محمود درويش يستمر في بث الثقافة من داخل ضريحه

محمود درويش يستمر في بث الثقافة من داخل ضريحه

فوق إحدى تلال مدينة رام الله، يرقد الشاعر الكبير محمود درويش في منتصف متحف صُمّم على شكل كتاب مفتوح. في هذا المكان، يبحر الزائر عبر الزمان والمكان في عالم هذا الشاعر. منذ افتتاحه، شهد المتحف حراكاً ثقافياً لافتاً. وفي فترة قياسية، حقق ما لم تحققه مؤسسات ثقافية تمتلك إمكانات أكبر من إمكاناته.]

الصرح المسمّى باِسم الراحل يضمّ قاعة متعددة الأغراض، ومكتبة، ومتحف محمود درويش، ومسرحاً صيفياً خارجياً، وفضاء المنبر الحر، وضريح الشاعر وحديقة عامة. نجحت هذه الفسحة في مد جسور ثقافية بين فلسطين والعالم العربي، وعقد حوارات حول العديد من الأعمال الأدبية، وهذا ما جعل من المتحف لاعباً أساسياً في المشهد الثقافي الفلسطيني.

عوالم متحف درويش

يمتاز فضاء المتحف بمشاركة شبابية فعالة في النشاطات التي يحتضنها. سريعاً، نجح في التحوّل إلى ملتقى لكثير من المهتمين بالثقافة. وربما تكون المرة الأولى التي يجد الفلسطيني مكاناً يجعله يتفاعل مع الثقافة العربية وغير العربية بشكل منظم من خلال المشاركة في مشاريع وأنشطة ثقافية متنوّعة.

ويقدّم التقرير السنوي للمتحف لعام 2014 لمحة عن الأنشطة التي يحتضنها المتحف. فقد جاء فيه أنها "لا تنحصر في جانب ثقافي واحد بل يتم التركيز على التعدد في المشاريع والأنشطة حيث تراوح بين استضافة كبار المبدعين العرب والفلسطينيين ومناقشة أعمالهم ومنجزاتهم الأدبية والثقافية من خلال مشروع "مبدع في حضرة درويش". بالإضافة إلى استضافة عدد من المثقفين الفلسطينيين والصحافيين ضمن مشروع "كتاب قرأته" لقراءة ومناقشة كتاب مختار وتحليله... وتقديمه للقارئ بطريقة أبسط".

إلى ذلك، هناك مشروع "الأربعا سينما"، ومشروع "أدب الأسرى" الذي يقدم ويناقش أعمال الأسرى المحررين أو المعتقلين في سجون الاحتلال و"ذلك لمساعدتهم في كسر القيد والتغلب على العزلة". ويتحدث التقرير أيضاً عن "العديد من الأنشطة المتنوعة التي نظمها واستضافها المتحف والتي تضم حلقات نقاش لإصدارات أدبية جديدة من كتب وروايات وقراءات شعرية ومعارض فنية وعروض موسيقية".

وفي هذا الإطار، قال مدير عام المتحف سامح خضر لرصيف22: "بات متحف محمود درويش يحتل مكانة بارزة بين المؤسسات الثقافية العاملة في مجالات تنشيط الثقافة والفنون في فلسطين ومحيطها العربي من خلال عدد من الشراكات العربية والإقليمية التي يسعى المتحف إلى توطيدها لإعادة فلسطين إلى واجهة المشهد الثقافي العربي. هذا بالإضافة إلى بناء جسور عربية ودولية مع أبرز الكتاب والمفكرين العرب ودعوتهم إلى متحف محمود درويش للاطلاع على تجاربهم الفكرية والأدبية والإنسانية عن قرب".

صعوبات وتحديات

وعن الصعوبات التي يواجهها المتحف، لفت خضر إلى أن أبرزها، شأنه شأن كل المؤسسات العاملة في فلسطين، هي "الاحتلال الاسرائيلي الذي يمنع ضيوف المتحف بين الحين والآخر من زيارة فلسطين، بالإضافة إلى قلة الدعم المادي في الحقل الثقافي مما يدفع المتحف إلى الاعتماد على مصادر التمويل الذاتية أو على رعايته من قبل مؤسسات اقتصادية محلية".

الكاتب والروائي الكويتي سعود السنعوسي الفائز عام 2013 بالجائزة العالمية للرواية العربية عن روايته ساق البامبو، شارك في عدد من اللقاءات التي نظمها المتحف. قال لرصيف22: "أهم ما لاحظته في جمهور المتحف أنه جمهور قارئ. أنا أتحدث عن القراء بدرجاتهم المختلفة من القارئ البسيط إلى المهتم فالمحترف. ربما أهم ما لمسته في المتحف أن أنشطته لا تقتصر على النخبة المثقفة، بعكس ما نجده في أماكن كثيرة. هذا التنوع الجميل في جمهور المتحف يدفع إلى الارتقاء بذائقة المتلقي، البسيط على وجه الخصوص، من خلال تواصله المباشر مع الضيف، ومع فئات مختلفة من الحضور كالقراء والنقاد والأدباء، وهذا ما يصنع حراكاً ثقافياً حقيقياً لا تعرفه دوائر المثقفين المغلقة".

ولا تقتصر الأنشطة على فعاليات تقليدية وإنما تشمل مسائل يعتبرها البعض محرمات سياسية. كما يحقق المتحف جزءاً من أحلام بعض الكتّاب والشعراء الفلسطينيين في المهجر بالتواصل مع وطنهم فيأتي بهم ليقدموا في قاعته أجمل الأمسيات الثقافية.

يمكن القول إن المتحف أعاد إحياء الهوية الفلسطينية الثقافية الواحدة في زمن عجز القيادات. الفنانة لينا قادري التي أقامت معرضاً فنياً في المتحف، قالت لرصيف22: "من مزايا المتحف التنوع في انتقاء المناسبات والأحداث الثقافية، إذ لا يُقتصر على نوع واحد من المناسبات الثقافية والفنية بل يقدم شتى أنواع العروض واللقاءات والأفلام ويستقبل العديد من الشخصيات الثقافية المحلية والعربية ويتيح للحضور فرصة التفاعل معهم".

الهوية هي ما نُوَرِّث

الصعوبات التي يواجهها المتحف تتطلّب دعم المتحف لتطويره والارتقاء به الى مستوى أعلى. قال السنعوسي: "أتصور أن أمام وزارة الثقافة صرحاً ثقافياً حقيقياً أسَّس قاعدة كبيرة وحضوراً فاعلاً في المشهد الثقافي العربي وتجاوز صداه فلسطين من خلال استقطاب أسماء عربية كبيرة واستضافتها. دعم المتحف ضرورة لأنه صرح ثقافي فلسطيني، بالدرجة الأولى، يخدم فلسطين في الداخل والخارج". وأضاف: "المشاركات الخارجية ضرورة لا بد منها، فالثقافة والفنون على مر الزمن هما الوسيلة الأنجح لتواصل الشعوب".

"الهوية هي ما نُوَرِّث لا ما نَرِث"، قال محمود درويش. وهذا بالضبط ما يقوم به المتحف. وأكّد خضر سعي المتحف إلى وضع "خطط مستقبلية أكثر انفتاحاً على الشتات الفلسطيني من خلال توقيع اتفاقات تعاون مع مؤسسات فلسطينية في دول الشتات من أجل متابعة المواهب الفلسطينية في مختلف المجالات، ودعمها وتقديمها للجمهور الفلسطيني".

وأضاف خضر: "صحيح أن المتحف يسعى إلى تخليد الشاعر الراحل محمود درويش ولكن هناك دوراً أساسياً وهو صنع محمود درويش جديد، وغسان كنفاني جديد، وناجي علي جديد، وفدوى طوقان جديدة ليكونوا دعامة أساسية في المشهدين الوطني والثقافي الفلسطينيين".

نشر الموضوع على الموقع في 13.03.2015

التعليقات

المقال التالي