فرج فودة... المفكّر الذي اغتاله الإسلاميون بسبب فكره

فرج فودة... المفكّر الذي اغتاله الإسلاميون بسبب فكره

ثمة سؤال ظل يلح على عقلي منذ غادرت منزل الدكتور محمود مزروعة، أستاذ العقيدة، بجامعة الأزهر، والشاهد الوحيد في قضية مقتل فرج فودة، التي نفذها مسلحان ينتميان إلى الجماعة الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي.

تساءلت كثيراً حول أسباب تلك السعادة البادية على وجه الرجل الثمانيني، حين يعيد رواية تفاصيل تلك الحادثة، ويستعيد فصولها التي لم تسقط من ذاكرته.

فتوى التكفير

حصل ذلك أثناء حوار أجريته معه قبل عام، امتد لثلاث ساعات، انتقد فيه أفكار فودة، وأكّد "طعنه في الإسلام" و"سبه للصحابة وأمهات المؤمنين".

ورغم مرور نحو ربع قرن على الحادث، بقيت ابتسامة تملأ نصف وجهه وتخفيها عينه اليسرى التي فقدها تحت وطأة التعذيب، في سجون عبد الناصر، عندما أفلتت عصا غليظة مدببة بأسنان حادة من يد جلاده.

يزعم مزروعة أن فودة لطالما سخر في كتاباته من الصحابي عمر بن الخطاب. وقف أمام المحكمة لأكثر من ثلاث ساعات، ليؤكد ردة المفكر المصري ويبرئ المتهمين. ووثق تلك الشهادة في كتاب تحمّل تكاليف طباعته وتوزيعه بنفسه.

يقول مزروعة إن اتصالاً جاءه من شباب يدعون انتماءهم لإحدى الجماعات الإسلامية، ويريدون استشارته في أمر عاجل، فحدد لهم موعداً في إحدى محطات البنزين في القاهرة، والتقى بهم في غرفة داخلية. فسألوه: "ما حكم المرتد" فأجاب: "قتله"، ثم سألوه: "وإذا لم يقتله الحاكم؟" فأجاب قاطعاً: "يكون حكم قتله في رقاب عامة المسلمين".

فودة... المفكّر الشجاع

"كان يلاحق بتهديدات مستمرة بكل الوسائل، وكان يسخر منها بشدة ولا يهتم بها البتة بشجاعة منقطعة النظير"، يعلق الروائي المصري نعيم صبري على رد فعل فودة تجاه ما كان يتعرض له بسبب مقالاته وكتبه. ويقول لرصيف22: "التقيت به للمرة الأولى في جلسة الحرافيش التي كان يعقدها نجيب محفوظ كل يوم جمعة في كازينو قصر النيل. كان مواظباً على حضور الندوة، ويبدو شديد الاعتراض على السلفية الدينية الإسلامية، التي كانت منتشرة آنذاك، وصاحبها حوادث قتل وتفجير مثل مقهى ميدان التحرير وغيره".

أقوال جاهزة

شارك غرداغتال الإسلاميون في مصر المفكّر فرج فودة بسبب فكره. فماذا قال عن الدين والعلمانية والتاريخ الإسلامي؟

شارك غرداعتبر فودة أن العدل غاية النص، وأن مخالفة النص من أجل العدل، أصح في ميزان الإسلام من مجافاة العدل بالتزام النص

وأضاف: "تستطيع أن ترى في شقتة العديد من الكتب الإسلامية والتاريخية، فكان مهموماً بالمشكلة وشديد الاقتناع بما يكتب ويقول. وأعتقد أنه كان يخصص هذا المكتب لموضوع دراسة وتأصيل تاريخ التيارات الدينية و الإسلام السياسي".

ويروي صبري، أن فودة كان يحكي عن ملاحقته للشيخ صلاح أبو اسماعيل، يبحث وينقب عن الأماكن التي سيتحدث فيها ويذهب إليه، ليحضر أحاديثه ويرد عليها ويدحضها.

ويقول عنه أحد أصدقائه المقربين: "كان رجلاً ودوداً خفيف الظل، مقبلاً على الحياة ويقدرها، شديد النشاط والحيوية. علاقاته الاجتماعية قوية ومتعددة".

نقد تغييب العقل

"حين حصلت هزيمة 1967 المروعة، توقف الزمن بالنسبة إلي، أحسست بالتفاهة والبلاهة والعجز، تملكتني رغبة عارمة في الموت، أو الاختفاء، أصبح كل شيء أمامي صغيراً، وحقيراً، خيل إلي أن مصر ماتت وانتهت". هذه الكلمات التي سجل فودة، في كتابة "الوفد والمستقبل"، من خلالها بعض الأعراض التي تقاسمها جيل الهزيمة، والتي تسببت في فقدانه شقيقه في الحرب وضياع جثته. فتصدى حينها لعوامل الهزيمة العربية، وبدأ في نقده للعقل العربي، الذي يسوده التواكلية ورفض الإبداع واعتماد قيم الماضي وتقديس السلف، والنظر بخشية وتوجس للتقدم والحضارة والعلم.

عاش فودة وجيله في خضم أزمة الهوية التي تعرضت بعد الهزيمة لهزة قوية، وتراجع الخطاب القومي السائد واختباره أمام المد الديني السلفي والأصولي، الذي بدأ يقدم خطاباً بديلاً عن الجامعة الوطنية والقومية العربية، ويروج للخلافة الإسلامية والترابط الأممي لمواجهة الكيان "اليهودي" والغزو "الصليبي".

لم يعتمد المفكر العلماني تلك المقولات، ووقف في المعسكر المضاد، ينتقد الفكر الغيبي وتفسير الهزيمة كعقاب سماوي للبعد عن الدين وتعطيل شرع الله، مثلما اعترض على القائلين بوجود ملائكة في حرب 1973 شاركت الجنود المعركة وهتفوا: "الله أكبر" فانتصرنا!

رفض التوفيق بين الدين والسياسة

دشن صاحب "الحقيقة الغائبة" عبارات لا تناور أو تهادن. ووفق فلسفة قاطعة مع أي محاولات توفيقية بين الدين والسياسية. وعكف على إزالة الالتباسات والشبهات التي أحاطت بمفاهيم كثيرة  كالعلمانية والمواطنة والديمقراطية.

فيرى في كتابه "حوار حول العلمانية" أن آفة حياتنا السياسية أننا لا نسمي الأشياء بأسمائها". فتراجع أنصار الدولة المدنية عن التمسك بأدبياتهم السياسية، تخوفاً أو طمعاً في الأصوات الانتخابية، ما ساعد أنصار التيار الديني على ترسيخ مفهوم غامض، بأن العلمانية مفهوم إلحادي، يؤدي للكفر الذي لا شبهة فيه. فحصروا دعاياتهم بين الإسلام أو العلمانية، وكأن أحدهما سوف يلغي الآخر ولا يصح أن يكون مسلماً وعلمانياً معاً.

لا تعني العلمانية لدى فودة فصل الدين عن المجتمع، كما أن المفهوم بالنسبة إليه لا يخرج عن إطار نشأة الدولة المصرية في القرن التاسع عشر وحدودها الثقافية، التي تجعل من تطبيقه في بيئتها يحمل خصائصها المميزة. مثلما تختلف العلمانية في فرنسا عنه في بريطانيا الذي يكون رأس الدولة فيها هو نفسه رأس الكنيسة.

فاعتبر أن الدين هو "أحد أسس تكوين الضمير في المجتمع"، وكذا "ترعى الدولة المؤسسات الدينية، وتختار قياداتها، وتحتفل بصورة رسمية بالأعياد وبالمناسبات الدينية، وتفرد للدين مساحة واسعة في وسائلها الإعلامية ومؤسساتها التعليمية. ولكن ذلك كله يتم في إطار محدد ومحدود، لا يخرج بمصر عن العلمانية، ولا يدخلها في إطار الدولة الدينية". كما يبين في كتابه "حوار حول العلمانية".

ويذكر فودة في الكتاب واقعة جرت حوادثها في تاريخ قريب عاصر تفاصيلها، حين تعرض الرئيس المصري الراحل أنور السادات للتكفير من تيارات دينية لتوقيعه معاهدة السلام مع إسرائيل، بينما يؤيده في خطه السياسي شيوخ الأزهر وجميعهم يلتزم في رأيه بأقوال من القرآن والسنة.

يؤكد فودة على تحييد الدولة تجاه مواطنيها من ذوي الديانات والمذاهب المختلفة، وحتى الملحدين واللادينيين. فتكفل العلمانية حرية العقيدة دون محاذير أو قيود، وتصبح المواطنة أساس الانتماء للوطن وفق الدستور ونظام حكم مدني.

فضح الإسلاميين

دأب فودة على فضح شعارات التيارات الدينية، التي تعتمد الصيغ السحرية للكلام المؤثر، الذي فقد فعاليته التاريخية. فقابل أيقوناتهم المقدسة مثل "الإسلام هو الحل" أو "تطبيق الشريعة يستدعي حلاً فورياً لمشاكل الدولة"، بمجموعة من الأسئلة المحددة، عبر مراجعة جادة لفصول التاريخ الإسلامي وفهم آلية الحكم والعدل والتغيير، وتداول السلطة ومدى تحققهما. فيوضح أن الإسلام النص، لم يضع شروطاً للبيعة، ولم يحدد آلياتها ومتى يجددها الرعية للحاكم. كما أن الإسلام كعقيدة لم يؤصل لنظام حكم محدد، وإذا عرجنا على الإسلام التاريخي الذي مارسه المسلمون بعد وفاة الرسول، فقد اقترفه بشر غير معصومين من الخطأ والزلل. وهنا يقف على مسافة فاصلة بين الدين في إطاره التعبدي والإيماني والآخر سياسي وتاريخي دنيوي.

أورد فرج فودة في كتابه "الحقيقة الغائبة"، أمثلة جرت في حدود تاريخ وجغرافيا الخلافة الإسلامية، ليوضح أن "الخلافة لم تحمل من الإسلام إلا الإسم وأن الإسلام دين وليس دولة". فهي حدث في التاريخ لا قداسة له، ووقائع جرت في فصول مروية، يمكن نقدها وإدانتها مثله مثل أي عصر. وشخوصه بشر لا يتعالى أحدهم أمام مراجعة العقل. وكشف عن غياب أي مرجعية أزلية تزعم التيارات الإسلامية أن يكون الإسلام قد أقرها لتحديد شكل الحكم في الإسلام. ويرى بذلك غياب برنامج سياسي واقتصادي ومجتمعي متكامل للإسلاميين يعالج مشكلاته العصرية.

ميز في كتاباته بين موقفين من الدين، أحدهما سعى لمؤازرته واستعادة أحد وجوهه على المجتمع، ليخرجه من انسداداته وأفوله التاريخي، ويساعده على التحرر من قبضة الماضي وأسره في الخرافات والتعاويذ. وأن "يفتح باباً أغلقناه كثيراً وهو حقائق التاريخ، ويحيي عضواً أهملناه كثيراً وهو العقل، ويستعمل أداة تجاهلناها كثيراً وهي المنطق"، كما ذكر في مقدمة كتابه الحقيقة الغائبة.

وفي كتابه "زواج المتعة" ذكر أن الإسلام أضحى في مفترق طرق: "طريق نخوضه في حمامات الدم نتيجة الجهل وضيق الأفق، وطريق آخر يعتمد الاجتهاد المستنير والقياس الشجاع والأفق المتنور".

سعى فرج فودة لتجاوز النص الديني في ظاهره، وحاول فهمه في حدود تاريخيته، وإعمال العقل لا النقل. وأورد عدداً من اجتهادات عمر بن الخطاب، الذي خالف فيها النص الديني وعطل أحكامه، مثل عدم قطع يد السارق إذا كان السارق محتاجاً. ويؤكد فودة أن العدل غاية النص، وأن مخالفة النص من أجل العدل، أصح في ميزان الإسلام الصحيح من مجافاة العدل بالتزام النص.

صحافي مصري مهتم بالقضايا السياسية وبتاريخ الإسلام والإسلام السياسي.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي