4 روايات دينية وتاريخية عن موت المسيح

هذا العام، يصلي المسيحيون من أبناء الطوائف الغربية، الجمعة 25 مارس، لإحياء ذكرى صلب المسيح، بعد أن جرّه اليهود في أرض فلسطين إلى الامبراطورية الرومانية، التي كانت تحكم البلاد، ليحاكموه، دافعين به إلى الصلب، بعد تعذيب وجلد.

رغم حزن المناسبة تطلق المسيحية على هذا اليوم اسم "الجمعة العظيمة"، أو Good Friday بالإنكليزية، ويفسر ذلك حسب الاعتقاد المسيحي العام، أن حزن المناسبة متوج برجاء قيامة المسيح بعد ثلاثة أيام، ما يختم رسالة المسيح بعد ثلاثة أعوام من تبشيره، إذ يموت منقذاً العالم، مبشراً بأمل جديد للبشرية، وبعلاقة جديدة مع الله.

النص الإنجيلي الذي يروي قصة المسيح، والمعتمد من قبل الكنيسة، هو نص مجموع من بضعة نصوص لكتّاب مختلفين، عاش معظمهم بعد المسيح بعدّة أعوام. وبعد المسيحية، جاءت دعوات دينية أخرى كان لا بد لها من التطرق إلى المسيح كفكرة موجودة قبلها، ما نسج قصصاً كثيرةً وروايات مختلفة عن قصة موت المسيح، إليكم بعضها.

 

القصة الإنجيلية الأساسية

أربعة أناجيل تروي قصة المسيح منذ ولادته، حتى عودة ظهوره في الثلاثين من عمره، لبدء رحلة التعليم والتبشير. وهي أربعة نصوص لكتّاب مختلفين: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، تتشابه هذه الروايات حول قصة موت المسيح، مع اختلاف في بعض التفاصيل البسيطة. وتسير القصة في مجموعة من الأحداث المتتالية، التي تؤدي إلى غضب اليهود الشديد من المسيح، والعمل على صلبه. آخرها يسبق موته بوقت قصير، كدخوله إلى أورشليم على ظهر دابة، فيخرج جمع من المدينة (مدينة القدس في يومنا هذا)، ليستقبلوه ويفرشوا له سعف النخيل، معلنين أنه ملك إسرائيل، مهللين: "مبارك الآتي باسم الرب". وهذا ما يجعل اليهود يدركون أن الجمع المؤيد للرجل بدأ يكبر، وأنه سيكون مشكلة كبيرة بالنسبة إليهم بعد حين، لأن تعاليمه لا تتناسب مع الناموس اليهودي.

يباشرون العمل على التخلص منه، ويتفقون مع أحد تلامذته يهوذا الاسخريوطي، ويعطونه ثلاثين من الفضة، ليدلهم على مكانه. ذات ليلة، وبعد أن يتعشى مع تلاميذه عشاءً أخيراً، وهو راكع في بستان يصلي، يأتي الجنود ويعتقلونه. يأخذه اليهود إلى بيلاطس البنطي الحاكم الروماني، الذي لم يرد بدايةً أن يتورط في صلبه، بما أنه كان خائفاً من قتل من يقول عن نفسه إنه ابن الله. لكنه في النهاية يترك الحكم لجموع الناس المتجمهرة، فيسألهم إذا كانوا يريدون أن يطلقوا سراح بارباس المجرم (الذي كان سيصلب في اليوم نفسه) أو يسوع الناصري، بمناسبة الفصح، فيقع اختيارهم على باراباس. ويصلب المسيح بعد تعذيب وجلد، ويقول وهو مصلوب: "يا أبت، اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون"، مشيراً إلى الجنود. ويقول أيضاً: "قد أكمل" و"يا أبتِ، بين يديك أستودع روحي".

يسقيه الجنود خلاً، ويصرخ صرخة بعد عذاب طويل، ويسلم الروح. يشق حجاب الهيكل اليهودي في اللحظة التي يموت فيها المسيح، وبعد ثلاثة أيام من دفنه، في صبيحة عيد الفطير، أو ما يعرف بأحد الفصح، يقوم من بين الأموات، ويظهر لتلاميذه أولاً.

 

الرواية الإسلامية: المسيح لم يمت

يؤمن المسلمون أن عيسى بن مريم لم يصلب، بل صُلب شبيه له. بحسب الرواية، أخبر أحد حواري المسيح اليهود بموقعه، فشبهه الله بصورة المسيح، ورفع الله عيسى بن مريم إليه إلى أن يحين الوقت الذي يبعثه مرة ثانية إلى الأرض، ليقتل المسيح الدجال عند قرب يوم القيامة. ثم يموت ليبعث حياً يوم القيامة. وقد ورد ذلك صريحاً في القرآن في سورة النساء: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً". ويرى البعض من المفسرين، أن سورة مريم "والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً"، تدل على أن المسيح صلب ومات ثم بعث حياً من جديد، إلا أن المسلمين يرون أن المقصود هو أن الله رفعه إليه حياً وأنه سيموت بعد نزوله إلى الأرض.

 

اليهود لم يصلبوا مسيحاً

في العبرية، اسمه المسايا، وهو مسيح لا يشبه ذلك الذي مرّ على البشرية وآمن به الناس إطلاقاً. هو ملك مثالي من نسل داوود، يحرر اليهود ويخلصهم، ويعيد المجد إلى مملكة داوود، ويبني لليهودية معبداً في أورشليم، ويجمع شتات اليهود في العالم، وغيرها من الصفات الملكية التي تصور ملكاً بطلاً من نسل الآلهة، ومتوجاً قوياً صالحاً لبني إسرائيل. وتختلف الطوائف اليهودية في ما بينها حول فكرة المسايا، إذا ما كانت رجلاً يعود ليخلص شعب الله المختار ويعلن يوم نصرهم وقيامتهم، أو إذا كانت مجرد فكرة عن زمن محدد. لكنهم يجمعون على أن الرجل الناصري الذي صلب قبل ألفي عام لم يكن مسيحهم، وقد ادّعى ذلك كذباً، وصلب جزاء ادعائه الكاذب. وتشير معظم التفسيرات إلى أن الناصري كان رجلاً بسيطاً فقير المظهر يجول المدن الفلسطينية، ويعلّم بالحكمة والتسامح والمحبة ويبتعد عن المال والسلطة، ما جعل اليهود لا يصدقونه لأنه يخالف الصورة النمطية للمسيح الذي ينتظرونه.

أما في ما يخص قصة صلب يسوع الناصري، تدافع بعض المدارس اليهودية المتنورة عما يعتبرونه مظلومية تاريخية وجهها المسيحيون في حقهم. فيقول Martin I. Lockshin المحاضر في المركز اليهودي للدراسات في جامعة York، في مدينة تورنتو الكندية، إن من قتل يسوع رب المسيحيين لم يكن اليهود، بل الرومان، وهذا الاتهام التاريخي يخلو من الدقة، ومن أبسط البراهين على أن دم المسيح في رقبة الرومان، هو أن الصلب عقوبة إعدام معروفة تاريخياً على أنها رومانية وليست يهودية، وحكام فلسطين وقتها كانوا الرومان لا اليهود، حتى لو كان الشعب اليهودي يسكن تلك المنطقة حينذاك.

 

يسوع التاريخي

عندما يدرس المختصون في الشؤون الدينية المسيحية اللاهوت، لا بد لهم من دراسة ما يعرف بـHistorian Jesus أو المسيح التاريخي. ويعد المؤرخ اليوناني جوزيفوس فلافيوس، الذي كان يعيش بين عامي 40 و100 ميلادي، بشكل تقديري، من المؤرخين القلائل جداً الذين يعترفون بوجود يسوع تاريخياً. ويشير في كتابه The antiquities of the Jews، الذي صدر عام 94 ميلادي، إلى أن يسوع كان رجلاً ناصرياً حراً يدعو إلى التجديد، وكان له تلاميذ وأتباع. ويشير أيضاً في مقاطع من الكتاب نفسه إلى أن يسوع حوكم على يد حاكم مقاطعة أيوديا (اليهودية) الروماني، بيلاطس البنطي، الذي حكم بين عامي 26-36 ميلادي، وصلب على الطريقة الرومانية آنذاك، وأن واحداً من تلاميذه أخذه عن الصليب ودفنه. وبالطبع لا يعالج جوزيفوس أي نوع من الاعتقادات المسيحية الدينية عن القيامة أو الظواهر الطبيعية غير الاعتيادية أو الظواهر التي رافقت لحظة موت المسيح.

 

كلمات مفتاحية
المسيحية

التعليقات

المقال التالي