعود للقرن التاسع الميلادي لامرأة من شعب الفايكينغ، الشعب القديم للدول الإسكندنافية: النرويج، الدانمارك، السويد، فنلندا. كتب على الخاتم بالخط الكوفي "إلى الله".

دار الجدل حول مدى صحة انتماء الخاتم للعصر الذي تعود إليه المقبرة، فضلاً عن جدل آخر حول ما إذا كان الفايكينغ قد اتصلوا بالعرب.

Ring-in-Grave

ثمة تفسيرات عدة لوصول الخاتم إلى يد إمرأة إسكندنافية في القرن التاسع الميلادي، أبرزها أن يكون الخاتم قد بيع لقوم من تلك الشعوب التي تعاملت مع العرب والفايكينغ، ثم تداولته الأيدي حتى وصل إليها. لكن يبقى الحديث عن وجود اتصال مباشر بين "قوم الشمال" والعرب المسلمين منطقياً بحسب الوقائع التاريخية.

رحلة أحمد بن فضلان

عام 921م خرجت سفارة من بغداد على رأسها الرحالة أحمد بن فضلان، لتطوف ببعض البلاد الشمالية، تلك التي وصفها الرحالة في كتابه "رسالة ابن فضلان" ببلاد الترك والخزر والروس والصقالبة. وقسّم الرحالة كتابه إلى أبواب ذكر فيها وقائع رحلته وما تعرض له من مواقف، مصحوبة بتعريف لكل قوم وذكر لمعلوماته عنهم، وسرد لمشاهداته خلال إقامته بينهم.

يختم ابن فضلان كتابه بذكر قوم وصفهم بـ"الروس"، والواقع أن ما تضمنه هذا الباب من تحديد للمسار الذي اتخذه الوفد العربي، ووصف للطبيعة الجغرافية للبلد الذي زاره، ينطبق على شبه جزيرة إسكندنافيا، أكثر مما ينطبق على بلاد روسيا. خصوصاً لدى وصفه بلادهم بأنها بعض جزر البحر بالشمال. وهذا ما يلائم موقع مدن الفايكينغ الواقعة على البحر مباشرة، وقد كانوا يستخدمونها كمنافذ للأنشطة السلمية كالتجارة، أو الحربية، وهي الأشهر، كغزو المدن البحرية في غرب أوروبا.

Races-Rus-and-arabs

كذلك فإن وصف الرحالة للقوم هو ما يجعل صورة رجال الشمال القدامى تقفز مباشرة للذهن. فهو يصفهم بأنهم ضخام القامة، شُقر وحُمر، لا يفارق أحدهم فأسه وسيفه وخنجره، ويسهب في وصف استهتارهم بأبسط قواعد النظافة. ويصف سكنهم أنه قاعات ضخمة يتعاملون فيها بمنتهى الحرية التي تبلغ حد الانحلال إلى حد ممارسة الجنس علناً، فضلاً عن إدمانهم شرب الخمر.

أما ما ينطبق بشدة على طقوس الفايكينغ، فهو ما يتعلق بطقوس التعامل مع الميت. ينقل مشاهدته تأبينهم ميتاً بأن وضعوه في مركب صغير ومعه زيه وسلاحه وبعض الذبائح والفاكهة، ثم يأتون بجارية له يجعلونها تشرب الخمر، حتى تثمل ثم تُذبَح وتوضع في المركب معه، وأخيراً يدفعون المركب للماء ويلقون عليه المشاعل حتى يحترق القارب وما فيه ويذهب الميت، على حد قولهم، للجنة سريعاً. وهنا يذكر المؤلف قول أحد رجال الشمال له مازحاً: "أنتم العرب حمقى، تدفنون الميت فتأكله الديدان بينما نحن نحرقه فينتقل سريعاً للجنة".

تلك الطقوس تتطابق مع ما نُقِلَ عن شعوب الشمال أنهم يحرصون على حرق جثث محاربيهم في قوارب صغيرة بالطقوس نفسها، لتنتقل أرواحهم إلى "فالهالا/الجنة" مع الآلهة أدوين وثور.

يذكر أن رحلة أحمد بن فضلان اقتُبِسَ منها عمل درامي أمريكي هو فيلم "المحارب الثالث عشر"، الذي أدى بطولته الفنان الأمريكي أنطونيو بانديراس.

ياقوت الحموي ومعجم البلدان

أما ياقوت الحموي، صاحب العمل الموسوعي "معجم البلدان"، فهو يصف قوماً يسميهم الروس كما فعل أحمد بن فضلان الذي نقل عنه الحموي باعترافه كثيراً مما كتب عن هؤلاء القوم. ويقول عنهم إن لهم ديناً لا يشاركهم فيه أحد، وإن القتال شريعتهم، حتى أن الرجل منهم إذا وُلِدَ له ولد ألقى إلى جواره سيفاً، وقال له: "ليس لك إلا ما كسبت بهذا"، وأن حل منازعاتهم، خصوصاً المتعلقة بالسلطة، لا يكون غالباً إلا بالمبارزة.

ومن الملاحظات التي ذكرها الحموي عن هؤلاء القوم، أنهم يدفعون الكثير لحيازة الأحجار الرخيصة مثل الخرز الملون، وهنا يشار إلى أن الخاتم الذي عثر عليه في المقبرة القديمة، اتضح لدى فحصه أنه من معدن رخيص، وأن الفص مجرد خرزة ذات قيمة منخفضة.

ويذكر أن ياقوت الحموي في وصفه لموقع هؤلاء القوم، ذكر أنهم قرب الصقالبة (الشعوب السلافية في أوروبا الشرقية)، والخزر (قرب الحدود الروسية التركية)، وأنهم يتحصنون في "جزر" مطلة على الماء، أي أنه يصف منطقة مطلة على بحر الشمال.

الفايكينغ والأندلس

تسجل كتب التاريخ احتكاكاً بين الفايكينغ والمسلمين في الأندلس، وإن وصفهم الطرف الإسلامي آنذاك بـ"المجوس"، ربما للمشاهدات المرتبطة بحرقهم جثث الموتى، كما أسموهم "الأردمانيين"، وهو تعريب للفظ "النورمان"، اسم العناصر الجرمانية المكونة للدانمارك والنرويج والسويد.

يسجل مؤرخو تلك الفترة ظهور الفايكينغ في غرب المتوسط بالقرن التاسع الميلادي، قبل رحلة أحمد بن فضلان بنحو قرن، بعدما أغاروا على غرب أوروبا انتقاماً من غزو تخريبي سابق لأراضيهم من قِبَل الملك الفرنسي شارلمان، ثم انتقلوا لسواحل شبه جزيرة أيبيريا (البرتغال وإسبانيا)، ومنها قرروا نقل ضرباتهم للسواحل العربية.

في 20 أغسطس عام 844م ظهرت 54 سفينة للغزاة عند سواحل لشبونة، فاستغاث واليها بعبد الرحمن الثاني أمير الأندلس، الذي أرسل يحذر ولاة المدن الساحلية، ويطلب منهم اتخاذ التدابير اللازمة لحين إرساله إمدادات الحماية.

أدرك الغزاة حصانة المدن فلجأوا لخطة تقوم على تقسيم قواتهم والتسلل عبر الأنهار الداخلية، ومباغتة المدن الأندلسية، وبالفعل استطاعوا الإغارة على مدن "قادس" و"شذونة" و"طلياطة"، ثم هاجموا إشبيلية في سبتمبر من العام نفسه، واحتلوا "قرمونة" وقاموا بمذبحة بحق السكان المعتصمين بالمسجد الذي حمل اسم "مسجد الشهداء".

أقوال جاهزة

شارك غردكثيرون تابعوا مسلسل فايكينغز... ألا تثيركم معرفة تاريخ العلاقة بين الفايكينغ والعرب؟


سارع عبد الرحمن الثاني بإعلان نفير الجهاد، وقام جيشه باستخدام أسلوب الحرب الخاطفة فكبد الغزاة خسائر فادحة، وقام بمذابح مضادة لهم وضرب سفنهم بالمجانيق وصلب جثث قتلاهم، ما اضطرهم للانسحاب وطلب تبادل الأسرى، فتم ذلك.

بعد تلك الهزيمة، أرسل ملك الفايكينغ سفارة للسلطات الأندلسية يطلب الصلح، فرحب العرب بها، وعام 845م أرسل عبد الرحمن الثاني سفارة برئاسة أديب ودبلوماسي بارع، يحيى الغزال، ومعه مرافق هو يحيى بن حبيب، وحملت السفينة العربية هدايا للملك الشمالي وسافرت لبلاده برفقة سفينة وفد الفايكينغ.

وتذكر كتب التاريخ واقعة طريفة بشأن استقبال الملك ليحيى الغزال، فاشترط هذا الأخير ألا تتضمن مقابلة الملك أي طقوس مخالفة للدين الإسلامي، فوافق الملك، لكنه استقبله في قاعة منخفضة الباب ليجبره على الانحناء له، فما كان من الغزال إلا أن استدار ودخل بظهره منحنياً. فقال الملك "أردنا أن نذله فقابل وجوهنا بنعليه". ودارت المناظرات والمحاورات بين يحيى الغزال وكبار رجال الفايكينغ، كما استقبلته الملكة وأتاحت له التعرف على أوضاع المجتمع الشمالي. ثم عادت السفارة للأندلس وقدمت تقريراً بالرحلة وتفاصيلها للأمير.

في عهد الأمير الأموي محمد الأول تعرضت الأندلس لهجمة جديدة سنة 859م. وهاجم الفايكينغ مراكب عربية وأسروا اثنين منها، ثم هبطوا ساحل "الجزيرة الخضراء" عند جبل طارق، لكن القوات الأندلسية أجبرتهم على الانسحاب وأسرت بعض سفنهم. وأقيم مسجد في المنطقة المحررة أبوابه من أخشاب تلك السفن تخليداً للذكرى. فحاول الغزاة مهاجمة مدينة مرسية وبعض النقاط على الساحل المغربي، ولكنهم انسحبوا خوفاً من رد الأسطول الأندلسي.

عام 966م، عهد الخليفة الأموي الحكم المستنصر، أرسل ملك الفايكينغ ريكاردو الأول، حاكم نورمانديا وحفيد الملك المحارب رولو حملة لمهاجمة لشبونة، فصدتهم القوات الأندلسية وجرتهم لفخ في مصب نهر شلب جنوب البرتغال، فانسحبوا. لكنهم ظلوا يجولون عند السواحل الغربية للبلاد ما دفع الخليفة لتنظيم دوريات حماية بحرية لتأمين مصبات الأنهار التي تعتبر ممرات لداخل العمق الأندلسي. عام 971م حاول الفايكينغ تكرار المحاولة، ولكن قيام الأندلسيين بحشد قواتهم وتكثيف دوريات الحماية حال دون تمكنهم من ذلك. ليصرفوا النظر عن الاحتكاك بالعرب عسكرياً.

ختام

القرنان التاسع والعاشر الميلاديان إذاً، شهدا احتكاكاً فعلياً، سلمياً وقتالياً، بين العرب وشعب إسكندنافيا القديم المعروف بالفايكينغ. وإن كانت كتابات أحمد بن فضلان، وياقوت الحموي، غير حاسمة حول هوية القوم الذين تحدثا عنهم، فإن كتابات مؤرخي التاريخ الأندلسي والناقلين وقائع الصدام واللقاء العربي الإسكندنافي، جاءت شديدة الدقة والتحديد لهم بالاسم والموقع، مما يزيل الشكوك في أن القرن التاسع الميلادي الراجع إليه الخاتم الذي وجد في المقبرة القديمة، قد شهد لقاءً لا ريب فيه بين العرب وشعب الشمال الأوروبي.

 

المصادر: رسالة أحمد بن فضلان لأحمد بن فضلان بن راشد - معجم البلدان لياقوت الحموي - تاريخ المسلمين في الأندلس لمحمد سهيل طقوش - أطلس تاريخ الإسلام لحسين مؤنس.

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. يمارس الكتابة التاريخية منذ عام 2009 في عدد من المواقع الإلكترونية العربية. صدرت له كتب "تاريخ شكل تاني" (2010)، "تاريخ في الظل" (2012)، "مصر المجهولة" (2015)، "دم المماليك" (2016)، "دم الخلفاء" (2017)، "أساطير مقدسة" (2018)

التعليقات

المقال التالي