برنامج يعده السائق ولا يطلبه المستمعون: ماذا يسمع المصريون؟

برنامج يعده السائق ولا يطلبه المستمعون: ماذا يسمع المصريون؟

يصعب الوصول إلى تصور حول ما يسمع في مصر، أو وضع قائمة بالأصوات الدائرة داخل المواصلات كذلك. هل يمكن مثلاً تخيل وجود برنامج يحدد المسموع على الطرق؟

السلطة الزمنية لسائق

اعتاد الراكب في مصر أن تكون أولى لحظات من رحلته في وسيلة المواصلات مخصصة للتعرف إلى مزاج السائق.

يلجأ أحدهم لإذاعة القرآن الكريم كطقس جالب للبركة، لكن ذلك لا يمنع أن يشتمل البرنامج، بعد التلاوة، على أخبار ترافقها موسيقى خفيفة. أحياناً يحتوي البرنامج على أدعية وأناشيد صوفية، أو على الخطب الخاصة بدعاة من السلفيين، أو عمرو خالد في بدايات ظهوره.

بالرغم من أن الفقرات الدينية بدأت في التراجع الآن، فإن برنامج السائق المسموع هو لغز خاص بكل رحلة. أقرب إلى خطاب يسير في اتجاه واحد، هو ضجيج محبب للسائق، مقبول على مضض من الركاب.

يتمتع الأول بسلطة على الآخرين. سلطته زمنية حدودها نهاية الرحلة. يحدد ما يسمع بتحريك مؤشر الراديو أو وضع وحدة تخزين بيانات داخل نظام التشغيل الصوتي للمركبة، التي تقل الركاب من دون أن يستأذنهم. بينما يكون صاحب الهاتف وسماعات الأذن محصناً، وحده، من أي موسيقى قد تقتحمه. السماعات تجعل خيارات الراكب السمعية معبرة عن مزاجه هو، وليس عن مزاج السائق. هكذا تحميه موسيقى هاتفه المحمول، وهو ينتقل من نقطة إلى أخرى داخل العاصمة الممتدة والمزدحمة كذلك.

التجول بين محطات الإذاعة يكشف عن اتساع جرعة الأغنيات الوطنية بشكل لافت إذ يبدو أن هذه الموجات مشحونة بالوطنية المُغناة. كما عادت بقوة الأغاني الحماسية من الخمسينيات والستينيات، يتخلل هذا البث تقديم عبارات حماسية من خطب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ترتبط هذه المحطات بالدولة بشكل أو بآخر، فكانت الإذاعة قد سمحت لشركات خاصة بتأجير موجات الراديو FM، مع الإبقاء على حصص ثابتة للحكومة في غالبية محطات الراديو الخاصة.

لكن الراكب لا يحاط بموجات الإذاعة المصرية المختلفة فقط، وإنما تتنوع هذه البيئة الصوتية المحيطة باتساع مصر، وكثرة وسائل التنقل فيها، كما يختلف المسموع حسب مزاج كل سائق.

ضجيج مؤيد!

قبل عامين، سجل مصطفى كامل أغنية من تأليفه مع مجموعة من الفنانين، بعدها صار هذا العمل عنواناً لمرحلة ما بعد حكم الإخوان المسلمين، إذ توسع انتشار الأغنية للتعبير عن تأييد المصريين لعزل الجيش لمرسي. "تسلم الأيادي" كانت تسمع في كل مكان، مع إضافة عمل جديد هو "بشرة خير". الأخير غناه الإماراتي حسين الجسمي، وهو أبرز الأعمال الوطنية المؤيدة للسيسي بشكل عام. وقد وضع كلماتها أيمن بهجت قمر، ولحنها عمرو مصطفى، ولا تزال مهرجانات الرقص على أنغام هاتين الأغنيتين قائمة لتعبر عن تأييد لا يهتز، بالرغم من كل الصعاب!

 

موسيقى ممنوعة

قد يجد راكب "توك توك"، وهي وسيلة انتقال غير مرخصة أقرب إلى دراجة نارية تسير على ثلاثة دواليب، سائقه يسمع أغنية لوردة، بعدها بالتأكيد تسمع موالاً شعبياً. هذا هو الصوت الأبرز، قد يكون هناك اختلاف في الأماكن، فما ينتشر في مدينة كفر الزيات (محافظة الغربية)، يختلف عما ينتشر في القاهرة، وهذه مجرد مسألة وقت، حتى يتبادل أهل الدلتا والعاصمة ما يسمعونه.

بين الأغنية الوطنية والشعبية تبدو إذاعة "شعبي" كموجة يرتاح لها الركاب. تقدم المحطة الإذاعية المملوكة للإذاعة المصرية، الموسيقى والأعمال الشعبية القديمة والحديثة. أسست هذه الإذاعة لتوظيف الأرشيف الكبير للإذاعة المصرية من الألوان الشعبية المُغناة.

لكن يبدو أن طريقة إدارة هذا الأرشيف تخضع لمعايير أخلاقية، فقد سبق أن تم إيقاف بث هذه المحطة في يناير 2014 بسبب بثها للأغاني الشعبية الأحدث "المهرجانات"، كونها "غير لائقة"، بحسب ما أعلنت درية شرف الدين، وزيرة الإعلام حينذاك. 

قبل هذا المنع وبعده، لم يهتز حضور هذه الموسيقى، خصوصاً أن لا أحد في حاجة إلى مؤسسة أو شركة فنية، إنما من يملك القدرة على تسجيل وتحميل أي عمل فني، يصبح موجوداً ومؤثراً.

تعتمد هذه الموسيقى على إعادة توزيع ومزج التوليفات الموسيقية، كخلفية لكلمات يؤديها المطرب، وقد تكون هذه الكلمات أيضاً مستوحاة من عمل آخر. هكذا سيطرت المهرجانات، منذ أكثر من ست سنوات، ولا تزال، على المزاج العام للمصريين.

أخيرًا طرح منتدى مطبعة أغنية "مفيش صاحب يتصاحب" لفريق شبيك لبيك، وصار مسموعاً في كل مكان، وتجاوز المليون مشاهدة على موقع YouTube. الموقع الذي أسسه محمود مطبعة في العام 2009 يعتبر أشهر أرشيف إلكتروني للمهرجانات، إذ يحمّل محمود هذه الأعمال ويقدم أحدثها.

لكن مطبعة لا يسيطر على هذه الساحة وحده، فقد طرح موقع "طرب ميكس" Trap mix، قبل مدة الجزء الثاني من مهرجان شبيك لبيك بعنوان "لقيت صاحب يتصاحب".

قوائم ملوك الطرق

العمل الأكثر رواجاً في مصر الآن، يفتتحه فريق شبيك لبيك بفقرة تمتدح منطقة عزبة محسن في محافظة الإسكندرية. يعبر ذلك عن تقليد رسخه صنّاع هذه الموسيقى الشعبية، ليكون مدح منطقة ما وسيلة لصنع جمهور مؤيد من سكانها، وتأكيد على تعبيرها عن أحلام شبابها.

ويرجع ذلك إلى عادة تحية سكان المنطقة التي يقام فيها الفرح الشعبي، خصوصاً أنها تقام في سرادقات في الشوارع، وتعتبر وسيلة للفرح داخل هذه المناطق وممارسة حياة ليلية من دون الحاجة إلى التوجه إلى ملاهٍ ليلية مثلاً.

لكن هذا الرواج ليس إلا ظاهرة طارئة على قوائم أصحاب السلطة الزمنية، وملوك الطرق، بينما لا يزال راسخاً في هذه القوائم، حضور أغنيات أم كلثوم ليلاً، على موجة إذاعة الأغاني، حتى ما بعد منتصف الليل، يليها جورج وسوف. المفضل بوجه خاص عند السفر بين المدن والمحافظات المصرية. هذه الفقرة من البرنامج متفق عليها، بلا ترتيب، بين غالبية ملوك الطرق.

أحمد وائل

صحافي مصري.

كلمات مفتاحية
ثقافة مصر موسيقى

التعليقات

المقال التالي