السينما المصريّة وثورة يوليو: بين نقد الحقبة الناصرية وتشويهها

السينما المصريّة وثورة يوليو: بين نقد الحقبة الناصرية وتشويهها

أحدثت ثورة يوليو 1952 حراكاً سياسياً واجتماعياً ليس في مصر فقط بل في العالم العربي كله. لذا كان من الطبيعي أن تختلف الرؤى السينمائية حولها باختلاف صُنّاع الأفلام وتوجهاتهم الفكرية، وكذلك باختلاف الفترات الزمنية التي صُنعت فيها الأفلام.

تفريغ الكبت

بعد نكسة 1967، سيطرت حالة من الحزن والغضب على الشعب المصري. وقال الناقد الفني طارق الشناوي لرصيف22 إن الدولة سمحت في تلك الفترة بشيء من التنفيس عن هذا الغضب وتفريغ الكبت، وهذا ما ظهر من خلال أشكال عديدة كان أبرزها السينما التي اتجه صُناعها إلى نقد ممارسات السلطة في عدد من الأعمال منها "ميرامار" و"شيء من الخوف".
وبعد صعود أنور السادات إلى سدة الحكم ظهر ما يُسمّى بـ"أفلام مراكز القوى" حيث أعطى الرئيس الراحل الضوء الأخضر للهجوم على فترة عبد الناصر والتمهيد لفترة الانفتاح، وهذا ما ساهم في ظهور أفلام عديدة تدور في هذا الفلك مثل "الكرنك". وبرغم اعتراض الرقابة على عرض الأخير، إلا أن السادات أمر بعرضه هو وأفلام أخرى مثل "وراء الشمس" وأفلام اقتصت من "الثورة" عبر تناولها لمسائل كبت الحريات وانتهاك حقوق الإنسان واستغلال المناصب لتحقيق المصالح الخاصة.

أقوال جاهزة

شارك غردصنّاع السينما على دين ملوكهم... كيف انتقدت السينما المصرية الحقبة الناصرية بعد وفاة عبد الناصر؟

شارك غردتعرّفوا على أبرز الأفلام التي انتقدت فترة حكم عبد الناصر وقمعه للحريات...


رصيف22 يستعرض أهم الأفلام التي تناولت ثورة يوليو بالنقد أو الهجوم وأبرز ما ركزت عليه.

المتمردون - الطبقية والفساد

إنتاج عام 1968، وقصة صلاح حافظ، وسيناريو وحوار محمد عثمان، وإخراج توفيق صالح، وبطولة شكري سرحان، وتوفيق الدقن، وإسكندر منسي.
يتناول الفيلم الفساد في الحقبة الناصرية من خلال طبيب يعمل في إحدى المصحات النفسية حيث يرى عدداً من صور الطبقية والعنصرية والتفرقة في التعامل مع المرضى.
وتضمّن الفيلم إسقاطات على النظام في ذلك الوقت. إذ يتمرّد المرضى على الفساد السائد، ويستولون على المصحة ويطردون المدير ويختارون الدكتور عزيز زعيماً لهم، ولكنهم يعجزون عن إدارتها، فتقوم السلطات بالقضاء على التمرد ولكن الأمل في التغيير يظل باقياً.

شيء من الخوف - الاستبداد والقهر

أُنتج الفيلم عام 1969 عن قصة للكاتب ثروت أباظة، وأخرجه حسين كمال، ولعب بطولته محمود مرسي وشادية ويحيى شاهين.
نجح الفيلم في توصيل الصرخة ضد الخوف والقهر والظلم بما يحمله من إسقاطات على النظام السياسي في ذلك الوقت، وهذا ما فطن إليه جهاز الرقابة، وكاد أن يُمنع من العرض لولا أن وصل الأمر إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فشاهد الفيلم، وأمر بالسماح بعرضه دون إجراء أي تعديلات أو حذف وقال عبارته الشهيرة "لو كنا كده نبقى نستاهل الحرق" لتنتهي معركة الفيلم مع الرقابة ويُعرض كاملاً عام 1969 برغم حساسية الموضوع الذي تناوله. هذا ما قالته أمل فؤاد عريان في كتابها "سلطة السينما... سلطة الرقابة".

ميرامار - القرارات الاشتراكية

إنتاج عام 1969 عن رواية نجيب محفوظ التي تحمل نفس الاسم، ومن إخراج كمال الشيخ، وبطولة شادية وعماد حمدي وعبد المنعم إبراهيم ويوسف وهبي ويوسف شعبان وأبو بكر عزت وعبد الرحمن علي.
وتقول أمل فؤاد عريان، في كتابها المذكور، إن الفيلم يُعدّ من أوائل أفلام النقد السياسي لأوضاع مصر المعاصرة رغم اختلافه مع نص الرواية الأصلي. فقد جاء الحوار مباشراً وانتقد "الثورة"، بعكس ما جاء في الرواية التي كانت تحصر هذه الآراء على لسان الطبقة الرجعية أو تحديداً في هؤلاء الذين تضرروا من تلك القرارات.
وتشير عريان إلى جرأة الفيلم واستخدامه الرموز والدلالات الجنسية للتعبير عن أفكاره السياسية مما أثار الرقابة التي تعنتت في عرضه حتى وصل الأمر إلى الرئيس عبد الناصر فشاهد العمل بنفسه مع أسرته، وطلب السماح بعرضه.

ثرثرة فوق النيل - أسباب النكسة

إنتاج عام 1971 عن قصة لنجيب محفوظ تحمل نفس الاسم، ومن بطولة أحمد رمزي وعماد حمدي وعادل أدهم وميرفت أمين وسهير رمزي وإخراج حسين كمال.
استعرض الفيلم أسباب نكسة 1967 من خلال مجموعة من المثقفين الذين يتعاطون المخدرات ويتصيدون النساء في عوامة على النيل يحرسها رجل هو رمز للشعب المصري. وفي النهاية عندما يخرجون لأول مرة يقتلون رجلاً يعبر الطريق ويهربون، وهنا تشابه بين الجريمة والنكسة، حسبما كتبت عريان.
وقد اعتمد كاتب السيناريو على عدة مشاهد تدور في الفراش لجذب المشاهدين كما أضاف بعض النكات السياسية المتعلقة بالاتحاد الاشتراكي والاشتراكية، لتقليد النجاح الذي حققه "ميرامار".

زائر الفجر - سحق العناصر الوطنية

إنتاج 1971، وقصة وسيناريو وإخراج ممدوح شكري الذي شارك أيضاً في كتابة حواره مع رفيق الصبان، وبطولة ماجدة الخطيب وعزت العلايلي وشكري سرحان.
تقول أمل عريان في كتابها المذكور إن الفيلم حاول أن يفنّد الأسباب التي أدت إلى هزيمة 1967 بوضوح وقسوة خاصة ما يرتبط بحالات الاعتقال والسجن والضرب لعناصر وطنية مخلصة كانت تحاول إلقاء الضوء على عناصر الضعف والسلبيات التي أصابت أجهزة الدولة، وبمعنى آخر كان الفيلم ضربة مباشرة لمراكز القوى الموجودة في تلك الفترة.
عُرض الفيلم كما تشير عريان قبل العرض التجاري بأسبوع واحد فقط في يناير 1973، وحدثت ضجة حينها ومُنع بسبب انتقاده الوضع السياسي الذي تشهده البلاد في تلك الفترة وأداء وزارة الداخلية، والإسقاطات السياسية التي يتضمّنها، إضافة إلى الجمل الحوارية الساخنة التي احتوى عليها مثل "البلد دي ريحتها فاحت".
ولم تسمح الرقابة بعرض الفيلم إلا عام 1975 أي بعد أكثر من 3 سنوات من إنتاجه وبعد أن اسُتبعدت منه عشرات المشاهد، ولا يزال العمل ممنوعاً من العرض على التلفزيون المصري حتى يومنا هذا.

العصفور - سرقة القطاع العام

إنتاج عام 1972، وقصة وسيناريو وحوار لطفي الخولي، وإخراج يوسف شاهين، وبطولة محمود المليجي ومحسنة توفيق وسيف عبد الرحمن وحبيبة.
يتناول الفيلم هزيمة 1967 من خلال مجموعة من الخونة وأصحاب مراكز القوى الذين يقودهم أحد المسؤولين السياسيين والذين ينهبون أقوات الشعب ليحققوا لأنفسهم الثراء الفاحش، باشتراكهم في سرقة معدات أحد مصانع القطاع العام في قرية بالصعيد.
من أهم المشاهد الدلالية التي تضمنها الفيلم ما ارتبط بحرب 1967. ففي أحد المشاهد، يلتفّ الجميع حول أجهزة الراديو ليستمعوا إلى البيانات الكاذبة عن إسقاط طائرات العدو، حتى يظهر عبد الناصر في 9 يونيو على شاشة التلفزيون ويعلن التنحي لتنطلق "بهية" في الشوارع ومن خلفها الجماهير التي تهتف "لا هنحارب هنحارب"، وفي الوقت ذاته ينطلق العصفور من قفصه الحديدي.

التلاقي - الفساد السياسي

أُنتج عام 1973، ولعب بطولته محمود مرسي وحبيبة ومديحة كامل وسهير المرشدي، وأخرجه صبحي شفيق الذي كتب أيضاً القصة والسيناريو والحوار.
تناول الفيلم الفساد السياسي في المصالح الحكومية من خلال نماذج من الشباب الذين يصطدمون بمشاكل مجتمعهم. وقالت عريان في كتابها إن الرقابة رفضت عرضه، ليظل الفيلم حبيس الأدراج حتى عام 1977 حين عُرض بعد تنفيذ الملاحظات الرقابية التي تمس السلطة مثله مثل معظم الأفلام المغضوب عليها قبل عام 1973.

الرصاصة لا تزال في جيبي - خداع الشعب

أُنتج الفيلم عام 1974 عن قصة للأديب إحسان عبد القدوس، وهو من بطولة محمود ياسين وحسين فهمي ويوسف شعبان وصلاح السعدني ونجوى إبراهيم وسعيد صالح وعبد المنعم إبراهيم وحياة قنديل، وإخراج حسام الدين مصطفى.
يستعرض الفيلم انهيار الروح المصرية بعد نكسة 67 وقضية خداع الشعب عبر مؤسسات الدولة. ويتضمن الفيلم مشهداً لاغتصاب "فاطمة" التي ترمز إلى مصر من قبل "عباس" أحد رجال النظام الذي كان سبباً في نكستها، إلا أن ابن عمها يعيد إليها كرامتها في حرب أكتوبر 1973.

الكرنك - مراكز القوى

من إنتاج عام 1975، عن قصة نجيب محفوظ، وسيناريو وحوار ممدوح الليثي، ومن إخراج علي بدرخان، وبطولة سعاد حسني وكمال الشناوي ونور الشريف ومحمد صبحي.
يؤرخ الفيلم للفترة منذ نكسة 1967 وانتهاءً بنصر أكتوبر 1973 ومروراً بما يسمى بـ"ثورة التصحيح" في 15 مايو 1971.
وقالت أمل عريان في كتابها إن العمل ركّز على النقاط السوداء في تاريخ الثورة، وعلى سلبياتها من حملات اعتقال وتعذيب ومراكز القوى مجسدة في رئيس المخابرات الذي أدى دوره الفنان كمال الشناوي.
ورغم تناوله المباشر لمثل هذه القضايا الحساسة في السلطة، إلا أنه كان أكثر حظاً من أفلام كثيرة تناولت نفس الفكرة، فقد لعبت الظروف السياسية دورها ليكون الفيلم وسيلة للهجوم على عهد سابق وإبراز مساوئه.
وتضمن الفيلم مشهداً لاغتصاب سعاد حسني على يد الشاويش داخل السجن في إشارة إلى اغتصاب مصر على يد النظام.

عودة الابن الضال - نفوذ رجال الرئيس

إنتاج 1976، وإخراج يوسف شاهين الذي شارك أيضاً في كتابته مع صلاح جاهين، وبطولة محمود المليجي وشكري سرحان وسهير المرشدي.
رأى الفيلم أن نكسة 1967 نتاج لاستغلال رجال الرئيس ومَن حوله لأحلامه التي كانت تفوق قدرات مصر في تلك الفترة، وكان من أبرز المشاهد التي تضمنها اغتصاب "فاطمة" التي ترمز لمصر على يد "طلبة" الذي رمز للسلطة.

حافية على جسر الذهب - نفوذ رجال الرئيس

إنتاج عام 1976 وإخراج عاطف سالم وتأليف إبراهيم الورداني وبطولة حسين فهمي وميرفت أمين وعادل أدهم وعبد المنعم إبراهيم ونجوى فؤاد ومريم فخر الدين.
يعرض الفيلم حالة استغلال بعض رجال السلطة لنفوذهم السياسي، قبل النكسة وبعدها، لتحقيق مصالحهم الشخصية من خلال شخصية رجل الأمن المستبد الذي يجسد شخصية صلاح نصر مدير المخابرات العامة المصرية في ذلك الوقت.

وراء الشمس - ملابسات الهزيمة

إنتاج عام 1978، وإخراج محمد راضي، وﺗﺄﻟﻴﻒ حسن محسب، وبطولة نادية لطفي ورشدي أباظة وشكري سرحان ومحمد صبحي ومحمود المليجي ومنى جبر.
يستعرض الفيلم الظروف والملابسات التي أدت إلى نكسة 1967 خاصة الممارسات القمعية لأجهزة الأمن في ذلك الوقت مع التحذير من تكرار هذه الأخطاء مرة أخرى حتى لا تتكرر النكسة.

إحنا بتوع الأتوبيس - ممارسات ضباط المخابرات

إنتاج عام 1979 عن قصة وسيناريو وحوار فاروق صبري، وإخراج حسين كمال، وبطولة عادل إمام وعبد المنعم مدبولي وسعيد عبد الغني وإسعاد يونس ويونس شلبي.
تناول العمل انتهاك حقوق الإنسان في الحقبة الناصرية من خلال التركيز على التعذيب وممارسات أجهزة الأمن وضباط المخابرات.

وينتهي الفيلم بمشهد تمرد المعتقلين على مأمور السجن والشاويش ليعلن انتهاء هذه المرحلة وبداية مرحلة أخرى.

نقد وليس هجوماً

يقول الناقد الفني عصام زكريا لـ"رصيف 22" إنّ "صُناع السينما والفنانين رغبوا في مواكبة المتغيرات التي تزامنت مع ثورة يوليو، فصنعوا أفلاماً خلال الثورة وضعوا فيها مشهد قيام الثورة في نهاية الفيلم، وكأنه بداية لعصر جديد، وبعد استقرار الثورة أنتجت أفلام أخرى تلائم المرحلة مثل "رد قلبي" الذي بشرّ بمكتسبات الثورة و"الباب المفتوح" الذي استعرض أفكارها بشكل غير مباشر".
عندما توفي عبد الناصر وتولى السادات السلطة، انقلب الأخير على سياسة الأول، وظهرت أفلام تنتقد ممارسات الثورة وإن كانت لا تهاجمها مثل "الكرنك"، وبعد ذلك صنُعت أفلام تطرقت إلى الذين تضرروا من الثورة، وصودرت أملاكهم باعتبارهم "مظلومين"، بحسب ما يقول زكريا.
يوضح زكريا أنّ الناقد الفنّي لا ينظر للأعمال الفنية من منظور إساءتها أو انتقادها أو طعنها أو حتى تمجيدها للثورة، وإنّما يراها من منظور آخر وهو مدى توافر العناصر الفنيّة فيها مثل مستوى السيناريو والإخراج والتمثيل، ولا يقف كثيراً عند توجه العمل الفني، لذا يمكن القول أن فيلم "رُد قلبي" و"غروب وشروق" التي واكبت الثورة من الأفلام الجيدة، وكذلك "الكرنك" من الأفلام الجيّدة التي انتقدت الثورة، بغض النظر عن مقولتها السياسيّة.

محمد شعبان

صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

كلمات مفتاحية
ثقافة مصر

التعليقات

المقال التالي