كيف يتأثر الطعام بالسياسة: الحمص والبقلاوة بين فلسطين وإسرائيل

كيف يتأثر الطعام بالسياسة: الحمص والبقلاوة بين فلسطين وإسرائيل

تُعرف سلطة الحمص في المطاعم اليهودية في جميع أنحاء العالم، بأنها "الوجبة الإسرائيلية"، بوصفها أكثر الوجبات شعبية في إسرائيل، ويتعامى الإسرائيليون عن أصلها الفلسطيني. هنا نقرأ سجالاً حول مفهوم "الأصالة" في الأطعمة، بين الحمص والبقلاوة، بين الخلافة العثمانية والفلسطينيين والإسرائيليين.

على صفحات جريدة "هاآرتس" الإسرائيلية كتب المؤرخ أون باراك مقالاً عن تنقلات الطعام بين الثقافات المختلفة بعنوان "ما علاقة البقلاوة بالثورة الفرنسية؟". ذكر في المقال أن البقلاوة تعود جذورها كما نعرفها اليوم إلى مسيو غيوم، الذي كان كبير خبازي ماري إنطوانيت وهرب إلى إسطنبول بعد الثورة الفرنسية، على خلاف زملائه من الطهاة الملكيين الذين اتجهوا للعمل لدى البرجوازيين. انضم غيوم إلى المطبخ السلطاني حيث كانت البقلاوة ملكة المخبوزات، بسبب البسكويت والعسل التي اشتملت عليهما من بين الباقي، وعُدا أطعمة صحية ومشعلة للشهوة الجنسية. بعد أن انتهى غيوم من تعلم إنجاز هذه الوجبة، أدخل إضافات مختلفة في طرق إعداد العجين وتقطيعه وطيه. "البقلاوة التي نأكلها اليوم تحتوي هذا اللقاء العابر للثقافات. بين قطع الرؤوس وتقطيع المخبوزات، بين عنف الثورة الفرنسية وثقافة البلاط السلطاني" يقول الكاتب.

بعد هذا المثال لتنقّل الوجبات بين ثقافات مختلفة، يبدأ باراك في الحديث عن البقول. فالسلطنة العثمانية كانت تعاني من التقلبات الاقتصادية، ولكنها نجت من تغيير النظام بسبب مخزن الحبوب المصرية الذي تدفق منه القمح للمراكز المدينية الإمبريالية. ولكن منذ بداية القرن التاسع عشر، بدأت مصر في تقليص زراعة القمح لمصلحة محاصيل مثل القطن والتبغ والسكر، وهذا ما ربطها أكثر بالاقتصاد العالمي وأبعدها بالتدرّج عن إسطنبول. 

بالنسبة للحمص بالتحديد، يشرح الكاتب أن الحاكم المصري محمد علي احتل أجزاء كبيرة من الشام والأناضول، ومن بين دوافعه لهذا كان نقص الخشب ومصادر الطاقة الأخرى بسبب التغيرات الإقليمية في المنطقة، ومنها الجفاف الشديد والأوبئة التي أصابت الحيوانات وغيرت من أساليب الري والزراعة، واستخدام الخشب. "عندما مر المصريون بفلسطين العثمانية في الطريق إلى سوريا، وعندما لم يجدوا فيها حبات الفول، بدأوا في استخدام مواد خام محلية، ومنها الحمص، لإعداد الطعمية، وهي كرات هشة من عجينة بقول وتوابل تُقلى بعمق". يختتم مقاله: "مثل البقلاوة، فالأكلة التي تولدت من هذا اللقاء، الفلافل، تحمل في داخلها المحلي والإمبريالي، تكنيكات الطبخ المستوردة والمواد الخام المحلية، العنف والغذاء، السياسة والطبخ، الثقافة الإنسانية والبيئة المادية". 

الحمص وسلطة الحمص

على صفحات هاآرتس أيضاً ردت على أون باراك أستاذة السوسيولوجيا الإسرائيلية دفنا هيرش، مركّزةً كلامها على الأبعاد السياسية والاجتماعية لـ"سلطة الحمص". تقول الباحثة إن الوصفة الأولى التي نعرفها ونجد فيها الحمص مطحوناً ومختلطاً بالطحينة والتوابل (من بينها الفلفل والنعناع والصعتر والقرفة والكزبرة الجافة وغيرها وغيرها) تظهر في كتاب طهو بغدادي ينتمي للقرن الثالث عشر، ولكن ليس هناك مصادر متسلسلة تمكننا من استعادة تاريخ الوجبة في القرون التالية. في نهاية القرن التاسع عشر كان الحمص يباع في شوارع دمشق. وقد تضمنت حبة الحمص المطحونة والمختلطة بالزيت والصعتر والكمون، أو بصيغة أكثر تعقيداً، تضمنت الطحينة أيضاً ومعجنات الليمون أو دبس الرمان، والزبد الذائب، والبسكويت أو الصنوبر. ولكن هذه الوجبات لم تكن تباع خارج دمشق، مما يشهد أنها وصلت متأخرة نسبياً للمطابخ المحلية خارج المدينة الكبيرة. في بداية القرن العشرين كان الحمص يؤكل في فلسطين ولبنان والأردن.

بين اليهود العرب والأوروبيين

ولكن على ضوء حقيقة أن الطعام يتغير دائماً مع الزمن، ولدى التنقل بين الجماعات، فهل هناك أصلاً سبب للكلام عن "أصل" وجبة ما؟ تتساءل الباحثة وتجيب: "مهما يكن أصل الحمص، فلا شك أن يهود شرق أوروبا ووسطها الذين استوطنوا فلسطين عرفوه عن طريق اللقاء بالعرب الفلسطينيين، وإن لعب اليهود الشرقيون أكثر من مرة دور الوسيط. وحتى اليهود الشرقيون بشكل عام، تعرفوا على الحمص عن طريق اللقاء بالفلسطينيين، فأغلب اليهود الذين جاءوا إلى فلسطين من البلدان العربية كانوا في بلدان لا تعد وجبة الحمص المطحون بالطحينة عنصراً في قوائمها على وجه الإطلاق".

حبة الحمص نفسها كانت معروفة، وعرفتها جماعات إشكنازية في إسرائيل، وكانت تؤكل في احتفال يقام يوم السبت التالي لولادة الابن الذكر. ومع هذا، فاليهود الذين جاءوا من أوروبا كانوا أقل استهلاكاً للحبوب مقارنة باليهود الآتين من البلدان العربية. ولم يسارع يهود أوروبا إلى تبني وجبات من المطبخ الفلسطيني، رغم أن بعضاً ممن سكنوا في الموشافات [المستوطنات التعاونية] وشغّلوا عرباً في الأعمال المنزلية، تبنوا أكلات مثل المجدرة والحمص. "في مقابل هذا، فالتواصل وانتقال الأكلات بين الطوائف اليهودية والشرقية والطوائف العربية في فلسطين كان موضوعاً مألوفاً. المجتمع اليهودي الذي تشكل في فلسطين كان مجتمعاً متعدداً، ومثله أيضاً كانت عاداته في الأكل".

"في فترة ترشيد الغذاء في الحرب العالمية الثانية، بدأت مؤسسات غذائية مثل "يوتسو" و"هاداسا" في التوصية بتبني وجبات من المطبخ الفلسطيني، والتي في زعمهما مستمدة من مواد محلية. في الخمسينيات من القرن الماضي، تحول الحمص بالتدريج لأكلة على الموضة وسط الشباب وفي الأوساط البوهيمية، بالتوازي مع صعود شعبية "المطعم الشرقي"، وكان يملكه يهود في الغالب، وهو قدم برنامجاً ضئيلاً وثابتاً من الأطعمة المأخوذة من المطبخ الفلسطيني. ولكن الانفجار الكبير للحمص في قائمة الطعام اليهودية كمن في طريقة صناعة الأكلة، عندما بدأت شركة "تلما" في صناعة حمص محفوظ في صفائح منذ نهاية الخمسينيات، وكانت أول من ربطت بينه وبين تعبير "أكلة وطنية". نحن نفضل نسيان دور صناعة الطعام في تاريخ المطبخ المحلي بشكل عام والحمص بشكل خاص، ولكن في الستينيات كان أغلب من تعرفوا لأول مرة على الحمص قد تعرفوا على المنتج الصناعي".

ما هي الأصالة؟

هل حقيقة أن أصل حبة الحمص من المنطقة، وأنها استمرت تنبت وتُستهلك فيها على مدى قرون، هو ما جعلها في إسرائيل الوجبة المحلية والأصيلة؟ تجيب الباحثة: "معروف أن "الأصالة" مصطلح خصص لخلق تمييزات بين أنواع المنتجات. الأبحاث عن "الفووديين" (وهم أناس يشكل الأكل مكاناً مركزياً في حياتهم، ليس فقط كمصدر لقضاء الوقت وإنما أيضاً كمجال للاهتمام والدراسة)، تظهر أنه في العقود الثلاثة الأخيرة، والتي أصبح فيها الأكل الشعبي موضوعاً شرعياً للاستهلاك حتى بين "الفاهمين"، تحولت "الأصالة" إلى مفهوم يتيح التمييز بين المنتجات المصنفة في خانة "الشعبي".

"مفهوم "الأصالة" يتيح التمييز ليس فقط بين الأكل المحلي والأكل الذي ليس محلياً، وإنما أيضاً بين تصنيفات داخل المحلي. هكذا، مثلاً، من الشائع التمييز بين الحمص "اليدوي" وبين الحمص "الصناعي"، بين الحمص الذي يعده يهود والحمص الذي يعده عرب، ويعدّ أكثر أصالة، وبين الحمص المنتج في محمصة قديمة والحمص المصنوع في "مطبخ شرقي" في محطة بنزين، حتى وإن كان أصحابه وطباخوه عرباً. في الواقع، إن الشعبية الهائلة للحمص في إسرائيل – وأغلب الحمص المستهلك على يد اليهود في إسرائيل هو حمص صناعي – أدت إلى استيراد حبوب الحمص".

هل سرق الإسرائيليون الحمص؟

تنتهي الباحثة بمحاولة الإجابة عن السؤال الشهير: هل الإسرائيليون سرقوا أو احتكروا أو صادروا الحمص؟ تقول إن مفهوم "السرقة" و"الاحتكار" و"المصادرة"، هو رمزي هنا على خلاف سرقة أو احتكار أو مصادرة موارد حاسمة مثل الأراضي. وتضيف: "لا يمكن الزعم بأن الاحتكار الرمزي بلا معنى، في أحيان متقاربة تكون له معان هائلة بالنسبة للمجموعات التي لا يحظى خبراؤها وعملها الجماعي بالاعتراف". وتلفت إلى أن هناك أبعاداً اقتصادية للاحتكار الرمزي أيضاً، مشيرة في ذلك إلى فادي عودة، رئيس جمعية الصناعيين في لبنان، والذي تدّعي أن التنافس على الأسواق هو ما كان  نصب عينيه، بوصفه مُصنّعاً للحمص، "عندما طلب من الاتحاد الأوروبي تحديد (وضع جغرافي محمي) للحمص كأكلة لبنانية، وبهذا يمنع الصناعيين الإسرائيليين من تسويق منتجهم تحت هذا الاسم"، وهي خطوة لم تنفذ وأثارت ضجة حتى في العالم العربي.

تختتم الباحثة كلامها بالسياق الاستعماري المادي في فلسطين، حيث "يمكننا افتراض أنه في مجتمع متساو، إعطاء صفة "الأكلة الوطنية" للأكلات العربية قد يكون سبباً للفخر لدى الفلسطينيين، ولكن في ظل عدم المساواة، يصبح هذا لديهم "استعماراً ثقافياً". لهذا بالضبط، لن تكون لإيماءات الاعتراف معان كبيرة إذا لم يتمّ نقض الاستعمار على المستوى المادي أيضاً". ولكن من ناحية أخرى، تبدو الباحثة معجبة بحب الإسرائيليين للحمص: "هناك جمال في كون الديناميكيات شبه الفردانية التي حدثت في مجال الثقافة (من الأسفل)، ولكن أحياناً أيضاً بمساعدة غير موجهة من المركز (السلطة)، تعمل ضد محاولات التوحيد والبحث عن التميز. في مقابل مجتمعات استيطانية أخرى حافظت على مسافة ثابتة بينها وبين أكل السكان الأصليين (مثل أستراليا)، فاليهود الذين استوطنوا فلسطين سحرتهم سريعاً مذاقات المكان وروائحه".

التعليقات

المقال التالي