الرقص عند المصريين، احتفال وعبادة

الرقص عند المصريين، احتفال وعبادة

لطالما عُرف وادي النيل بأرضه الخصبة وميل أهله إلى المتعة والانبساط. لذا ازدهرت على هذه الأرض فنون الرقص المختلفة، الحسية منها مثل الرقص الشرقي، والروحانية الصوفية كرقصات التنورة والحضرات التي يعتبرها المتصوفة نوعاً من التعبد لله. وكثرت الأعياد والمناسبات الاحتفالية التي يشكل الرقص جزءاً جوهرياً منها.

عشق الرقص منذ فجر التاريخ

وقد لفت عشق المصريين للرقص أنظار باحثين مثل ويل ديورانت، كاتب "قصة الحضارة"، عندما قال إن المصريين القدماء كانوا يتقربون من آلهتهم بالغناء والرقص في حين كان اليونانيون يلجأون إلى البكاء والتضرع.

يستوطن الرقص حياة المصريين الاجتماعية والشخصية على السواء. فكثير من البنات منذ الطفولة حتى الشيخوخة، تنطلق أجسادهن بالرقص وتفيض بالحركات الناعمة اللينة عندما يخلٓوْن إلى أنفسهن، بعيداً عن عيون الرجال، في مجتمع ذكوري يميل إلى قمع غرائز المرأة ومحاسبتها عليها.

أما الرجال، خاصة أبناء الطبقة الشعبية القليلة الحظ من الثقافة والتعليم والمال، فقلّما يرقص أحدهم في الأعراس والمناسبات إلا وفي يده أداة "قتال" مثل المطواة أو الساطور عند سكان المناطق الشعبية في المدن، أو العصا عند الفلاحين والصعايدة في القرى والأرياف.

الرقص الشرقي

الرقص الشرقي هو أكثر أنواع الرقص الذي تمارسه الفتيات إثارة للحواس والغرائز، وقد انتشر في بدايات القرن الماضي بشكله الاحترافي في الموالد والأفراح خاصة تلك التي يقيمها أعيان الدولة.

قبل ظهور المسيحية وفي فترة ازدهار الوثنية، كانت الفتيات يؤدين رقصاتهن المثيرة ضمن طقوس البغاء المقدس، إذ كان الفراعنة يقدّسون كل قوى الطبيعة، ويتقربون إليها بالغناء والرقص، ومنها إلهة الخصب، وكانت الطقوس تتضمن هز الخصر، لأنه المكان الذي يعلو قليلاً منطقة الخصوبة. ولكن بعد انتشار المسيحية، وتراجع الوثنية، انتقل الرقص من المعابد إلى الملاهي، وصار مرتبطاً بالمتعة الدنيوية الصرفة.

الرقص الشرقي الذي نراه الآن في مصر سواء في الأفلام أو في الملاهي الليلية نشأ، بحسب الباحث الاجتماعي أحمد القطب، من امتزاج رقص الغوازي برقص العوالم.

وتنحدر الفئة الأولى، أي الغوازي، من "غجر" و"نور" قدموا إلى مصر من بلاد فارس والهند، في موجات هجرة متتالية، واستقدموا معهم عادات وتقاليد متحررة من الدين والأخلاق، وامتهنوا الرقص وتقديم المتعة لطالبيها.

أما العوالم فالكلمة هي جمع لمفردة "عالمة" وتعني الراقصة المحترفة التي تتميز عن الغازية بمعرفتها بالآلات الموسيقية والعزف، وحفظها للقصائد والمأثورات، ويرأس فرق العوالم "الأستاذ" وهو الرجل الذي يدرب الراقصات ويجهزهنّ.

شارع محمد علي

استطاعت الغوازي، اللواتي استقر بعضهنّ في شارع محمد علي في الاسكندرية، وطبعن الشارع بصفاتهنّ، أن تخلقن بأوساطهن وطناً بعيداً عن قمع السلطة والمجتمع الذكوري. فالرجل المصري المحافظ لم يكن يسمح لبناته أو إخوته أو أمه بالرقص، وكان يستمتع وحيداً برقص الغوازي في حالة أشبه بالفصام.

 وفي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، قام والي مصر بنفي الغوازي إلى إسنا، جنوب مصر، بعد أن تقربن من الجنود الفرنسيين الغزاة بالمتعة والرقص، وهذا ما أشعر والي مصر بالإهانة.

سي السيّد

تربّت أجيال من المصريين منذ بدايات القرن الماضي وهم يطوفون مع آبائهم في الموالد الشعبية، ويستمتعون في إحدى الخيم المنصوبة برقص الغوازي، حيث فورة الجسد والانتشاء الحسي، وفي خيمة مجاورة بالحضرة حيث يتمايل الصوفيون يميناً وشمالاً متأثرين بالأناشيد الدينية التي تمتدح الرسول.

 هكذا، ظهرت شخصية الرجل المصري الذي يحضر رقصات العوالم والغوازي ليلاً، وينهض فجراً لأداء صلاة الصبح، وزوجته المتدينة المحافظة تصب له الماء وتدعو له. هذه الصورة أبدع في تجسيدها الروائي المصري نجيب محفوظ في شخصية السيد أحمد عبد الجواد الشهيرة بـ"سي السيّد"، في ثلاثيته الروائية التي تعكس حياة المصريين في العقود الأولى من القرن المنصرم.

هيمنة الغوازي

منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين، نجحت العوالم في كسب مكانة اجتماعية مرموقة فكنّ يغنين في مناسبات واحتفالات الأعيان والأغنياء والأسرة الحاكمة. ولكن بدأ الانحدار عندما بدأت تركيبة المجتمع المصري تتغير، وحل مكان البشوات والتجار والأعيان جنرالات الجيش في عهد عبد الناصر وبعده.

وفي عصر الانفتاح الاقتصادي، الذي بدأ في مطلع سبعينيات القرن المنصرم في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، تلاشى الاهتمام بالذوق الراقي، وحفظ القصائد الرصينة وغنائها، وصار أداء الرقصات يقتصر على الإثارة الصرفة للغرائز.

وجسّد فيلم "الراقصة والطبال" الذي ألفه الروائي إحسان عبد القدوس هذا التحول. يتحدث الفيلم عن الراقصة (أدت دورها الفنانة نبيلة عبيد) والطبال، وهو هنا يقوم مقام الأستاذ (جسّده أحمد زكي)، وينتهي بطرد الطبال من الفرقة التي كان قد أنشأها وفق معايير فنية عالية، لتتولى الراقصة رئاستها متخلية عن الذوق الجمالي الذي رباها عليه الأستاذ الطبال.

الحضرة الصوفية

تتسم مناسبات دينية كثيرة بالطابع الاحتفالي المبهج للموالد الشعبية، سواء كان مولد النبي محمد أو مولد أحد أولياء الله الصالحين المقدسين عند المتصوفة مثل السيد البدوي في طنطا، أو سيدنا الحسين والسيدة زينب في القاهرة.

وتشكل الحضرة الصوفية بأدائها الراقص جزءاً من طقوس المتصوفة الدينية، وهي تمارَس بانتظام كل أسبوع بعد صلاة الجمعة، وفي الموالد والمناسبات الدينية كليلة المنتصف من شعبان، ومولد الرسول محمد، وتنشد فيها الأناشيد التي تمتدح الرسول، وتدعو إلى العشق الإلهي والزهد في الدنيا.

رقصة التنورة

التنورة هي إحدى الرقصات الشعبية المرتبطة بالصوفية والطقوس الدينية، ويسمى راقصها حاناتي، وهي من الرقصات الوافدة إلى مصر من تركيا، ولكن المصريين أكسبوها طابعهم الخاص. وأصبحت التنورة أخيراً عامل جذب للسياح الأجانب وصارت تُعرض في كثير من المقاهي والكافتيريات في مدن سياحية كشرم الشيخ والغردقة.

 ومن أشهر الفرق التي تؤدي تلك الرقصة "فرقة التنورة التراثية" ومقرها القاهرة. وقد تأسست الفرقة عام 1988، وتقدم عروضها دورياً أيام السبت والأربعاء في قصر الغوري للتراث في شارع الأزهر، كما تقدم عروضاً في العديد من دول العالم مثل كندا، والولايات المتحدة الأمريكية، وفنزويلا، والنرويج.

وأشهر الآلات التي تصاحب تلك الفرقة الربابة والسلامية والمزمار والصاجات والطبلة. ويصاحب الإيقاع إنشاد ديني، ويتميز فنانو تلك العروض الشعبية الصوفية بأنهم تناقلوا هذا الفن عن آبائهم وأجدادهم.

وقد جسّد فيلم "ألوان السما السبعة" (كتبته زينب عزيز وأخرجه سعد هنداوي) شخصية راقص التنورة ذي الأشواق الصوفية المنطلقة نحو السماء. وأدى دور البطولة فيه الفنان فاروق الفيشاوي، مجسداً شخصية الراقص الذي يصارع رغباته ويمتحن قدرته على الرقص الروحاني أمام فتاة الليل التي أدت دورها ليلى علوي.

الرقص مع السلاح

منذ عصر الانفتاح، اختفى الرقص الشعبي الماجن بدرجة كبيرة وبشكل تدريجي عند كثير من أبناء الطبقة الوسطى في مصر. لم يعد المصريون  يجلبون الراقصات اختصاراً للتكاليف المادية لاحتفالاتهم، وتأثراً بالنزعة الدينية التي تشربها كثيرون ممن ذهبوا إلى الخليج بحثاً عن فرص للعمل. وعوضاً عن الراقصات "المحترفات"، صار بعض الحضور من المدعوين يقوم بالرقص الذي أضحى جزءاً من "الواجب" الاجتماعي يؤديه الأحباب والأقارب تعبيراً عن فرحتهم بالعرس أو المولود الجديد.

واستحدثت رقصات عدّة في الأعراس والمناسبات المختلفة ومنها ما يعرف بـ"التشكيل" وهي رقصة يؤديها الشباب على إيقاع أغنية شعبية أو موسيقى صاخبة، فيقوم الراقص، وهو واقف أو محني، بحركات بيديه وكأنه "يفرط" أوراق اللعب سريعاً، وتسمى أحياناً "الرقصة الاسكندراني" نسبة إلى الاسكندرية، ويستخدم فيها الشاب المطواة بكثرة، أو يشير بأصابعه بطريقة توهم المتفرج بأن يده مطواة.

كما لوحظ في الفترة الأخيرة ظهور أسلحة حادة صغيرة تستخدم عادةً في المشاجرات، مثل السنج والمطاوي والسواطير، ويستعين بها الشباب والنساء أحياناً في تأدية الرقصات.

رقصة التحطيب

وهي رقصة يؤكد دارسون ومحللون أنها قادمة من رحم السيرة الهلالية، وهي تؤدى بالعصا في الموالد الكبرى مثل مولد سيدي أبو الحجاج الأقصري، وسيدي عبدالرحيم القناوي. فيرفع الراقصون العصا بعد الانتهاء من صلاة العصر ويستمرون على هذا الحال حتى صلاة المغرب، ويأتي المشاركون من محافظات عدة باعتبارهم ممثلين عنها، ويتحلّق حولهم الناس.

التعليقات

المقال التالي