حكايات 4 أغانٍ نحفظها كلنا

حكايات 4 أغانٍ نحفظها كلنا

من أين يأتي الشعر؟ لكل قصيدة حكاية تكشف عن ظروفها الخاصة، التي أدت إلى ميلادها. سنكتشف هنا أغرب أربع قصائد تم غناؤها، يحفظها معظمنا، ونرددها من دون أن نعرف كيف خرجت إلى الحياة.

ثورة الشك: عتاب أبوي لشاعر حطمته الظنون

عام 1958، أطلّت أم كلثوم بقصيدة اعتبرها النقاد أروع ما غنت. قصيدة "ثورة الشك"، التي لحنها رياض السنباطي، وكتبها الأمير الشاعر "عبد الله الفيصل آل سعود". وقد صرح الفيصل في حوار له في برنامج "أغنية وشاعر" أن تلك القصيدة هي بداية نضجه الفني.

للقصيدة حكاية متداولة في الأوساط الفنية والثقافية، تقول إنه كان للأمير الشاعر زوجة اسمها "الجوهرة"، أحبها وقدرها كثيراً إلى أن وقع خلاف بينهما، تزوج على أثره نورة بنت عساف. أسرت الزوجة الجديدة قلبه، ما دفع الجوهرة لطلب الطلاق، لكن حبه لها منعه من ذلك رغم أنه استمر في إهمالها. كان حينذاك وزير الداخلية ووزير الصحة، لذا كان يغيب عن زوجته الثانية، الصغيرة في السن. بدأ المحيطون بعبدالله يثيرون شكوكه حول علاقة زوجته بابنه البكر، فراح الشك يمزقه، خصوصاً مع تصرفات الزوجة التي كانت تتسم بالأنانية والتجاهل والجفاء. فكتب قصيدة "ثورة الشك"، وهي عتاب أبوي رقيق، من أب حطمه الشك لابن هو سند الوالد وظهره.

أقوال جاهزة

شارك غردأغرب أربع قصائد تم غناؤها، يحفظها معظمنا، ونرددها من دون أن نعرف كيف خرجت إلى الحياة

لا تكذبي: عذاب الحب من طرف واحد

الحب من طرف واحد من أقسى التجارب التي يمكن أن يمرّ بها الإنسان. عذّب هذا النوع من الحب نفوساً كثيرة، منها "كامل الشناوي"، الشاعر الذي عشق نجاة الصغيرة. تلك القصة شهدها الوسط الفني وتندر الجميع بحب الشناوي الشديد لنجاة الصغيرة، وإهمالها المتعمد له. قال "مصطفى أمين" في كتابه "شخصيات لا تنسى": "عشت مع كامل الشناوي حبه الكبير، وهو الحب الذي أبكاه وأضناه، وحطمه وقتله في آخر الأمر. أعطى كامل لهذه المرأة كل شيء... ولم تعطه شيئاً! أحبها فخدعته، أخلص لها فخانته، جعلها ملكة فجعلته أضحوكة".

في إحدى المرات كان نجاة وكامل في حفلة، وعيناه تلاحقانها، حين غابت عنه، فتش عنها فوجدها في حضن شخص آخر، كان الكاتب الكبير "يوسف إدريس”. عاد الشناوي إلى شقة مصطفى أمين محطم الفؤاد، وكتب قصيدة "لا تكذبي". يصف أمين في كتابه تلك الحالة: "كتب قصيدة لا تكذبي في غرفة مكتبي في شقتي في الزمالك. وهي قصيدة ليس فيها مبالغة أو خيال. كان كامل ينظمها وهو يبكي، كانت دموعه تختلط بالكلمات فتطمسها. وكان يتأوه كرجل ينزف. وبعد أن انتهى من نظمها قال إنه يريد أن يقرأ القصيدة على المطربة بالتليفون".

اتصل كامل بها، وألقى عليها القصيدة وهو يبكي بعنف، فردت عليه ببرود غريب: "كويسة أوي، تنفع أغنية! ممكن أغنيها؟".

لحّن عبد الوهاب القصيدة وغناها، ويُقال إن عبد الحليم حين عرف بالقصة، قرر أن يغني القصيدة أيضاً.

تجرأت نجاة الصغيرة على إعادة غنائها، رغم أنها مكتوبة من رجل إلى امرأة، ووظفتها في فيلم "الشموع السوداء"، كأنها تعلن للجميع أنها غير معنية بحب كامل الشناوي لها.

عدوية: البسمة تستحق التخليد

ليست كل التجارب الشعرية مبنية على الأوجاع، وأغنية عدوية مثال. عدوية لمن لا يعرفها هي خادمة ريفية صغيرة وجميلة، كانت تخدم في بيت الموسيقار عبد العظيم عبد الحق. وكان عبد الحق صديقاً للشاعر عبد الرحمن الأبنودي. في ليلة، دخلت عليهما الفتاة حاملة صينية عليها واجب الضيافة، وحين انتبه الأبنودي إلى ابتسامة الفتاة الجميلة سألها عن اسمها فقالت عدوية. استوحى الأبنودي من ابتسامتها وأنشد: "عدوية أهي ضحكتها نهار". ثم استرسل في الكتابة حتى انتهى من القصيدة في تلك الجلسة. تطوع عبد العظيم لتلحين الأغنية، وعندما قابل الأبنودي بليغ حمدي للمرة الأولى، وطلب منه بليغ أغنية، ألقى الأبنودي عليه أغنية عدوية، التي نالت إعجاب بليغ جداً فتوسل من أجل تلحينها. اتصل الأبنودي بعبد الحق، فإذا به يعتذر للأنبودي عن الأغنية، لأنه كلما رأى الفتاة طار منه اللحن. انتقلت الأغنية إلى بليغ، الذي رشحها إلى محمد رشدي، لتصبح من أهم الأغنيات وأنجحها حينذاك.

أنا وليلى: أسطورة الحب المستحيل بين الادعاء والصدق

غنى كاظم الساهر قصيدة "أنا وليلى" حين قرأ مقاطع منها، مصادفة، في مجلة شبابية شهيرة، كانت نشرت أجزاء من القصيدة في صفحة إسهامات شبابية من دون ذكر اسم المؤلف. تفاعل القيصر مع القصيدة وشعر أن وراءها شاعراً كبيراً يستحق أن يُخلد بموهبته المتفردة. ولكن، من يا ترى مؤلف تلك القصيدة؟ بدأت رحلة البحث عن المؤلف الفعلي، فادعى العديد من الشعراء أنها تخصهم، ما أربك كاظم، فلجأ إلى اختبار ليعرف صدقهم من زيفهم بطريقة أكمل القصيدة. وكل من ادعى أن القصيدة تخصه، طلب منه كاظم الساهر فوراً أن يستكمل أبياتها. فشلوا جميعاً، وبقي كاظم 8 سنوات يبحث عن كاتبها، حتى جاءه ذات ليلة شخص قال إنه ابن خالة الشاعر، وإنه شاعر مغربي سافر إلى ليبيا ليعمل مدرساً هناك، ويزيح الغطاء عن قصة حب عظيمة شهدتها جامعة بغداد بين حسن المرواني وزميلته سندس. هي قصة تشبه القصص الأسطورية، فالعاشق من فقراء الزعفرانية والفتاة من أثرياء كركوك. هو لا يملك سوى حبه وأشعاره، بينما هي تطمح إلى المال والجاه. هكذا انتهت قصة الحب التي تندر بها الطلبة حينها، وهو كتب القصيدة أثناء الدراسة الجامعية وقرأها عليها وعلى الطلبة.

قدّر لهذا الحب أن يُخلد، بعدما لحن كاظم الساهر القصيدة وغناها عام 1998. ورغم ذلك لم يتوقف الشعراء عن ادعاء ملكيتهم للقصيدة.

عمرو عاشور

روائي وصحافي مصري، له أربع روايات، صدر آخرها حديثاً عن دار العين تحت عنوان "قانون البقاء"، كما سيصدر له قريباً عمل بعنوان "الحلاق والشيخ" وهو مقرواية أي رواية في قالب مقال، فيه دعوة لإعادة النظر في الفقه الإسلامي. عاشور حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية.

التعليقات

المقال التالي