رغم هجرتهم الجماعية إلى إسرائيل، يهود اليمن يحيون تراثهم الغنائي

رغم هجرتهم الجماعية إلى إسرائيل، يهود اليمن يحيون تراثهم الغنائي

كان يهود اليمن جزءاً لا يتجزأ من مجتمعهم، تأثروا بمعطياته الثقافية، وتركوا بصماتهم فيه، ويظهر ذلك بصورة جلية في تراثهم الغنائي.

الطائفة اليهودية فى اليمن قديمة جداً. قالت الدكتورة كاميليا أبو جبل، في كتابها "يهود اليمن: دراسة سياسية واقتصادية واجتماعية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين"، إنه لا توجد كتابات تشير إلى زمن دخول اليهودية إلى اليمن، أو شهادات تاريخية تبين ذلك بدقة. بل كل ما هنالك تخمينات وأحاديث تغلّفها الأساطير، منها أن يهود اليمن ينتمون إلى الذين رافقوا ملكة سبأ بعد عودتها من زيارة الملك سليمان.

لكن من الثابت، توضح أبو جبل، أنه في بداية القرن الثالث ميلادي، وجدت طوائف يهودية بين سكان اليمن كانت أوضاعها آنذاك مزدهرة. ونجحت في تحويل الكثير من قبائل جنوب الجزيرة العربية إلى اليهودية، قُدر عددهم خلال القرون الستة الأولى للميلاد بنحو 3000 نسمة. وهذا ما ساعد على انتشار اليهودية في اليمن في العصور التالية.

وتتضارب المعلومات المتوفرة في المصادر المختلفة حول أعداد اليهود اليمنيين منذ القرن التاسع عشر حتى الهجرة الجماعية إلى فلسطين. ففي الوقت الذي يؤكد فيه المؤرخ جوزيف شيختمن أن عددهم في نهاية القرن التاسع عشر بلغ 30 ألفاً، يذكر الرحالة يامتوف زيماخ، الذي قام برحلة إلى اليمن عام 1910 أنهم 12106 أشخاص، يعيشون في 150 محلة تقريباً، من بينهم 2744 في صنعاء.

وعام 1924 قام الرحالة أمين الريحاني برحلة إلى اليمن، وقدر عدد اليهود فيها بنحو عشرين ألفاً، منهم ستة آلاف في صنعاء. وعام 1937 قام لا ديسلاس فارغو بجولة في أحياء اليمن وقدر عددهم بـ160 ألفاً.

التراث الغنائي

أكدت أبو جبل أن يهود اليمن في فلسطين المحتلة، حافظوا على تراثهم الحضاري والثقافي الذي جلبوه من اليمن وطنهم الأمّ، وينطبق ذلك بوجه خاص على الفنون من غناء ورقص، ما دفع الكثير من الباحثين اليهود إلى دراسة الفن اليمني الأصيل.

أقوال جاهزة

شارك غردفنانون في إسرائيل يحيون تراثهم الغنائي اليمني...

رغم كل محاولات التزوير والتشويه، عجز هؤلاء الباحثون عن طمس الطابع الفني اليمني الأصيل، لما يسمونه بـ"فلكلور يهود اليمن". فاضطر الدارسون للأغاني اليمنية إلى تسجيلها بكلماتها الأصلية، وفي طليعتهم الناقد العبري مردخاي طبيب، الذي تناول هذه الفنون من مختلف جوانبها. وقد اعترف طبيب بأن يهود اليمن في الأرض المحتلة يرددون الأغاني اليمنية بحرفيتها وعلى رأسهم المطربة الراحلة عوفرا هزاع، وغيرها من المطربين والمطربات.

ومن بين تلك الأغاني هذه الأغنية التي تُغنى لصنعاء:

يا ليتني في باب صنعا داخلي

واشل محبوبي يسلي خاطري

والله القسم هالنجمة ما تنفعك

وما ينفعوك أهلك

ولا دولة تقوم في حجتك

وارجم بروحي فوق روحك

حتى على الله ما نعدمك

ومن الأغاني الغزلية الرقيقة التي يرددها يهود اليمن باللغة العربية:

يا ليتني لك، وياليتك لي

يا ليت وأهلك يبيعوك مننا

قلبي هواوي وعاطش ما روى

يا فن الأفنان يا صيني ملان

كم يتمنى عليك يطول الزمان

وهناك أغنية تناجي الحبيب وتعاتبه، وتعترف له بالحب والشوق، تقول:

أهلاً حبيبي أنا في بابكم جالس

شلّيت روحي وعقلي ما بقي لي حس

حبيبي الحب واللغني

وإن كان مني حماقة الخل بنساني

وهناك أغنية تبدأ بذكر الله وتدعو لطاعة الوالدين ونيل رضاهما:

أبدع بمن هو على الدنيا تولاها

خالق نجوم العشا الباكر يلقّاها

يا ماه لشّ العافية

يا اللي بزيتيني

ومن أغاني الغربة والحنين إلى الوطن، التي لم تستطع الثقافة الإسرائيلية إلى الآن إلغائها من وعي يهود اليمن، هذه الأغنية:

يا ريتني طيري

وأهلي للباب وا

يا طير سارح سلم على الأهل

ومن الأغاني التراثية التي ما زال يهود اليمن يغنونها في فلسطين المحتلة هذه الأغنية:

يا هزلي

قد نزلت اليوم أصلّي

تحت رمانة كبيرة

تحت عناقيد الحظيرة

وهناك أيضاً أغنية "يوم الأحد" التي تقول كلماتها:

يوم الحد في طريقي

رأيت حبيبي قلبي تجاهي

حبيب وينك سارح

قال: أنا سارح بلادي

مرحبا أهلاً وسهلاً

مرحباً إلى بيت سيدي

الحبيب جاء رقدانا

هو رسول من عند ربي

افتحوا الديوان يا باه

وتشير أبو جبل إلى أن أي زائر لليمن يمكنه سماع هذه الأغاني على لسان الأطفال في كل أنحاء البلاد.

اختلاف مصطنع

وتوضح أن ميشيل كاسبي، الباحث المتخصص في الفولكلور اليمني، نشر كتاباً تحت عنوان "أغاني بنات اليمن" عام 1985، في كاليفورنيا، تضمن 72 قصيدة، وادعى أنها أغان يهودية خالصة ليهود اليمن في إسرائيل رغم أن كلمات الأغاني المشار إليها، كانت ولم تزل مستخدمة في الأغاني اليمنية، ولا يغير من هذه الحقيقة جهود الملحنين لخلق اختلاف مصطنع في منطوق الأغنية اليمنية وألحانها وألفاظها وأسلوب أدائها.

وتضيف أن دور الآلة الموسيقية ما زال خاضعاً لكلمات الأغنية وقوة الإيقاع العفوي، والنغم الأصيل في مفرداتها، وهذه سمات تتفرد بها القريحة الشعبية اليمنية، بقالبها اللغوي الموغل في القدم. فأي تغيير في اللهجة يحجب عن السامع فهم الأغنية ولا يطرب لها. لذا كان من السهل دحض آراء كاسبي التي برزت فيها ظاهرة اغتراب الأغنية اليمنية عن محيطها وأصولها الشعبية، وكان من السهل كشف مواقع التحريف في الكلمات.

وما زال يهود اليمن، من كبار السن في فلسطين يغنون تلك الأغاني ويلتزمون اللهجة اليمنية أثناء الأداء، وقد وجد من يعارض آراء كاسبي جملة وتفصيلاً.

وتشير الكاتبة إلى أن شولومو موراغ، الباحث المتخصص في لغة يهود اليمن ولهجتهم، أقر أن اليهود في اليمن من الناحية اللسانية والثقافية، يمكن تقسيمهم إلى خمس محافظات هي صنعاء وفروعها، والمحافظة الشمالية المتمثلة في صعدة ونجران، والمحافظة الثالثة في الجنوب الغربي (شرعب) والمحافظة الرابعة فى المنطقة الشرقية (حيان وما حولها)، وأخيراً محافظة عدن. ففي هذه المحافظات تأثر اليهود مثل بقية سكان اليمن تماماً، باللهجات السائدة في تلك المناطق. ولا تظهر الدراسات والوثائق، أن اللهجات التي تأثر بها يهود اليمن هى خاصة بهم دون سائر السكان، ما يعني أن التراث الغنائي ليهود اليمن لم يكن مغترباً عن مجتمعه.

أما اللغة العبرية ليهود اليمن، كما توضح الكاتبة، فهي لغة الدين اليهودي وظلت مقتصرة على الكنيس وفي المناسبات الدينية، فى حين بقيت اللغة العربية لغة التفاهم الأساسية بين اليهود نفسهم ومع محيطهم العربي.

وفى الفترة الأخيرة اتجه بعض الإسرائيليين من أصول يمنية إلى إحياء تراثهم الغنائي، فكونوا فرقاً فنية وموسيقية، تخصصت في غناء هذا النوع من التراث. منها فرقة "يمن بلوز" بقيادة رافيد كحلاني، الذي يستخدم اللهجة اليمنية والعبرية بشكل أساسي في أغاني فرقته، مازجاً الموسيقى اليمنية القديمة بأنواع مختلفة من الموسيقى الأخرى التي تنتمي لثقافات متباينة. ومن أشهر أغاني هذه الفرقة Um Min Al Yaman.

هناك أيضاً فرقة "عنبال" المسرحية التى تشرف عليها سارة ليفي تاناي، والتي تقدم عروضاً مسرحية وغنائية وراقصة، تنتمي إلى التراث اليهودي اليمني.

وهناك فرقة A-wa، المكونة من ثلاث شقيقات، ذاع صيتها على خلفية أغنية "حبيبة قلبي"، التي تنتمي إلى التراث اليهودي اليمني، وأشرف على توزيعها موسيقي إسرائيلي من أصول يمنية هو تومر يوسف.

بالإضافة إلى الفرق الموسيقية، هناك مطربون إسرائيليون من أصول يمنية أعادوا غناء التراث اليهودي اليمني، مثل زيون جولان، الذي يقدم في حفلاته أغاني من التراث اليمني، مثل "بنت اليمن" و"صنعاء بلادي"، التي ذاع صيتها، وحققت شهرة كبيرة. وتقول كلماتها:

صنعاء اليمن صنعاء اليمن فيها مناظر عالية

فيها البنيات الحاليات مثل الغصون الراويات

هيا معي صنعاء البلاد

صنعاء بلادي تعجبك

صنعاء هي بلادي

ليت وانتي لي قريبة

يابلادي ياحبيبة

المعروف أن المطربة الإسرائيلية من أصل يمني الراحلة عفراء هزاع، هي من أبرز الذين اتجهوا إلى تقديم الأغاني اليهودية اليمنية، وقدمت عام 1984 ألبوماً كاملاً بعنوان "أغاني يمنية"، حقق شهرة كبيرة، وحصلت من خلاله على عدد من الجوائز العالمية.

التعليقات

المقال التالي